تسود حالة من الهلع بين أنصار الحكم العسكري؛ على خلفية التقارير الإعلامية التي نشرتها خلال الأسابيع القليلة الماضية، كبريات الشبكات الإعلامية الغربية في أوروبا وأمريكا مثل “رويترز” و “نيويورك تايمز” و “وول ستريت جورنال” والتي انتقدت فيها طغيان “بزنس” المؤسسة العسكرية على مجمل الأوضاع الاقتصادية في مصر بصورة تهدر عدالة المنافسة مع القطاع الخاص، وتحول دون قدوم الاستثمار الأجنبي الذي يرى في طغيان نفوذ المؤسسة العسكرية خطرًا على الأجواء الاقتصادية في البلاد.

هذا الهلع عبَّر عنه الكاتب السيساوي أشرف البربري في مقاله المنشور اليوم بصحيفة “الشروق” بعنوان «رائحة مزعجة قادمة من الغرب»، اعتبر نشر هذه الشبكات الإعلامية تقارير تهاجم وتنتقد طغيان “بزنس” المؤسسة العسكرية ليست مجرد “توارد خواطر” أو مصادفة لا تشير إلى شيء.

ووصف البربري تزامن هذه التقارير وتناولها لكل جوانب “بزنس” المؤسسة العسكرية وبخاصة تأثيره غير الإيجابي على تدفق الاستثمار الأجنبي إلى مصر، أو على المهام الأساسية للمصانع الحربية والمؤسسة العسكرية أو على الشركات المدنية المصرية في مختلف المجالات ككل؛ بجرس الإنذار لكل من يهمه الأمر ، مؤكدًا أن الصحيفتين الأمريكيتين والوكالة الإنجليزية، وغيرها من وسائل الإعلام الغربية الكبرى لا تتحرك في الفضاء، وإن كانت أيضًا لا تتحرك وفقًا لخطط ومؤامرات تتم حياكتها داخل أقبية مظلمة حيث يجتمع «مجلس إدارة العالم»، لكنها تتحرك إما لتعكس وتستبق توجهات معينة لدى دوائر صناعة القرار في العواصم الكبرى، أو لتدفع صناعة القرار في هذه العواصم نحو اتجاهات معينة تتفق مع ما تؤمن به هذه المؤسسات الإعلامية الكبرى وما تخضع له من قيم ومعايير، أو تخدم مصالح القوى السياسية والاجتماعية التي تمثلها أو تعبر عنها.

“3” دفوع باطلة

البربري في مقاله حاول الدفاع عن “بزنس” المؤسسة العسكرية باعتباره حماية للاقتصاد الوطني وصدًا لأطماع الشركات الأجنبية الكبرى العابرة للقارات، مدعيا أن التقارير الإعلامية الغربية تمثل “رائحة سيئة أو على الأقل غير مريحة”؛ محذرًا من أن تكون مؤشرًا أو بداية لرياح أقوى وأشد سوءًا، إذا ما قررت دوائر صناعة القرار السياسي والاقتصادي في القوى الغربية التي لا تبحث إلا عن مصالحها ومصالح شركاتها العملاقة، النيل من المؤسسة العسكرية بدعوى أنه يمثل عقبة أمام تدفق استثماراتهم إلى مصر ويؤثر سلبًا على حرية المنافسة الاقتصادية وينتقص من التزام مصر بقواعد التجارة الحرة والشفافية التي تفرضها الاتفاقيات الدولية التي وقعتها.

ودافع البربري عن “بزنس” المؤسسة العسكرية من جهة ثانية بالإشارة إلى تصريحات الجنرال عبدالفتاح السيسي الذي برر طغيان “بزنس” المؤسسة العسكرية في القطاع المدني باعتباره كان «إجباريا وليس اختياريا» فرضته طبيعة المرحلة التي تمر بها مصر، وأنه لا نية على الإطلاق لمواصلة هذا الدور، بعد انتهاء مبررات وجوده. لكن البربري تجاهل أن الجنرال لم يحدد موعدًا لانتهاء هذا الدور، كما لم يحدد كيفية لتنفيذه بعد أن توسع نفوذ وشبكة “بزنس” المصالح العسكرية بصورة مخيفة تعكس هيمنة مطلقة على قطاعات الاقتصاد الوطني.

وفي إشارة ثالثة حاول البربري الدفاع عن بزنس المؤسسة العسكرية بالزعم أنه يمثل “المظلة” أو “المنسق” وأنه يستعين بالشركات المدنية في تنفيذ الجزء الأكبر من هذا النشاط، ويزعم أن المؤسسة العسكرية لا تمارس الاقتصاد بحثًا عن أرباح ولا يزاحم القطاع المدني في هذا المجال وإنما يسعى فقط إلى مساندته ومساندة الدولة حتى تتجاوز المرحلة الصعبة التي تمر بها؛ متجاهلاً شكاوى القطاع الخاص وعدم قدرته على منافسة المؤسسة العسكرية التي تتولى تنفيذ المشاريع بالأمر المباشر أو لعدم تحملها نفقات العاملين فيها باعتبارهم يتقاضون مرتباتهم من ميزانية الدولة، إضافة إلى عدم خضوع الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية للضرائب والجمارك والتأمينات بخلاف امتيازاتها الكبرى في الحصول على المواد الخام وهو ما لا يتوافر لشركات القطاع الخاص أو حتى لشركات القطاع العام الحكومي الذي لا يتبع “بزنس” المؤسسة العسكرية.

وينتهي البربري إلى التحذير من حملة غربية وصفها بغير البريئة تستهدف “بزنس” المؤسسة العسكرية وربما تستهدف نشاط الجيش في قطاعات أخرى مطالبًا من وصفهم بالمسئولين في الدولة بضرورة الاستعداد لمواجهة هذه الحملة.

ونشرت وكالة “رويترز” للأنباء يوم 16 مايو الجاري تقريرًا موسعًا بعنوان «تقرير خاص – من غرف العمليات الحربية إلى مجالس الإدارة .. شركات الجيش المصري تزدهر في عهد السيسي».

التقرير استعرض نفوذ وهيمنة المؤسسة العسكرية على القطاع الاقتصادي المدني وتعاظم الشركات التابعة لها، بينما يقول بعض رجال الأعمال المصريين والمستثمرين الأجانب إنهم يشعرون بالانزعاج لدخول الجيش في أنشطة مدنية ويشكون من امتيازات ضريبية وغيرها ممنوحة لشركات القوات المسلحة.

ويشير التقرير إلى تحذير صندوق النقد الدولي في سبتمبر أيلول 2017 من أن تطوير القطاع الخاص وخلق الوظائف ”قد تعوقهما مشاركة كيانات تخضع لوزارة الدفاع“.

وعلى هذا النحو جاءت تقارير نشرتها “نيويورك تايمز” و “وول ستريت جورنال” الأمريكيتان تنتقد طغيان “بزنس” المؤسسة العسكرية وبسط نفوذها على مجمل القطاع الاقتصادي في البلاد بما يهدر تكافؤ الفرص ويخيف رؤوس الأموال المحلية والأجنية.

وبدأت المؤسسة العسكرية دخول قطاعات الاقتصاد المدني في عام 1979 عندما أصدر الرئيس الأسبق أنور السادات قرارًا بإنشاء جهاز «مشاريع الخدمة الوطنية» الذي سمح للقوات المسلحة بإنشاء مشاريع هادفة للربح، وتوسع الجيش في دوره في ظل عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلا أن دوره ظل منحصرًا في قطاع التشييد والبناء. ومع قدوم الجنرال عبدالفتاح السيسي ، بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، توسع دور الجيش بشكل كبير، بعد اعتماد الأخير على الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة في تنفيذ المشروعات التي يتبناها تحت زعم فشل مؤسسات الدولة المدنية أو ما أطلق عليه السيسي «شبه الدولة».

وأثار اتساع دور القوات المسلحة الاقتصادي انتقادات كثيرة أخيرا، ما دفع الجنرال إلى الدفاع عن دور المؤسسة العسكرية ونزاهتها قائلا «الجيش لا يأخذ جنيها واحدا يضعه في جيب أحد».

ويصعب تقدير حجم النشاط الاقتصادي للجيش في القطاعات المدنية، إذ أن القانون يحظر نشر أي أرقام تتعلق بتفاصيل موازنته، وهي القضية الخلافية الأولى التي اندلعت بين ائتلافات ثورة 25 يناير، والمجلس العسكري الذي تولى شؤون البلاد بعد الإطاحة بمبارك، حيث طالب شباب الثورة وقتها بعرض ميزانية الجيش على مجلس الشعب، ما رفضه الجيش.

رابط دائم