رغم عدم استفادة الشعب المصري من مشتريات السلاح الباهظة الثمن التي اشتراها السيسي منذ انقلابه العسكري على الرئيس المنتخب عام 2013، وحتى 2017، والكشف عن شراء سلاح، مثل طائرات “رافال” الفرنسية بأسعار تفوق ما اشترته دول أخري، وبعد انتزاع صواريخ ومعدات حديثة منها، إلا أن نظام الانقلاب استمر في شراء السلاح.

أسباب تعاظم وتزايد شراء الانقلاب للسلاح عديدة يمكن رصدها في: عمولات السلاح، وتحولها لرشوة للدول الكبرى لدعم الانقلاب، فضلا عن استخدام هذه الاسلحة ضد الشعوب كما ظهر في قمع الاعتصامات وقصف أهالي سيناء.

(أولا): عمولات السلاح

شراء المزيد من السلاح، معناه دخول ملايين الدولارات من عمولات الصفقات في جيب السيسي وكبار قادته العسكريين، وهذا أحد أسباب رفض السيسي إعلان ذمته المالية علانية، والاكتفاء بتقديمها سرية إلى قضاة الانقلاب (كإجراء شكلي) في لجنة الانتخابات الذين رفضوا بدورهم إعلانها وكأنها سر حربي.

ووفقًا للقانون المصري لا يوجد شيء اسمه “عمولات رسمية”، ولكن هذه الأمور سرية ومعروفة في الأوساط الاقتصادية وأسواق السلاح في العالم كله.

وقد تم الكشف أثناء التحقيقات مع المخلوع مبارك أنه كان يحصل على نسبة تقدر بـ 5% عن كل صفقة سلاح تشتريها مصر، ونسبة قريبة من ذلك لوزير الدفاع والمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذين يقومون بالتعاقد مع شركات السلاح العالمية.

وكانت الفقرة الثانية من المادة 108 من دستور مبارك السابق، توجب على رئيس الجمهورية عرض القرارات التي اتخذها في شأن عقود السلاح على البرلمان، ولكن مجلس الشعب تنازل حينئذ عن حقه الدستوري وقام بتفويض مبارك في عقد وإبرام صفقات السلاح، وكان يجدد التفويض طوال فترة حكم مبارك.

وقيل إن هذا جعل من مبارك أكبر تاجر وسمسار أسلحة في الشرق الأوسط، حتى أصبح واحدا من أكبر الوسطاء في هذا المجال لدى شركات السلاح العالمية مثل يونيتد ديفينس، ورايثون، ونورثروب، ولوكهيد مارتن، وروكويل، وتونيتد فيكنو لوجيز، وأباتشى، وايروسباسيال، وجازيل وغيرها.

ورغم أن محامي مبارك فريد الديب، زعم أنه حصل على شهادة من المخابرات الحربية في مايو 2011، بتوقيع “السيسي” حين كان يرأس الجهاز، تنفي أن مبارك حصل على أي عمولات من صفقات السلاح، فقد كشف صديق مبارك “حسين سالم”، ومحامي أسرة الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب الأسبق عن حصول مبارك علي عمولات.

وقال رجل الأعمال الفاسد “حسين سالم”، الذي كان جزءا من الرشاوي والعمولات التي كانت تقدم لمبارك وأنجاله، في أحد الحوارات الصحفية أن نظام العمولات الرسمية موجود، ودلل على هذا بأنها (العمولات) ستجعل من رئيس مصر القادم بعد مبارك “رجل أعمال خلال 3 أشهر”.

وخلال عهد الرئيس محمد مرسي لم يتم عقد أي صفقات سلاح، بسبب خشية العسكر من افتضاح أمر حصولهم على عمولات وفضح مرسي لها ومنعها رسميا، بيد أنه مع مجيء السيسي عادت الصفقات بقوة وكثافة غير عادية، وزاد الفساد.

من أدلة ذلك، كشف تقرير أصدرته “منظمة الشفافية الدولية” عام 2016، عن مجيء مصر في خانة الدول “الأعلى فسادًا”، بجانب “الجزائر، وليبيا، سوريا، واليمن”.

هل عمولة السيسي من السلاح 9 مليارات جنيه؟

وفقا لتقرير “مؤشرات استيراد الأسلحة” الصادر عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، يظهر أن واردات مصر من الأسلحة في فترة الانقلاب من 2013-2017 زادت بنسبة 225% مقارنة بالفترة ما بين 2008 و2012، لتحتل بذلك المرتبة الثالثة بين أكبر خمس دول مستوردة للسلاح خلال السنوات الخمسة محل الرصد بنسبة 4.5% من إجمالي الدول.

وبحسب التقرير، أصبحت فرنسا أكبر مورد للسلاح لمصر بنسبة 37% من إجمالي وارداتها، وشكلت كل من فرنسا والولايات المتحدة وروسيا أكثر ثلاث دول تصديرًا للسلاح إلى مصر بنسبة 37% و26% و21% على التوالي.

وبحسب قاعدة بيانات المعهد، خلال الفترة ما بين العامين 2014 و2017 عقدت مصر صفقات لاستيراد السلاح بقيمة إجمالية قدرها خمسة مليارات و898 مليون دولار، وكانت قيمة هذه الصفقات تزداد بصفة سنوية، إذ بلغت 380 مليون دولار في العام 2014، ومليار و452 مليون دولار في العام 2015، ومليار و711 مليون دولار في العام 2016، و2 مليار و355 مليون دولار في العام 2017.

ومعنى شراء السيسي أسلحة بأكثر من 5 مليارات دولار، وعلى فرض انه يطبق قاعدة مبارك بالحصول على نسبة 5% فقط فمعني هذا أنه حصل في 5 سنوات على 250 مليون دولار عمولات أي 4.3 مليار جنيه!، أما لو كان يحصل على نسبة أكبر (10%) مثلا فمعنى هذا أنه حصل على نصف مليار دولار عمولات صفقة السلاح أي قرابة 9 مليارات جنيه؟

وهناك تقرير آخر أصدره مركز خدمة الأبحاث بالكونجرس اﻷمريكي ديسمبر 2016، يؤكد أنه برغم معاناة الاقتصاد المصري، إلا أن السيسي جعل مصر ثاني مستورد للسلاح في العالم خلال عام 2015، بمبلغ 12 مليار دولار، أي أنه أستورد سلاحا في غضون 3 أعوام فقط من الانقلاب بـ 12 مليار دولار، وبالتالي حصل على عمولات سلاح تقدر بـ 600 مليون دولار (حال كانت نسبة 5% فقط)، أي أكثر من 10 مليار جنية، تزيد إلى 20 مليار جنيه لو كان يحصل على 10% عمولات سلاح!.

وتعد ميزانية الجيش في مصر مسألة سرية، وتختلف تقديرات المراقبين لها، حيث قدرتها منظمة الشفافية الدولية بـ 4.4 مليار دولار سنويًا، في حين قدرتها شركة الأبحاث المتخصصة بي. إم. آي BMI بـ 5.1 مليار دولار في العام 2015، متوقعة أن تصل إلى 5.4 مليار دولار نهاية 2016، وأن تقفز إلى 6.5 مليار دولار عام 2020.

(ثانيا): صفقات السلاح رشاوى للغرب

تشير مواقف الحكومات الغربية من نظام السيسي ودعمه ببيع أسلحة ومعدات تعذيب واجهزة تنصت وتجسس الكترونية على شعبه، بحسب تقارير للبرلمان الاوروبي، إلى أن صفقات السلاح التي يهديها السيسي الي دول مثل فرنسا وأمريكا وروسيا وبريطانيا بمثابة “رشاوي” لشراء صمت هذه الحكومات عن انقلاب السيسي وعدم شرعية، خاصة أنه ينفذ أيضا مصالحها ولا يهددها كما كانوا يتخوفون أثناء حكم الرئيس محمد مرسي بسبب الشفافية والندية التي تميزت بها سياسة مصر.

وقد أظهرت التقارير التي نشرتها صحف فرنسية وأجنبية عن شراء السيسي طائرات رافال بمبالغ تزيد بمقدار الضعف احيانا عن دول أخري اشترت نفس الطائرة مثل الهند والبرازيل، أن الامر ليس مجرد شراء وانما رشاوي، فضلا عن أن السعر الأعلى يتيح إعطاء القادة العسكريين في مصر عمولات أكبر.

أيضا أظهرت التقارير التي نشرتها صحف عالمية، وأكدها رئيس شركة داسو الفرنسية للطيران، إريك ترابيه، عدم تسليح هذه الطائرات بصواريخها، لأنه يتعين على الحكومة الفرنسية أن تطلب تصريحًا من الولايات المتحدة قبل بيع صواريخ “سكالب” الفرنسية ذات المكونات الأمريكية إلى مصر، أن الشراء لا يتم وفق اسس عسكرية بشأن مدي استفادة مصر من السلاح، وإنما الشراء بغرض الشراء.

وسبق أن قالت تقارير إعلامية فرنسية إن الولايات المتحدة الأمريكية تعوق المفاوضات المتعلقة ببيع 12 مقاتلة “رافال” إلى مصر، حيث ترفض واشنطن تصدير صواريخ الكروز “SCALP EG” إلى فرنسا لتسليح الطائرات المصرية بها.

لماذا يشتري السيسي صفقات سلاح لا تحتاجها مصر؟

وكان من المستغرب أيضا أن يشتري السيسي صفقات سلاح لا تحتاجها مصر، وتساءل مراقبون وسياسيون عن الهدف من هذه الصفقات ومن يدفع ثمنها، ولماذا الآن في خضم الجوع واتساع رقعة الفقر وارتفاع معدلات البطالة وتخلي الحكومة عن دعم كثير من السلع الأساسية؟

وقالوا: ماذا ستفيد الآلة العسكرية الاقتصاد المصري؟، وأين ستستخدم هذه الاسلحة إذا كانت العلاقات مع العدو التاريخي لمصر وهو الدولة الصهيونية على أفضل ما يرام وهناك تعاون وتنسيق أمني وسياسي لم يسبق له مثيل في أي عهد منذ توقيع اتفاقية السلام 1979؟

ويري محللون أن السيسي يحرص من خلال هذه الصفقات أيضا على مغازلة المؤسسة العسكرية التي وضعته على سدة الحكم بتزويدها بأحدث الأسلحة، وأن هناك عقد بينه وبين المؤسسة العسكرية جاء بموجبه للسلطة: (الأول) هو صفقات السلاح، و(الثاني) حماية العسكريين من أي مسائلات أو محاكمات.

كما أن القادة الذين يقومون بهذه الصفقات يحصلون على عمولات وامتيازات لا يعلن عنها، وسبق أن تم الكشف عن جانب منها في عهد الرئيس السابق مبارك، وأنها مستمرة بقوة في عهد السيسي.

الأخطر أنه تم الكشف عن أن السيسي يشتري أسلحة الجيل الرابع لا الخامس، فقد اشترى رافال الفرنسية ذات القدرات المحدودة ومن (الجيل الرابع) بينما تل ابيب تحصل على مقاتلات الجيل الخامس (اف 53)، يؤكد استمرار التفوق الاسرائيلي الجوي على الدول العربية.

وتنتمي طائرة رافال الفرنسية التي اشترتها مصر للجيل الرابع من الطائرات، بينما تعتبر «إف-35» الأمريكية ثاني طائرات الجيل الخامس الأمريكية، ويبلغ سعر طائرة رافال 90 مليون دولار أمريكي، بينما سعر إف 35 يبلغ 110 مليون دولار أمريكي.

رابط دائم