بعد سلسلة من القرارات القمعية وغير المسئولة والانتهازية، عبر 5 سنوات من الانقلاب العسكري جرى تدمير بنية المجتمع المصري، فقتل الآلاف وزج بنحو 60 الف من خيرة أبناء مصر ومفكريها وعلمائها في السجون وهجر الملايين من أراضيهم أو خارج وطنهم، ودمر الحرث وأهلك المنتجات المصرية وخرب الزراعات الاستراتيجية من القمح والأرز الذي دمر مساحاته وقيمته التصديرية، والقطن الذي يجري حرقه في أراضيه لعدم تحصيل تكلفته بسبب سياسات التسعير التي تدعم المزارع الأجنبي وتهلك المصري وتفلسه.. اتجه الانقلاب العسكري للتجارة وتهريب الآثار المصرية، وما بقي يجري تشويهه بدهانات ومواد غير مخصصة لترميم الآثار، كما جرى مؤخرا في ترميم تمثال الفلاحة المصرية وأم كلثوم والتماثيل بالميادين…

وفي أحدث قرار لتصفية ما تبقى من السياحة المصرية، المعتمدة على الآثار، التي يديرها العسكر في زمن الانقلاب العسكري، بفرض رسوم تصوير بالأماكن الأثرية بواقع 5 آلاف جنيه للوفد الأجنبي، وهو ما كشفه

مدير المركز الصحفي للمراسلين الأجانب بأسوان أحمد عبيد ، أكد في تصريحات صحفية اليوم الخميس قائلا ” وزارة الآثار فرضت رسومًا عالية على الوفود الأجنبية للتصوير بالمواقع الأثرية بواقع 5 آلاف جنيه للموقع الواحد ما أثر سلبًا على توافد البعثات”!!!

الخراب

ووفق مرشدين سياحييين يعد الرسم الجديد خرابا لقطاع السياحة والآثار.

الخراب تجلى منذ الانقلاب العسكري في 2013، حيث باتت الآثار المصرية سلعة سهلة لتحصيل الدولارات السهلة لجيوب العساكر، وهو ما بدا واضحا في سفر أو شراء أو تأجير الإمارات لأكثر من 32 ألف قطعة أثرية مصرية ووضعها في متحف اللوفر بأبوظبي، كما بقيت مشاهد إلقاء السلطات الكويتية على تابوت دخل أراضيها عبر التهريب، وكما تكرر في فضيحة البعثة الدبلوماسية المصرية في إيطاليا ، حيث جرى تهريب الآثار المصرية في الحقائب الدبلوماسية، والتي كشفها الأمن الإيطالي…

وما بين التهريب الذي انتعش بعهد العسكر وبين التشوية لمعالم الآثار والتاريخ المصرية، ضاعت قيمة وحضارة التاريخ المصري على يد ثلة من العساكر يعادون كل ما هو مدني ولا يثقون فيه…

ومن كوارث العسكر بحق الآثار المصرية، رأس تمثال رمسيس الثاني والذي تم استخراجه من أرض منطقة  المطرية ، شرق القاهرة، وجرى انتشاله بإهمال وعشوائية فتم كسره وتشويهه.

معبد دير شلويط

ومنها أيضا معبد دير شلويط أو دير العقاب بالأقصر، والذي تم ترميمه وافتتاحه عام 2014 تحت رعاية وزارة الآثار، يعتبر من الأمثلة التاريخية لما تعرضت له الآثار المصرية من تشويه، خاصة في القرون الأولى لانتشار الديانة للمسيحية بحسب المؤرخين، فهذا المعبد يعود بناؤه إلى العصر الروماني وتم بناؤه كممارسة قدسية للإلهة إيزيس، ومع انتشار مظاهر اضطهاد المسيحيين، كانت الوسيلة الآمنة لهروبهم من التعذيب هي الاختباء داخل المعابد الفرعونية، وتحويلها إلى كنائس للمسيحية، الأمر الذي دفعهم لتشويه الكثير من معالم آلهة مصر القديمة على جدران المعابد، حتى يتركوا الطابع المسيحي على المعابد.

وكان معبد إيزيس سابقًا، من أحد أهم مخابئ المسيحيين، والذي تحول بعد ذلك إلى دير شلوط ومعنى شلوط هي العقاب، وأصبحت تلك تسميته منذ هذا الوقت نسبة للمسيحيين على الرغم من هوية المعبد الفرعونية، والجدير بالذكر أن كلمة (شلوط) بالعامية المصرية الدارجة، تُنسب لكلمة شلويط، على أساس أن الـ(شلوط) هو وسيلة للعقاب.

ورغم محاولات الحكومة ، لترميم التشوه الذي حل بالآثار المصرية في أزمنة قديمة، إلا أن عمليات الترميم التي ترعاها وزارة الآثار ، يتخللها التخريب على أيادي القائمين على عملية الترميم، غير المؤهلين لهذا العمل الدقيق، في نظر العديد من المراقبين.

معبد الكرنك

وتعرض معبد الكرنك لعملية تشويه؛ في العام 2016، من خلال عمليات الترميم التي قامت بها وزارة الآثار، والتي أسمتها بعض وسائل الإعلام بـ«الفضيحة الدولية»، حيث استخدم عمال البناء القائمون على الترميم الأسمنت والمحارة كمواد ترميمية للمعبد، الأمر الذي أدى إلى طمس الكثير من المشاهد المهمة على جدران المعبد، وجعله يبدو من الداخل وكأنه «شقة» حديثة البناء في انتظار دهان حوائطها.

التشويه الذي لحق بمعبد الكرنك، أثار حفيظة الكثير من الأثريين وقتها، حيث وصفه البعض بأنه «قتل مع سبق الإصرار والترصد»،

وقبل تشويه معبد الكرنك بعامين، كانت حادثة تشويه قناع الملك توت عنخ آمون حديث العالم بأكمله، حين قام أحد العاملين بالمتحف المصري، بإجراء بعض التغيرات بإضاءة المقصورة التي يُعرض بها القناع.

خلال نقل القناع للتمكن من تركيب الإضاءة الجديدة؛ تعرض ذقن القناع للخلع والانفصال عن الوجه، كما ذكرت عالمة الآثار مونيكا حنا في تصريحاتها انذاك، إثر الضجة التي شغلت بال الرأي العام في مصر والعالم، عن لصق ذقن القناع بشكل خاطئ؛ أدى إلى تشويه مظهر القناع الخارجي، حيث ظهر «اعوجاج» قوي في ذقن القناع لاستخدام مادة لاصقة غير مصرح بها في الترميمات الأثرية، والتي قام بعض الخبراء الأثريين الألمان بإزالتها، ومعالجة تشوهات القناع؛ وعاد القناع بعد عملية ترميمه الأخيرة للعرض.

مجزرة الاثار الاسلامية

وفي نظر مراقبين، فان ما تتعرض له الآثار الإسلامية من تشوية أقسى مما تواجهه آثار مصر القديمة، لأن الآثار الإسلامية لا تتحلى بنفس القوة والصمود أمام عوامل التخريب والتعرية، مثل الآثار الفوعونية التي صمدت آلافًا من السنين، إلى جانب أن الآثار الإسلامية تتعرض إلى تآكل داخلي، يتزعمه الصراع البيروقراطي على السلطة من جانب وزارة الأوقاف ووزارة الآثار.

ومن ضمن الآثار الاسلامية،مسجد ابن طولون، ويعتبر من أهم الأماكن التاريخية فهو أول مسجد معلق تم بناؤه في مصر، وتصل مساحته إلى ما يزيد عن ستة أفدنة، وقد تعرضت جدران هذا الجامع إلى التقشر والتشقق نتيجة عوامل التعرية، إلى جانب ما رصده المراقبون من الإهمال في إدارته وتنظيفه، الأمر الذي جعله يشبه البيت القديم المهجور.

ونظرًا لأن هذا الأثر يعتبر من الآثار الإسلامية، فهو تابع لكل من وزارة الأوقاف لهويته الدينية، ووزارة الآثار لمكانته التاريخية، وكل وزارة منهما تلقي عبء الترميم والعناية بالأثر على عاتق الأخرى، لينتهي الأمر بالمسجد مهجورًا وكأنه دون وزارة ترعاه.

ولعل الخلاف بين وزارتي الأوقاف والآثار حول بعض المعالم الأثرية الإسلامية إلى أماكن مهجورة مليئة بالقمامة مثل مسجد سيدي مدين الأشموني بباب الشعرية ومسجد الظاهر بيبرس ومسجد الفكهاني، حيث تحولت تلك المعالم الأثرية إلى مكان خاص لمخلفات الباعة الجائلين والسكان بالمنطقة.

والأخطر من كل ذلك في نظر البعض، هو المعالم الأثرية التي تعرضت للإزالة من أجل بناء بنايات سكنية، والتي دفعت الراغبين في هذا الهدم إلى أن يقوموا بسرقة أو تخريب الأثر لطمس قيمته التاريخية؛ فلا يقف عقبة في طريق مصالحهم المادية والعقارية.

وهو ما حدث بإنفاق مليار جنيه لترميم آثار المعز، ثم أصبح البلطجية هم المتحكمين في هذا الشارع الأثري ويقومون بتدميره، تحت سمع وبصر العساكر.

المخطوطات التاريخية

بجانب الآثار ، تواجه المخطوطات التاريخية إهمالا شنيعا، لايمكن وصفه، يتمثل في السرقة وعدم تقدير القيمة، والتهريب ، بحانب  طريقة حفظه التي يراى البعض أنها لا تسمح بعرضه للعامة، وفي نفس الوقت تسهل عملية سرقته وتهريبه خارج مصر، حيث تعرضت المخطوطات المصرية النادرة، في الأعوام القليلة الماضية لسرقة وتهريب منقطع النظير..

وبحسب وزير الآثار الاسبق، زاهي حواس، فإن الآثار المصرية القديمة، سواء الفرعونية أو الإسلامية، إذا صمدت أمام عوامل التعرية والكوارث الطبيعية، فلن تصمد أمام الترميم التدميري لمعالم الأثر، والسرقة والنهب والتهريب..

بل إن بعض المعالم الحديثة التي قد يطمح البعض في تركها لتكون أثرًا للأجيال القادمة لم تنج، فعلى سبيل المثال، قبة جامعة القاهرة، قد تم تخريبها أثناء عملية تركيب بعض مكيفات الهواء للجامعة، الأمر الذي دمر شكلها الفني. وجعلها تبدو مثل البنايات السكنية.

أرقام كارثية

ويُقدر عدد القطع الأثرية في مصر ما بين 750 – 800 ألف قطعة أثرية بين المواقع الأثرية والمتاحف والمخازن، عدد المعروض منها للجمهور يُقدر بأقل من 40% من إجمالي هذا العدد.

وكانت الميزانية العامة المصرية في السابق تخصص قرابة 15 مليون جنيه للتنقيب عن الآثار، لكن مع مرور الوقت ظل هذا الرقم يتضاءل حتى وصل إلى مليون جنيه فقط في بلد يُفترض أن يعمل على جذب مزيد من السياحة كونها أحد مصادر الدخل القومي، ولكن الواقع يقول إن الوزارة المسئولة عن هذا القطاع بلغت مديونيتها قرابة 5 مليارات جنيه، لتترك الدولة الساحة إلى منقبي الآثار غير الشرعيين الذين يعملون في السر لتهريب تراث بلد بأكمله على مرأى ومسمع من حكوماتها المتعاقبة.

فيما يُقدر خبراء الآثار وأكاديمون من بينهم أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر الدكتور محمد عبد التواب عدد القطع الأثرية المفقودة بـ 1228 قطعة بالإضافة إلى 200 قطعة من مخزن متحف كلية الآثار، بل يؤكد عبد التواب أن 40% من مخازن الآثار يتم سرقتها بشكل شبه يومي في مصر، كما صرحت، ديبورا ليهر، رئيسة التحالف الدولى لحماية الآثار لجريدة الأهرام ، بأن قيمة الآثار المسروقة من مصر منذ يناير 2011 حتى العام الماضي، تتراوح ما بين 3 و6 مليارات دولار، دون أن تحرك الدولة ساكنًا.

رابط دائم