نحو ثلاثين عاماً، وسلسلة من الأحداث المثيرة، في أماكن عربية متفرقة، جرت، وتجري في تتابع يبدو كأنه غير مقصود، جعلت المنطقة تبدو كأنها في حالة مخاضٍ صعب وممتد، بدأت في العام 1990، عندما غزا صدام حسين الكويت واحتلها، وأعلنها محافظة عراقية. ثم تعاقبت الأحداث بسرعة كبيرة. لم يستمر الاحتلال العراقي للكويت سوى بضعة أشهر قليلة، عندما قادت أميركا تحالفاً عسكرياً كبيراً، وشنت حرباً أطلقت عليها اسم “عاصفة الصحراء”، شاركت فيها جيوش دول عربية رئيسية، في مقدمها الجيشان المصري والسوري، اللذان كانا قد خاضا معاً آخر الحروب العربية ضد العدو الإسرائيلي في أكتوبر/ تشرين الأول 1973.

انتهت “عاصفة الصحراء” بتحرير الكويت، ولكن المنطقة العربية لم تهدأ منذ ذلك الوقت، حيث بقي العراق تحت المطرقة الأميركية، واضطربت العلاقات العربية – العربية. وكان المثير أن إسرائيل، والقضية الفلسطينية، لم تكونا بعيدتين عن المشهد، فقد تحدث الرئيس الأميركي في حينه، جورج بوش الأب، عن نية الولايات المتحدة السعي إلى حل القضية الفلسطينية فور نهاية “عاصفة الصحراء”.

وبالفعل، دعا إلى عقد مؤتمر سلام في مدريد، برعاية أميركية روسية مشتركة، في أكتوبر/ تشرين الأول 1991. وظهرت تصريحات للرئيس الأميركي عن السلام، ولأول مرة يتحدّث عن “نظام جديد في الشرق الأوسط”. لم يُسْفِر مؤتمر مدريد عن شيء ملموس، وإن أعقبته محادثات واتصالات ثنائية، تطورت، خلال ولاية الرئيس بيل كلينتون، بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، نجمت عنها اتفاقية أوسلو (إعلان المبادئ) الشهيرة. وجرت مباحثات أردنية – إسرائيلية، أدت إلى اتفاقية سلام بينهما.

انتهت ولاية كلينتون، وجاء إلى البيت الأبيض، جورج دبليو بوش، وكانت القضية الفلسطينية تتصدر قضايا الشرق الأوسط، على الرغم مما طرأ عليها من عملية “تبريد” عبر اتفاقيات السلام الثنائية المختلفة. ولكن، لم يستمر الوضع على تلك الحال كثيراً، فقد وقع ما لم يكن في الحسبان، وهو عملية “11سبتمبر” الإرهابية الكبرى في العام 2001، هزّت الولايات المتحدة، وانعكست على العالم كله، وأعلنت أميركا حربها العالمية على الإرهاب، وتوارت كل القضايا الإقليمية، والدولية، وراء تلك القضية.

بدأت الحرب الأميركية بغزو أفغانستان في العام 2001، ثم كانت الخطوة الكبرى التالية، غزو العراق في العام 2003، حيث كان الحديث عن الشرق الأوسط وقضاياه قد بدأ يأخذ منحىً جديداً، بدءاً من مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد، ومشروعات إعادة الهيكلة للنظم السياسية ومشروعات الدمقرطة، وأفكار الفوضى الخلاقة. وذلك كله والمنطقة تعاني من الحروب الكبرى، كغزو العراق، والحروب الصغرى العدوانية التي يشنها العدو الإسرائيلي، تارة على لبنان ومرّات على قطاع غزة، وظهور الجماعات المتطرّفة المتعدّدة من تنظيم القاعدة إلى تنظيم الدولة الإسلامية، ودخول إيران لاعبا رئيسيا في المنطقة عبر أذرعها المختلفة.

كان ذلك كله يجري، ولا حديث عن القضية الفلسطينية، ولا عن إسرائيل وأطماعها التوسعية والاستيطانية. وسادت المنطقة العربية حالة من الجمود والضبابية، في ما يتعلق بالمستقبل، خصوصا في ظل نُظم حُكم استبدادية، متكلسة، فقدت القدرة على الحركة والفعل. وانتظر الجميع ما يمكن أن تُسفر عنه حالة المخاض العنيف التي يمر بها العالم العربي، واتجهت الأنظار إلى أميركا، وما كانت تطرحه من مشروعات. هل ستنجح في إقامة الشرق الأوسط الجديد على أسس ديموقراطية، بعد إعادة هيكلة النظم السياسية القائمة؟ وهل سيتم ذلك عن طريق التحالف، أو التعاون، مع تيارات الإسلام السياسي “المعتدل” بديلا مقبولا للنظم الشمولية التي كانت قائمة؟ وهل ستفرض أميركا حلاً مقبولاً للقضية الفلسطينية، يحقق الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني، ويضع نهاية للصراع.
في وسط تلك التساؤلات الحائرة، داهمت المنطقة، مع بداية العام 2011، رياح ثورات الربيع العربي.

انطلقت من تونس، ثم ضربت قلب المشرق العربي في مصر وسورية وليبيا واليمن، وهزت توابع تلك الرياح العالم العربي كله. وتجدّد الأمل في أن تلك الثورات هي نهاية المخاض الصعب الذي تعيشه المنطقة، ولكن سرعان ما تبدّد الأمل، حيث تحولت رياح الربيع عواصف الثورات المضادة. ودخلت المنطقة العربية في طور جديد من أطوار المخاض الصعب، بعد أن عمّت حالة الاضطراب، والقلق، وعدم اليقين، كل المنطقة. وأصبحت القضايا الوجودية الشغل الشاغل لكل دولة في المنطقة، ولم تعد أي دولة تملك القدرة على الانشغال بغير ذلك من قضايا قومية، أو إقليمية، خصوصا القضية الفلسطينية التي توارت كثيراً.

في وسط تلك الأجواء التي كانت تُخيم على العالم العربي، جاء الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب. لم يتحدث عن شرق أوسط كبير، أو جديد، ولا عن فوضى خلاقة، ولا عن دمقرطة للعالم العربي، ولا عن حل عادل للقضية الفلسطينية. ولكنه دخل مباشرة إلى لُب الهدف الإستراتيجي الصهيو-أميركي، وهو ترسيخ الوجود الإسرائيلي على كل أراضي فلسطين التاريخية المحتلة، وفي مقدمتها القدس الشريف، والتي اعترف بها عاصمة لدولة إسرائيل، ونقل إليها السفارة الأميركية. ولم يكتف بذلك، بل اعترف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، ترسيخاً لمبدأ جواز ضم الأراضي المحتلة بالقوة، عكس كل القوانين الدولية. وذلك كله في إطار طرحه مشروعا غامضا تحت عنوان “مشروع سلام الشرق الأوسط”، عُرف باسم صفقة القرن.

كانت تلك الخطوات التي أقدم عليها ترامب بمثابة بالونات اختبار للعالم العربي. وجاء رد الفعل العربي الرسمي فاتراً وباهتاً. وأحياناً لم يكن هناك رد فعل على الإطلاق. وهنا أدرك ترامب وإدارته الأميركية أن المسرح مهيأ لاستكمال مشروع تصفية القضية الفلسطينية، وأن ما كان يبدو كأنه حالة مخاض عربي إنما هو حالة مقصودة، في حد ذاتها. ومن هنا، جاءت تصريحات جاريد كوشنر، مستشار ترامب المعني بملف الصفقة، بأنه سيتم الإعلان عن مضمون المشروع الأميركي لسلام الشرق الأوسط، بعد شهر رمضان. ثم جاء تصريح متحدث باسم البيت الأبيض بأنه تقررت الدعوة إلى مؤتمر في البحرين في نهاية يونيو/ حزيران المقبل، لبحث الجوانب الاقتصادية للمشروع الأميركي، لضخ استثمارات هائلة تغير وجه الحياة للفلسطينيين، من دون التطرق للمسائل السياسية.

يبقى السؤال الأهم بشأن ما يجري في المنطقة، حيث يبدو أن أميركا غير مطمئنة تماماً لردود الفعل العربية، والإقليمية، تجاه صفقتها المشؤومة. ولذلك تسعى جاهدةً إلى تحييد كل الأطراف العربية والإقليمية. ولعل ذلك يفسر ما يجري في السودان والجزائر، وكلاهما كانا بعيدين عن حالة الاضطراب والقلق العربي، فأصبحا مشغولين بقضاياهما الوجودية. أما عن الطرف الأكثر خطورة على المشروع الأميركي، وهو إيران، فكان لا بد من إدخالها فى دوامة العقوبات، والتهديدات، ومخاطر الحرب، وجرّها إلى حافة الهاوية من دون الدخول في حربٍ حقيقية، وهي لعبة تجيدها أميركا جيداً، حتى تفقد إيران القدرة على دعم القوى العربية التي يمكنها التصدّي المباشر للمشروع الأميركي، وهي المقاومة الفلسطينية.

هذا ما جرى ويجري في المنطقة، ليس هو حالة مخاض صعبة، ستسفر عن عالم عربي أكثر حرية، وديموقراطية، ولكنه مجرد مخاضٍ كاذب، سيسفر عن مسخ مشوه، هو المشروع الإستراتيجي الصهيو-أميركي الذي يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، وضياع الهوية العربية، تحت ستار “مشروع سلام الشرق الأوسط” أو “صفقة القرن”.

على الرغم من ذلك، يبقى الأمل في الشعوب العربية التي حتماً لن تموت.. وفي المقاومة التي حتماً لن تستسلم، مهما كانت التضحيات، ومهما طال زمن القهر.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم