الكاتب الصحفي وائل قنديلالكاتب الصحفي وائل قنديل

من حقك أن تقول ما تشاء عن تلك اللحظة الخاطفة في تاريخ مصر، والتي صعد فيها الدكتور محمد مرسي إلى سدّة الحكم، محمولًا على أصوات الناس، في أول وآخر (حتى الآن) انتخابات حقيقية تشهدها البلاد.

من حقك أن ترى أنه أخطأ بالكلية، أو أصاب بالإجمال، وأن توافق أو تعترض على طريقته. ذلك كله منطقي ومشروع في التقييم وبناء المواقف، غير أنه من ألوان العبث وفنون النصب السياسي أن تقارن بين “أيام محمد مرسي” و”عقود حسني مبارك” و”سنوات عبد الفتاح السيسي”.

يشبه الأمر، مع فروق هائلة في أصل التجربتين، المقارنة بين حكم اللواء محمد نجيب والصاغ جمال عبد الناصر، إذ لم يكمل الأول شهورًا في سلطةٍ مهتزة، لم تكتمل، فيما بقي الثاني 18 عامًا كاملة، حاكمًا أوحد، مهيمنًا على كل السلطات.

ليس التاريخ بعيدًا، وما زالت الأحداث والوقائع طازجةً وساخنةً لم يصبها الشحوب والغموض بعد، وتنبئنا أن الرئيس مرسي دخل قصر الاتحادية في أول يوليو/ تموز 2012. وبعد 27 يومًا فقط، كان الحساب العسير له من الجبهة الوطنية التي تشكلت من وجوه معارضة مختلفة الأطياف، في مؤتمر صحافي، أطلقت عليه بعض وسائل الإعلام “مؤتمر الإنذار الأخير”، وهو المؤتمر الذي قال عنه الراحل حمدي قنديل، أحد مؤسسي الجبهة، في مذكّراته ما يلي:

“وفي يوم 28 يوليو، وبعد أن كلف هشام قنديل بتشكيل الحكومة، اضطررنا للخروج إلى العلن، فعقدنا مؤتمراً صحافياً في ساقية الصاوي، أعلنا فيه استياءنا خاصة من تكليف رئيس حكومة يفتقر إلى المعايير التي تم الاتفاق عليها، ومن الغموض الذي يلف قصر الرئاسة فيما يتعلق بتشكيل الفريق الرئاسي، استأنا كذلك من غياب الشفافية بين الرئيس والشعب، ومن انعدام التشاور مع الجبهة، ومن تجاهل تعديل تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، وطالبنا الرئيس بتصحيح المسار، أي اننا عدنا مرة أخرى ننادي بما نادينا به قبل شهر في اجتماعنا في فيرمونت”.

كان محمد مرسي يحاسَب حسابًا عسيرًا، باليوم وبالأسبوع وبالشهر، مطلوبًا منه إنجازات وحلولًا فورية لمعضلات متجذرة على مدى ربع قرن، وترفع في وجهه البطاقات الصفراء والحمراء، حتى لم تكد تمر مائة يوم على توليه الحكم، فكانت الدعوة إلى مليونية كشف الحساب.

وفي القراءة الموضوعية للذاكرة القريبة، تجد أن مرسي حوصر بشكل كامل في القصر، بدءًا من نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 عن طريق الدولة العميقة والثورة المضادة، وقوى محسوبة على ثورة يناير، استبدّت بها الكراهية، فقرّرت إشعال النار في الثورة، وفي نفسها، ثم يأتيك “متثاقف”، ويحدثك ببجاحة عن “عصر محمد مرسي” و”عهد حكم الأخوان” الذي هو في مجموعه الكلي 12 شهرًا، ثمانية منها تحت حصار المؤامرات، ثم يعقد مقارنات بين نظام مبارك (30عامًا) ونظام مرسي (48 أسبوعا) ونظام عبد الفتاح السيسي (6 سنوات).. أي تدليسٍ، وأي دجلٍ وأي استخفافٍ بالعقول، وإهانةٍ للعقل والمنطق!

من اليسير للغاية، عند عقد المقارنات، الرجوع إلى معايير علمية للتقييم، مثل قيمة العملة المحلية، وحجم الدينيْن، الخارجي والداخلي، ومعدلات التضخم، وهذه كلها، بالأرقام المجرّدة، ترجّح كفة الرئيس مرسي على كفة الجنرال عبد الفتاح السيسي الذي انقلب عليه. حتى في سباق الهاشتاغات يتفوق مرسي بالحكي عنه، حنينًا إلى تلك اللحظة التي شعر فيها المؤيد والمعارض بالكرامة، فلما أُهدرت جاءت سنوات المهانة.

غير أنه لن يكون موضوعيًا وعادلًا أن تقيس تجربة الأسابيع بتجربة العقود والسنوات في الحكم. ومن ثم يبقى السؤال الذي طرحته قبل عامين: أهي أميةٌ سياسيةٌ وإفلاسٌ معرفي، أم وضاعة أيديولوجية وخفّة يد للصوص التاريخ، حين يعتبر بعضهم اللحظة الخاطفة التي أقام فيها الرئيس المخطوف، محمد مرسي، في قصر الاتحادية، عصرا أو حقبة زمنية، تجوز مقارنتها بعقود الملكية الطويلة، وأعوام الناصرية الثمانية عشر، وسنوات أنور السادات العشر، وعقود مبارك الثلاثة، وسنوات عبد الفتاح السيسي الست، والتي يريدها ممتدةً حتى ينتقل من العرش إلى النعش؟.


نقلا عن “العربي الجديد”

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم