لم يقف تنازل الجنرال عبدالفتاح السيسي الذي قاد انقلابا عسكريا دمويا يوليو 2013 على أول حكومة منتخبة بعد ثورة 25 يناير، وهيمن على السلطة من يومها، عند التفريط في جزيرتي “تيران وصنافير” للسعودية، وكذلك التفريط في حقوق مصر المائية بالتوقيع على اتفاقية الخرطوم مارس 2015م وشرعنة سد النهضة الأثيوبي، بل  استسهل جنرال الانقلاب التفريط في السيادة، وكان آخرها التوقيع على اتفاقية «CISMOA» مع الإدارة الأمريكية والتي تجعل القوات المسلحة المصرية جزءا من منظومة الجيش الأمريكي وتجعل من مصر مركزا لقيادة العمليات العسكرية في المنطقة وقت الحروب.

وكان قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال Votel: قد صرح «في يناير 2018 : «احتفلنا بالتوقيع الناجح على الاتفاقية الثنائية للتواصل المتبادل والقابلية للتشغيل البيني والأمن مذكرة (CIS MOA) ، والتي توجت أكثر من ثلاثين عاما من الجهود لتعزيز الأمن والتعاون في مكافحة الإرهاب. مصر تدعم طلباتنا في التحليق ، وتضمن عبورنا قناة السويس ، وتشاركنا التزامنا بهزيمة داعش. حجر الزاوية في هذه العلاقة هو شراكتنا للمساعدة الأمنية. مصر شريك أساسي في مواجهة تدفق المقاتلين الأجانب والأعتدة والدعم المالي للمتطرفين العابرين من ليبيا عبر مصر إلى المنطقة الوسطى». وأشاد Votel بمصر في شهادته أمام SASCMajority، قائلا “مصر تبقى مرساة للمصالح الأمريكية في المنطقة”.

المثير في الأمر هو أن توقيع الاتفاقية تم في يناير بداية يناير الماضي، ولم تعلن عنه مؤسسة رئاسة الانقلاب بمصر ولا القوات المسلحة، بل أعلنته سفارة الانقلاب  في واشنطن «في “21” يناير 2018،  كما أن توقيع “CISMOA” جاء بعدما رفضتها لأكثر من 30 سنة الأنظمة المصرية المتتابعة، بينها نظام حسني مبارك والمجلس العسكري إبان ثورة يناير 2011».

التوقيع يلزم القاهرة كمستخدم للسلاح الأمريكي بعدم استخدامه دون موافقة واشنطن، مع السماح للقوات الأمريكية بالمرور واستخدام مجال مصر الجوي والعسكري والبحري، والارتكاز بأراضيها وقت العمليات العسكرية، حسب محللين ومتابعين.

ورفض الهنود تماما التوقيع على هذه الاتفاقية التى منعت عنهم أنظمة عالية الدقة تعمل بالأقمار الصناعية و معدات أخرى حساسة على متن طائراتها سوبر هيكوليز C-130J Super Hercules و فضلو الحصول على أنظمة بديلة من مصادر أخرى لطائراتهم.

وقال الكاتب الأمريكي ، Matthew Axelrod ، المسؤول السابق عن مكتب الشؤون الأمنية لمصر و دول شمال إفريقيا فى الفترة بين عام 2005 و 2007 ، و الذي أخرج بحث كامل عن العلاقات الإستراتيجية الأمريكية فى 2008: «رفض المسئولون العسكريون المصريون على مدار عقود التوقيع على الإتفاقية لما فيه من انتهاك كامل للسيادة المصرية على الرغم من ذلك لم يمنع ذلك دول مجلس التعاون الخليجى من التوقيع على هذه الإتفاقية والذي يكشف الغطاء عن أسباب أخرى خاصة بقرار الرفض المصرى».

 ماهي اتفاقية CISMOA؟

هي اتفاقية خاصة بتوافق أنظمة الاتصالات العسكرية الأمريكية مع الدولة الموقعة على الاتفاقية و مذكرة أمنية. كما أن اتفاقية CISMOA تنص على أن يتم توليف أنظمة الاتصالات العسكرية بين القوات الأمريكية و الدولة الموقعة و السماح للقوات الأمريكية بالحصول على أقصى مساعدة مُمكنة من الدولة المُوقِّعة من قواعد عسكرية و مطارات و موانئ و أيضا الاطّلاع و التفتيش على المعدات العسكرية لضمان عدم قيام الدولة بنقل التكنولوجيا الأمريكية لطرف ثالث.

كما «تسمح الاتفاقية بربط أنظمة الاتصالات بين القاهرة وواشنطن والدفاع عن الأراضي المصرية عسكريا لو حصل اعتداء عسكري عليها. وفي حالة الحرب تطلب أمريكا من مصر الدعم العسكري والإمداد واستخدام القواعد العسكرية المصرية تمركزا لعملياتها، وتكون قوات مصر العسكرية تابعة للقيادة المركزية الأمريكية “CENTCOM“».

بهذه الاتفاقية فإن الشائعات التي كانت تترد في التسعينات حول سيطرة القوات الأمريكية على أكواد الطيران والدفاع الجوي المصرية إضافة إلى الشيفرات الخاصة بها باتت صحيحة اليوم، الأمر الذي يمكن الأمريكان من تحويل الطيران المصري ودفاعاتنا الجوية إلى قطع من الخردة لو أرادت، كما يجعلها تتحكم في طائراتنا سواء كانت رابضة في مطاراتها أو محلقة في السماء؛ الأمر الذي يمثل خطورة جسيمة على الأمن القومي للبلاد؛ يستوجب محاكمة من وقعوا على هذه الاتفاقية.

بموجب هذه الاتفاقية التي تمثل خطورة شديدة على الأمن القومي لمصر، وتمثل تفريطا جديدا في سيادتها لصالح الأمريكان، فإن مصر تحولت من حليف أمريكي، ولو نظريا، إلى مركز إقليمي للأمن القومي الأمريكي، والاندماج في الاستراتيجية الأمريكية؛ تمهيدا لما يسمى (صفقة القرن)”.

الاتفاقية بحسب الدكتور السيد أبو الخير، الخبير بالقانون الدولي والعلاقات الدولية،  تعد تطورا طبيعيا لمعاهدة (كامب ديفيد)، وانتهاكا جسيما للسيادة المصرية، وتخالف الدستور المصري الذي تطلب إجراءات خاصة لمثل تلك الاتفاقيات، منها إجراء استفتاء عليها وأخذ رأي البرلمان”.

الاتفاقية إذا وفقا للخبير بالقانون الدولي والعلاقات الدولية، منعدمة قانونا، ولا يرتب عليها القانون الدولي أي آثار قانونية، لمخالفتها القواعد الآمرة به، بالإضافة إلى أن من وقعها لا يمثل مصر قانونا، وهو مغتصب سلطة؛ لأنه جاء بانقلاب عسكري”.

واستند الأكاديمي المصري على رأيه إلى نظرية «الدين المقيت» بالقانون الدولي التي تعتبر كافة تصرفات مغتصب السلطة منعدمة، ولا يترتب عليها أي آثار قانونية”.

خلاصة القول، أن النظام العسكري الذي يستند في شرعيته إلى اتفاقية كامب ديفيد قد فرط في السيادة المصرية على الأراضي المصرية والأجواء المصرية، بل تم بيع الجيش نفسه للأمريكان حتى بات البنتاجون مهيمنا على القوات المسلحة المصرية يتحكم في تسليحها وتحركاتها ولو شاء لجعلها خردة.

ويهمين الأمريكان على مفاصل الأوضاع  في مصر عبر  عدة أدوات، أولها المعونة العسكرية المقدرة ب1,3 مليار دولار سنويا، وثانيا عبر  اعتماد الجيش على السلاح الأمريكي وقطع الغيار الأمريكية وعدم تنوع مصادر السلاح مع جعل الجيش مرهونا برضا الأمريكان. وثالثا  من خلال القواعد الأمريكية في مصر والتي ينفي النظام وجودها باستمرار(رأس بناس/ وقنا الجوية). وأضيف إلى ذلك  اتفاقية “سيس موا” التي تعد ترجمة للهيمنة الأمريكية المطلقة على مصر.

 

 

 

رابط دائم