حملات المقاطعة غير الموجهة سياسيًّا في مصر تحقق نجاحًا عن مثيلتها، وهو ما يمثل مؤشرًا مهمًّا على النتائج المستقبلية لمثل هذه الحملات، ونجاح كل حملة يساعد التي تليها في تحقيق نجاح أكثر، ومن ثم تشكل في مجموعها ما يشبه الوقود الذاتي للعصيان المدني بعد ذلك، وهو قادم لا محالة؛ نتيجة التدهور في الأحوال المعيشية الذي يسير بسرعة جنونية نحو الانهيار.

وسط سياسة الغلاء التي تتعمّدها حكومة الانقلاب وارتفاع أسعار كافة السلع خاصة الغذائية، وشكاوى المصريين المستمرة، ظهرت حملات مقاطعة دشّنها رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر، ودعوا خلالها جموع المواطنين إلى مقاطعة سلع معينة حتى تنخفض أسعارها، غير أن تلك الدعوات عادة لا يكتب لها النجاح ولا يتحقق الهدف الأهم منها وهو إجبار التجار على تخفيض الأسعار.

جشع العسكر

آخر الحملات التي أشعلت موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، وانضم إليها الآلاف بعنوان “خليها تصدى”، بهدف مقاطعة شراء السيارات الجديدة لمدة 3 أشهر، فرغم تطبيق قرار خفض التعريفة الجمركية بداية من 2019، والذي يبلغ “صفر جمارك” على بعض السيارات الأوروبية المنشأ، فإن حكومة الانقلاب احتالت بفرض ضرائب أخرى على أسعار السيارات التي لم تشهد الانخفاض المتوقع، فأطلق البعض هذه الحملة ضد جشع عصابة العسكر، رافعين شعارات: لا تتسرع في شراء سيارتك، فرق الفلوس، ولادك أولى بها، قاطع شراء السيارات لمدة 3 أشهر.

وقد نشر مغردون وثائق لأسعار السيارات بعد الرسوم والجمارك، وقارنوها بالأسعار في السوق المصرية، ليظهر أن هامش الربح يتعدى 30% من ثمن السيارة الواحدة، ولم تكن هذه المرة الأولى التي تنتشر فيها هذه الحملة، بل انطلقت من قبل حملة مشابهة عام 2015 بسبب ارتفاع أسعار السيارات وقتها، وقال مؤسس الحملة إن هدفها مواجهة الجشع والارتفاع الجنوني غير المبرر في أسعار السيارات.

ورغم أن الحملة تسببت في انخفاض كبير في مبيعات السيارات لكنها لم تنجح في خفض الأسعار؛ لأن حكومة الانقلاب تصدت لها، بينما نجحت حملات مماثلة في السعودية والجزائر. يأتي ذلك بعد حملة “خليها تعفن” لمواجهة ارتفاع أسعار الخضراوات والفواكه، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى ثلاثة أضعافها، فانطلقت حملة مقاطعة لها ولكنها لم تنجح في تخفيض الأسعار، وربما يعود ذلك إلى صعوبة مقاطعة الخضراوات والفواكه، إلا أن هذه الحملة يمكن أن يكون لها مردودها الجيد، فالسيارات ليست من السلع الاستراتيجية ومن الممكن الاستغناء عنها اكتفاء بالمواصلات العامة، رغم غلاء تذاكر المترو وأجرة الميكروباص ولو مؤقتًا.

هل المقاطعة حرام؟

وتؤكد التقارير والمؤشرات الاقتصادية أن مصر تشهد انهيارًا في عملتها المحلية، وتزايدًا في معدلات الفقر بلغ مستويات خطيرة، وتراجعًا في معدلات النمو التي توقعها صندوق النقد الدولي وعصابة السفيه السيسي، بالإضافة إلى غياب شبه كامل للاستثمارات الأجنبية والمحلية، وتحويل الاقتصادي المصري إلى ما يشبه سوقًا للعقارات والطرق فقط.

كما أن سياسة حكومة الانقلاب بتصدير أسباب ارتفاع الأسعار لجشع التجار، لن يستمر طويلا في تهدئة الجماهير، في ظل السيولة التي تشهدها المعلومات الحقيقية المتعلقة بالوضع الاقتصادي. وأفتى رموز الدعوة السلفية في مصر بعدم جواز حملات مقاطعة شراء السيارات التي انتشرت في الفترة الأخيرة بشكل واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بزعم أن هذه الحملات لا تستند على أي منطلق شرعي، وأن الغلاء ابتلاء من الله، داعين إلى الاكتفاء بالدعاء لخفض الأسعار!.

رابط دائم