في 30 سبتمبر 2018 أطلقت حكومة الانقلاب ما أسمته “أكبر مسح طبي في التاريخ” تحت شعار “100 مليون صحة” بدأت في 9 محافظات تتبعها المرحلتان الثانية والثالثة وتنتهي في أبريل 2019.

ونشر المعهد المصري للدراسات تحقيقا عن جدوى هذه الحملة والمأرب الحقيقية التي استهدفها نظام الانقلاب العسكري بتمويل من البنك الدولي.

ما تكلفة المسح الطبي الشامل؟

تكلفت مبادرة عبدالفتاح السيسي لتنفيذ أكبر مسح طبي شامل 140 مليون دولار، أي ما يعادل ملياران وخمسمائة مليون جنيه، وتساءل التحقيق: “هل من الرشد ان تنفق الدولة من ميزانيتها في أربع سنوات 2،5 مليار جنيه تقريبا على علاج فيروس سي – بالإضافة إلى مليار ونصف المليار على نفقة التأمين الصحي وصندوق تحيا مصر لعلاج أكثر من مليون ونصف المليون مواطن من فيروس سي -، ثم تقرر أن تنفق في ستة أشهر فقط 2،5 مليار جنيه في مسح طبي الهدف منه الاكتشاف المبكر للمرض فقط وليس العلاج”.

ما مصادر الدولة لتمويل الحملة؟

قال التحقيق المنشور إن حجم المبلغ المنفق على الحملة الجديدة يدفع للتساؤل عن مصادر التمويل خاصة وأن مصر تعاني نقصا شديدا في الإنفاق على الخدمات الصحية، وهو ما ظهر جليا بلجوء الدولة لصندوق تحيا مصر لمساعدتها في علاج المرضى بتوفير 500 مليون جنيه، بالإضافة إلى مساعدتها في المسح الطبي السابق والذي أجري على 5 مليون مواطن بمبلغ 250 مليون جنيه.

وأضاف أن الدولة هذه المرة لم تلجأ إلى المساعدات بل لجأت إلى الاقتراض من البنك الدولي لتمويل الحملة، حيث حصلت وزارة الصحة على أكبر قرض في تاريخها من البنك الدولي بقيمة 500 مليون دولار للارتقاء بالخدمات الصحية، تم توجيه 140 مليون دولار للمسح الطبي فقط، بالإضافة إلى 129 مليون دولار أخرى للعلاج.

هل توقيت الحملة مناسب؟

يقول التحقيق إن المسح الطبي هو أحد وسائل الدولة الاسترشادية لتحديد حجم المرض من خلال بناء آليات رصد سليمة تمكن من وضع خطط وقائية وعلاجية مناسبة ومبنية على مؤشرات حقيقية، وبناء على ذلك فإن مثل هذا النوع من المسوح الكبيرة والمكلفة من المفروض أن يتم قبل التفاوض مع شركة جلياد وقبل بدء الحصول على العلاج وذلك لبناء استراتيجية ورؤية سليمة وحساب التكلفة المتوقعة والاحتياجات الفنية واللوجستية وتأهيل مرافق الصحة للتعامل مع معطيات المسح.

لكن هل مدة الستة أشهر مناسبة؟

وأضاف أن المسح الصحي الذي أجرته وزارة الصحة بحكومة الانقلاب على 5 ملايين مواطن في عهد الوزير السابق أحمد عماد والذي انتهى بداية العام الجاري استمر 14 شهرا، وأشارت الوزارة إلى أن هذا المسح كان يمثل مرحلة أولى وأنها كانت تنوي أن تستكمله على مدار العامين المقبلين بمرحلتين ثانية وثالثة. لكن هذا البحث استمر لمدة أقل بكثير من السابق على الرغم من أنه أكبر منه، والسبب وراء قصر مدة المسح هو ان مصر لم تقم من قبل بهذا النوع من المسوح وبالتالي ليس لديها الخبرة لإدارة ملف بهذا الحجم لتوقيع الكشف الطبي على 50 مليون مواطن، فهذا يعني أن الدولة بحاجة إلى جيش من الموظفين لإعداد 50 مليون سجل للمرضى الذين سيتم توقيع المسح الطبي عليهم، كما أن طبيعة النظام البيروقراطي بطيئة ولا تجيد التعامل مع الأعداد الكثيفة وليس لديها الوسائل التكنولوجية الحديثة أو العمالة المدربة للسيطرة على الموقف وكل ذلك يؤشر إلى أن الموضوع غير مدروس بشكل جيد وأن الجداول الزمنية غير واقعية.

ما الفرق بين المسح غير الموجه والمسح الموجه؟

وكشف التحقيق أنه يجب الانتباه إلى الطبيعة الإجرائية للمسح، فالمسح الناجح هو المسح الموجه الذي يستهدف الوصول إلى الأشخاص المستهدفين بعد تحديدهم وتحديد الأماكن التي يترددون عليها، أما ما تم الإعلان عنه من إجراءات فيمثل الطابع المتمركز الذي ينتشر في المسوح الروتينية التي تنتظر أن يأتي إليها المواطن ولا تستهدفه والتي غالبا يكون تردد المواطن عليها ضعيفا، أما المسوح الموجهة فلها طبيعة مختلفة مثل ما يقوم به القطاع الوقائي بوزارة الصحة في حملات التطعيم ضد شلل الأطفال، فبمراجعة آخر حملة والتي عقدت في الفترة من 11 وحتى 14 فبراير 2018 تم تطعيم 16،5 مليون طفل دون سن الخامسة في خمسة أيام فقط، ويرجع ذلك إلى أن فرق التطعيم تتحرك من خلال 90 ألف شخص مدرب ويشرف عليهم فريق آخر مكون من 15 ألف مشرف، حيث ينتشرون في جميع أنحاء البلاد ويتحركون من منزل إلى آخر ويترددون على المدارس والحضانات.

وبالنظر إلى حملة 100 مليون صحة نجد أن الموارد البشرية وفق ما أعلنته هالة زايد وزيرة الصحة والسكان بحكومة الانقلاب تتشكل من فرق عمل تضم نحو 5484 فردا، حيث يتكون كل فريق من 3 أفرا، وأنه تم تخصيص نحو 1412 مقرا لإجراء الحملة، منها وحدات الرعاية الأساسية ومستشفيات وزارة الصحة، وسيارات العيادات المتنقلة، ومراكز الشباب.

وبمقارنة الإعداد بين الحملتين يبدو فارق الإمكانات البشرية لصالح حملة التطعيمات رغم استهدافها لعدد أقل، مما يشكك من قدرة هذا المسح فعليا للوصول إلى العدد المستهدف من المواطنين بسبب نقص الكوادر البشرية.

هل أرقام المرحلة الأولى صحيحة؟

أعلن الدكتور خالد مجاهد المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان بحكومة الانقلاب أن حملة الـ 100 مليون صحة قامت بمسح على 9 ملايين مواطن على مستوى محافظات المرحلة الأولى خلال أول عشرين يوما. وهذا التصريح الصادر عن وزارة صحة الانقلاب كان ينبغي أن يصاحب بطوابير من المواطنين وزحام شديد على مقرات الفحص، ومع ذلك لم تقدم الوزارة صورة واحدة أو فيديو واحد يوثق هذا الزحام، على العكس فكل الصور التي قدموها للإعلام عن الحملة لا يظهر فيها إلا تفقد وزيرة الصحة للمقرات برفقة المحافظين او صور لبعض المواطنين المترددين.

هناك أيضا غموض وتكتم إعلامي وعدم وجود تغطية حقيقية لهذا الحدث المفترض أنه مفعم بالزخم والاحتشاد الوطني ولو تم مراجعة ما ينشر بالصحافة المصرية والمواقع الإلكترونية لوجدنا فقرا شديدا في المادة الإعلامية عن الحملة، ولما وجدنا سوى تصريحات وزارة الصحة.

ويصعب تصديق أن يناظر فريق عمل عدده أقل من 2000 موظف 9 مليون مواطن في عشرين يوما فقط وخصوصا وأن بيئة العمل داخل وزارة صحة الانقلاب ضعيفة وبها مشاكل هيكلية كبيرة وكثير من الوحدات الصحية مغلقة أو معطلة وبها عجز شديد في الإمكانات والموارد البشرية.

حملة سياسية

وكشف التحقيق أن حملة بهذا الحجم وبهذه التكلفة الضخمة لا يتم الإعداد لها بالشكل المناسب، ولا يتم تهيئة الإعلام والمواطن لها، وتأخذ هذا الشكل المركزي، ولا يكون لها إطارا موجها مثل المسح السابق الذي استهدف 5 مليون مواطن يؤكد غلبه الطابع التسييسي للحملة على الجوانب الفنية.

وأوضح أن تسييس الحملة يرجع إلى عدة أمور أهمها، أن الحملة جاءت كمبادرة من عبدالفتاح السيسي – بالمخالفة للواقع، وبالتالي فإن الرقم الذي طلب تحقيقه لابد من إعلان الوصول إليه بغض النظر عن تحقيقه من عدمه ، لكن أحدا لن يسأل كيف يمكن الوصول إلى هذه الأرقام فأداة الاستفهام “كيف” غير موجودة في قاموس الاستبداد.

وحاول التحقيق تتبع سياسات القضاء على فيروس سي في مصر معتمدا على الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة ، ومن خلال رصد أهم التصريحات وتتبع تنفيذ السياسات واختبار مدى صدق المقولات الرئيسة التي يحاول النظام تصديرها للشعب، وقد وصل للنتائج التالية:

السبب الرئيس في انتشار فيروس سي بمصر هو الإجراءات الوقائية والعلاجية التي اتبعتها وزارة الصحة والسكان وضعف دورها الرقابي والتوعوي بمخاطر انتقال فيروس سي عبر الدم، فقد قامت وزارة الصحة كما أسلفنا بنقل الإصابة للمواطنين من خلال المحاقن الزجاجية متعددة الاستخدام، ومن خلال عدم إتباع الإرشادات والمواصفات الوقائية بالنسبة لمرضى الغسيل الكلوي، ومن خلال عمليات نقل الدم، وضعف رقابتها على عيادات الإسنان، ومحلات الحلاقة.

وزارة الصحة قامت بخداع الشعب بعد إجراء فحص عينة عشوائية لا تتعدى 20 ألف مواطن في عام 2008 والادعاء أن ما قامت يمثل الإطار المرجعي للتعرف على نسبة المرض في مصر، ومنذ ذلك الحين ونحن نسمع أرقاما مبالغا فيها ومتضاربة من مسئولي وزارة الصحة، وبناء على ذلك فإن مصر لا تمتلك حتى الآن أي تقدير حقيقي لحجم الإصابة بالفيروس لديها.

نفس الحال في مجال الإصابة السنوية لم تستطع مصر أن تضع إطارا إجرائيا ينظم أو على الأقل يوصلها إلى أرقام تقديرية حول معدل الإصابة السنوي، حتى الوفيات السنوية جراء الفيروس لم تقم بحصرها وتسجيلها، وهو ما يفسر حجم التخبط في تصريحات المسئولين بالصحة حول معدلات الإصابة السنوية بالفيروس.

اهتمت حكومة الانقلاب بالشق العلاجي وروجت له وتجاهلت الإنفاق على الشق الوقائي الذي هو أساس التقييم لأي مجهود للدولة في مجال مكافحة فيروس سي، وهو ما جعل نتائج مرحلة العلاج بالإنترفيرون مخيبة للآمال ولم يعالج خلال أربع سنوات من 2008 وحتى 2012 سوى 114 ألف مريض.

القوات المسلحة

قام النظام الحالي بتوريط القوات المسلحة في أزمة ما عرف إعلاميا بجهاز القوات المسلحة لعلاج فيروس سي، والذي كان الهدف من الترويج له هو اكتساب بعض الشرعية لدى الشعب، وإلهاء الشعب وتشتيت ذهنه عن الجرائم التي كانت ترتكب في ذلك الوقت.

استغل النظام نجاح بروتوكول العلاج بالسوفالدي وأخذ يروج لدى أن النظام قام بعلاج الشعب والتخلص من فيروس سي، وأن ما يتم في مصر معجزة ينظر لها العالم بعين التقدير والاحترام، وأن مصر استطاعت أن تحصل على العقار ب 1% من ثمنه متفوقة على جميع دول العالم، وأن مصر لديها تجربة في العلاج تدرس في جميع المحافل الدولية وفق تعبير وزير الصحة السابق أحمد عماد.

والحقيقة المهمة التي تضع الأمور في نصابها أن مصر قامت باستيراد وتقديم العلاج للمواطن ولم يكن دور وزارة الصحة أكثر من منفذ لتسليم الجرعات للمواطنين الذين كانوا يترددون عليها بشكل شهري، وأنه لا يوجد لديها برنامج للعلاج كما تدعي وبالتالي فمن العبث تقييم ظاهرة ليست موجودة على أرض الواقع، وأن التقييم الوحيد المعترف به في مجال مكافحة فيروس سي هو تقييم السياسات الوقائية، ومصر قد حصلت على المركز الأخير على العالم في هذا المجال بشهادتها قبل شهادة منظمة الصحة العالمية.

اللجنة القومية

ومن أهم أسباب فساد البرنامج المصري لعلاج فيروس سي اللجنة القومية للفيروسات الكبدية، والتي أنشأت عام 2006 والتي يرأسها وحيد دوس على مدار 12 عاما وأعضاؤها ثابتون لا يتغيرون، حيث أخفقت إخفاقا فنيا شديدا في ملف الإنترفيرون وملف الوقاية، وساهمت في ترويج الإشاعات حول نسبة المرض، ويمارس أعضاؤها التضليل حاليا حول المسح الطبي الشامل الوهمي لحملة 100 مليون صحة.

من الأمور المستغربة أيضا هو أن كل بيانات وزارة الصحة بخصوص حملة 100 مليون صحة تركز على الرقم فقط، ولا تذكر نتائج، فعندما أعلنت وزارة الصحة أنها قامت بمسح 9 مليون مواطن في 20 يوما فقط لم تذكر نتائج هذا المسح أو حتى مؤشرات أولية عن الأعداد المحتمل اكتشاف إصابتها بالفيروس، كما أن فكرة أكبر مسح في التاريخ وأكبر مسح في العالم التي تروج لها هالة زايد وزيرة الصحة والسكان بحكومة الانقلاب وربط المسح بمبادرة السيسي ومن ثم شعبية السيسي.

وأثار التحقيق علامات استفهام حول قرض البنك الدولي ومدى الاستفادة منه بتضارب التصريحات الصادرة من عمرو الشلقاني ممثل البنك الدولي في مصر والذي أكد مرة أن قيمة القرض ( 133 مليون دولار للوقاية و129 للعلاج )، ثم عاد وقال أن البنك الدولي قدم لمصر 429 مليون دولار لتنفيذ الحملة، بالإضافة إلى أن الدكتور عمرو الشلقاني هو مدير المكتب الفني السابق لوزير الصحة المصري وليس بعيدا عن صنع القرار داخل وزارة الصحة.

وكشف أن السماح لرأس الانقلاب باستغلال القرض للترويج لنظامه من خلال إطلاق مبادرة إعلامية تروج للمشروع على أساس أنه مشروع السيسي للحفاظ على صحة المصريين، وغض الطرف عن تلك الممارسات من جانب البنك الدولي.

ويعتقد أن الملاحظة الأهم والجديرة بالاهتمام هي أن قرض البنك الدولي والذي يقدر إجمالا ب 530 مليون دولار، والذي يستهدف إلى جانب مجال مكافحة فيروس سي، تطوير العديد من المستشفيات الحكومية ووحدات الرعاية الصحية الأولية والعمل على زيادة معدلات استخدام وسائل منع الحمل، يعتبر امتدادا لاتفاقيات قرض صندوق النقد الدولي التي أبرمتها مصر، والذي من المتوقع أن يمثل عامل ضغط على النظام المصري لتحرير الخدمة الصحية، وإلغاء الدعم على الخدمات الصحية من خلال نظام التأمين الصحي الشامل.

رابط دائم