الجدل الدائر الآن حول مصير الصحفى السعودى جمال خاشقجى سوف تحسمه تقنيات الاتصال الحديثة التى باتت أداة إحصاء وعدّ دون خطأ أو تخمين. من ثم صارت هذه التقنيات -وهى جزء من ثورة الاتصالات التى نعيشها الآن- «بعبعًا» بالنسبة للأنظمة السياسية الفاسدة؛ فما كانت ترتكبه من خطايا فيما مضى لم يعد بمقدورها فعله الآن، وإن فعلته فهو مسجل عليها وسوف تُحاسب عليه -إن عاجلاً أو آجلاً

لقد مرت البشرية بمراحل مهمة فى طريق الاتصال، بدءًا من اختراع الطباعة (1447)، التلغراف (1837)، الهاتف (1876)، الراديو (1896) -غير أن ما أنجزته فى السنوات العشر الأخيرة يفوق ما تم فى عمر البشرية كله، وأن تطورات الاتصال صارت قادرة على تدشين دول، وإسقاط أخرى، بفضل (الآلة الإلكترونية) التى جعلت من إنسان هذه الأيام إعلاميًا محترفًا، متجاوزة جنسه وسنه ولونه ولغته، بل صيرته حلقة من سلسلة عالمية عظيمة جدًا جعلت الدنيا -بالفعل- قرية صغيرة، والإحصائيات تؤكد اتصال ما يقرب من خمسة مليارات شخص بالإنترنت، مستخدمين نحو (18) مليار جهاز إلكترونى.

قديمًا؛ ارتُكبت آلاف المجازر فى حق الشعوب، سواء من قبل المحتلين أو من جانب مواطنيهم الذين يُطلق عليهم لفظ (الحكام) -فلم يحتفظ التاريخ بشىء من آثار هذه المجازر –إلا القليل النادر- والتى راح ضحيتها ملايين الأبرياء، ولم يوقّع بالتالى عقاب على أحد المجرمين. فلو سألت: ماذا فعل الإنجليز أو الفرنسيون عندما احتلوا مصر؟ الجواب تجده فى صفحات إنشائية ليس لها تأثير الصوت والصورة اللذين تتميز بهما وسائل التسجيل والتدوين الحديثة. والسؤال الآخر: ماذا فعل العسكر بالإخوان المسلمين فى عام 1954 وما تلاه؟ والجواب تجده كذلك فى عدد من أدبيات الجماعة، أى فى وسيلة نشر وحيدة ومحدودة التأثير هى الكتاب. لكن لا يمكننا الآن مثلا إحصاء عـدد (الــفــيـديــوهـات) التـى تــثـبــت -بالصوت والصورة- الجرائم البشعة التى ارتكبوها فى حق الشعب المصرى فى انقلاب 2013 وما بعده.

إن من سمات الأنظمة الديكتاتورية أنها تعيش فى إطار من العزلة عن شعوبها، تحيط نفسها بهالة من القداسة والوطنية الخادعة، وهى فى حقيقتها عصابات خطيرة تتكسب بالسياسة، وتمارس الكذب والدجل للتغرير بالمواطنين. هذه الأنظمة تحتكر الإعلام، وتجرّم -فى المقابل- أى محاولة غير (رسمية) لاقتنائه، فاضطرت شعوبها إلى الاستماع إلى صوتها الأوحد كأن إعلامها وحى السماء، فلا يسمع المواطن إلا ما تقول، ولا يرى إلا ما تعرضه عليه من أوهام، ولم تكن السماوات -أى ما يخص الأقمار الصناعية وتطورات الاتصالات- قد فُتحت، فهو إذًا محاصر فى هذا الفضاء (الرسمى)، لا يرى فسادًا، ولا قمعًا، ولا خيانة، ولا هزيمة، ولا تخلفًا؛ إذ كان الفاسد يبدو فى دور الصالح، والخائن فى دور البطل، والمهزوم فى دور المنتصر… إلخ حتى ألف الناس الوضع ورضوا بما كُتب عليهم؛ إلا طائفة من الواعين المضحين – وهؤلاء لا تخلو منهم أمة- وقد نالهم من الأذى ما نالهم..

ثم منّ الله على الناس بتلك التطورات الاتصالية التى أسقطت الحواجز بين الشعوب، وأحدثت تغيرات رهيبة فى المجتمعات، وقادت -فى أماكن كثيرة من العالم- قاطرة التغيير، ولا زلنا نذكر ما فعلته هذه الوسائل فى فترة الربيع العربى. إذ بفضلها نقلت واقعة حرق (بوعزيزى التونسى) إلى أبناء بلده الذى عمته الثورة، التى انتقلت بعدها إلى مصر، ثم ليبيا وسوريا واليمن. ولا زلنا نذكر أيضًا ما فعله المجرمون من قطع (النت) يوم 28 يناير 2011 لمنع تمدد الثورة المصرية وكى يستطيعوا حصارها فى محيط القاهرة..

أما أبرز آثار هذه الثورة الاتصالية فإنها جعلت الجميع مهتمين بالشأن العام، والأمر ليس على الخيار، إنها صارت تقتحم عليهم كل مكان، وفوق الاهتمام بالشأن العام فقد جعلت الجميع إعلاميين؛ فظهر (المواطن الصحفى)، أو (المواطن الإعلامى) وظهرت المساحات التفاعلية، والمواد الإعلامية الشعبية الكثيفة خارج البنايات (الأوت دوور). وقد كسرت حواجز الخوف -بعد صعوبة السيطرة عليها مثلما كان الأمر فى ما مضى

إن الإحباطات التى أصابت الأنظمة الاستبدادية عقب التوسع -رغمًا عنها- فى وسائل الاتصال الحديثة قد تجعل القائم منها هو آخر جيل من هذه الأنظمة غير الآدمية. نقول هذا للتراجع الملحوظ فى عددها، وفى فشلها وتأزمها وإن كان ذلك لم يمنع ازديادًا فى عنفها وظلمها وإرهابها، فقد فضحت هذه الوسائل القمع الذى تمارسه هذه الأنظمة، ووثقته بالأدلة لحين المحاسبة، وأفقدت وسائل الإعلام (الرسمية) جمهورها بعدما عرَّت ديكتاتورياتها، ولم تدع للمستبدين فرصة لاستغفال مواطنيها أو الاستخفاف بشعوبها. أما الديكتاتوريات فقد لجأت إلى حرب هذه الثورة الاتصالية -لكنه الغباء المقترن بها؛ إذ كيف الوقوف فى وجه ثورة حضارية عالمية- فتقوم بحجب المواقع القائمة، ووضع العراقيل لمنع تدشين أخرى، أو بسن قوانين لمعاقبة المتفاعلين والمستفيدين من هذه الثور ة.. لكن كل هذا كمن يحرث فى البحر.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم