لم تكتف الحرب الضروس التي يشنها نظام عبد الفتاح السيسي في مصر على الأنشطة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، في أعقاب الانقلاب الذي نفذه برعاية أمريكية إسرائيلية خليجية، منتصف 2013م، بل امتد ليشمل جميع أنشطة الجماعة الدعوية والاجتماعية، وصولا إلى إجراءات انتقامية خالفت جميع الشرائع والقوانين والأعراف، بمصادرة الأموال الخاصة والجمعيات الخيرية والمستشفيات والمدارس والملكيات الفردية، والتي ينص الدستور على حمايتها وعدم التعرض لها، وهو ما حرم ملايين المصريين الذين يعانون من الغلاء الفاحش منذ قرارات التعويم في نوفمبر 2016م، من جهود هذه المؤسسات التي كانت تحنو عليهم وترفق بهم وتخفف أوجاعهم بمد يد العون والمساعدة لكل فقير ومسكين ومحتاج ومريض؛ فمن لهؤلاء الفقراء والمحرومين اليوم بعد أن جمد النظام العسكري هذه المنظمات وأوقف نشاطها ونهب أموالها وزج بالمسئولين عنها في السجون والمعتقلات ظلما وعدوانا؟!.

وفي سبتمبر 2018م، صدر قرار من لجنة قضائية (معينة من جانب النظام) بمصادرة 118 شركة و1133 جمعية خيرية و104 مدارس و39 مستشفى إضافة إلى نهب أموال 1589 من قيادات الجماعة و62 موقعا إخباريًا وقناة فضائية؛ هذه اللجنة شكلها زعيم الانقلاب عبد الفتاح السيسي، في يوليو 2018، طبقًا لما يسمى بقانون “تنظيم التحفظ والحصر والإدارة والتصرف في أموال الجماعات الإرهابية والإرهابيين”.

ولم تحدد اللجنة حجم الأموال المصادرة التي تم نهبها وستؤول إلى الخزانة العامة للدولة وفق هذا القرار، وبحسب تقرير لشبكة “بي بي سي العربية” فإن تقديرات سابقة تشير إلى أنها 61 مليار جنيه مصري (ما يوازي نحو ثلاثة مليارات دولار أمريكي). ويحق لأصحاب الأموال المصادرة الطعن في القرار القضائي أمام “محكمة الأمور المستعجلة”، التي سيكون حكمها نهائيًا.

القرار جاء بعد نحو خمسة أشهر من تصديق زعيم الانقلاب على قانون “تنظيم إجراءات التحفظ والحصر والإدارة والتصرف في أموال الجماعات الإرهابية والإرهابيين”، الذي تشكلت اللجنة وفقا لمواده.

ورفضت جماعة الإخوان المسلمين القرار، وشددت على أن لجنة حصر أموال الإخوان غير مختصة ولا تعترف بها، ولم تثبت فساد أحد من الإخوان أو نهبهم لأموال أحد. وتنفي الجماعة أي صلة لها بالعنف والإرهاب.

ووفقًا للمحامي والفقيه الدستوري عصام الإسلامبولي، فإن تخصيص “محكمة الأمور المستعجلة” بالنظر في هذه القضايا يعد من وجهة نظره “مخالفة دستورية”. بينما حذر اقتصاديون من التداعيات السلبية لهذه الإجراءات التي اعتبروها تهديدا للاستثمار وضربة للجهود التي تزعمها حكومة السيسي من أجل جذب الاستثمار الأجنبي للبلاد.

وبالتزامن مع هذه الإجراءات، كشفت الأرقام الرسمية عن هروب أكثر من 10 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية من السوق المصرية، وهي الأموال الساخنة التي فرت بحثًا عن مكاسب أكبر في أسواق بديلة، ولكن ذلك لا يحول دون تأكيد أن قرارات نهب أموال رجال أعمال ومنظمات مجتمع مدني قد بعثت برسالة شديدة السلبية لأي مستثمر كان يفكر في الاستثمار في مصر، باعتبار هذه القرارات لا تعكس فقط حجم التعسف الحكومي بحق معارضيها، لكنها بكل تأكيد تهدد أي معنى للاستقرار في الحاضر والمستقبل.

“1.7”  مليار جنيه سنويًا للعمل الخيري

وبحسب الدراسة التي أعدها د.عبد الخالق فاروق، بعنوان «اقتصاديات جماعة الإخوان المسلمين فى مصر والعالم: محاولة أولية للتقدير»، والتي صدرت سنة 2015م، من أجل التحريض ضد الجماعة وتبرير عمليات النهب المنظم للمؤسسات الخيرية والمستشفيات التابعة لها، قدرت الدراسة إنفاق الجماعة “1,7” مليار جنيه على الأنشطة الخيرية سنة 2012م؛  من خلال الإعانات المالية المباشرة التي قدمتها لأسر فقيرة.

وفي تقرير نشرته صحيفة “المصرية”، تنقل عن تقارير أجنبية، أن البحوث الميدانية أثبتت بالفعل أن التنظيمات والجماعات الدينية هى الأكثر مشاركة فى تعويض العجز الذى تعانيه الدولة فى توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية لمواطنيها، وخاصة بالمناطق الفقيرة فى الأرياف والأحياء العشوائية فى المدن. ففي هذه المناطق قام الإسلاميون بإنشاء عيادات صحية ومراكز لتعليم الطلاب وكثير من مشاريع التكافل الاجتماعي، ومنها على سبيل المثال المجموعات غير الرسمية الخاصة بالائتمان “الادخار” والمعروفة باسم الجمعيات، أو القروض الدوارة، حتى إنهم أصبحوا بمنزلة أخصائيين اجتماعيين جديرين بالثقة، ومساعدين فى جهود التخفيف من حدة الفقر.

وبحسب تقارير بحثية أجنبية، هناك مؤشران واضحان على توافر «العمق الاجتماعى» لجماعة الإخوان: الأول هو انتشار مؤسساتها الاجتماعية المتمثلة فى العيادات الصحية ومراكز الدروس التعليمية والخدمات المصرفية غير الرسمية، والثاني: هو ما أتاحه المسجد من فرص لا تنقطع في عقد الاجتماعات وجها لوجه مع الناس، خمس مرات فى اليوم الواحد، ومرة كل أسبوع بعد صلاة الجمعة.

وبحسب هذه التقارير، فإن هذه الميزة لم تتحقق، على الأقل بالنسبة لجماعة الإخوان، بين عشية وضحاها، إنما هي نتيجة طبيعية لعمل دؤوب ومتواصل ومتصاعد سلمه جيل لجيل؛ نتيجة الاشتراكات الشهرية لأعضاء الجماعة والتبرعات التي كانت تتلقاها من الموسرين الذين يثقون في نزاهة عناصرها ومؤسساتها والدعم الذي كانت تلقاه هذه المؤسسات من منظمات خليجية خيرية، بخلاف التحويلات التي كانت تصل إلى الجماعة عبر عناصرها العاملين بالخارج؛ بغرض بناء المساجد ومراكز الخدمات، أو كفالة اليتامى وإعانة الأرامل وإغاثة المنكوبين.

أين البديل؟

ويزيد من تفاقم الأزمة الحالية أنه رغم تزايد معدلات الغلاء الفاحش وموجاته التي لا تتوقف، فإنه لا يوجد بديل اجتماعي للدور الاجتماعي الخيري الواسع الذي كانت تقوم به جماعة الإخوان المسلمين عبر شبكاتها الاجتماعية الكبرى في معظم مدن مصر وأحيائها وقراها، وهو ما يعني أن ملايين الفقراء باتوا خارج مظلة التكافل الاجتماعي الذي لم تعوضه أي جهة، بعد عمليات الانتقام الواسع التي تمارسها سلطات الانقلاب بحق الجماعة وعناصرها ومؤسساتها الخيرية من جمعيات ومستشفيات ومدارس وغيرها.

ولذلك سعت أجهزة السيسي الأمنية تحت دعاوى “تجفيف منابع ما يسمى بالإرهاب”، إلى ضرب هذه الأنشطة الخيرية التي كانت تكفل ملايين المصريين في سياق  حربها على الجماعة، والانتقام منها بسبب مشاركتها القوية في ثورة يناير، والحد من توسعها وانتشارها لتكريس سلطوية النظام الحالي، وذلك بسن التشريعات الشاذة التي تقنن عمليات النهب والمصادرة لهذه المؤسسات الخيرية.

كما أممت المساجد وصادرتها وضمتها لوزارة الأوقاف، وشنت حربًا شعواء على كل من تشتبه في انتسابه للجماعة، ومنعت أي نشاط دعوي للجماعة، ولم تكتف بذلك بل قضت تمامًا على أي وجود للجماعة في النقابات المهنية، رغم أن للجماعة تاريخًا كبيرًا في هذه النقابات التي قادتها الجماعة سنين طويلة، بعد فوزها بثقة جمعياتها العمومية في معظم الانتخابات التي جرت في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

وبهذه الإجراءات الانتقامية الشاذة، فإن النظام لا يبالي بمعاناة ملايين المصريين الذين حرموا من نشاط هذه المؤسسات الخيرية التي كانت توفر له قدرًا من الستر والطمأنينة الاجتماعية، في ظل تحولات كبرى تنهش المجتمع المصري، تظهر مؤشراتها في تزايد معدلات الجريمة والإلحاد، والتفكك الأخلاقي، بما يهدد بنية المجتمع ووحدته وتماسكه.

رابط دائم