حالة من الجدل أثارها قرار زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي، بحظر سفر عدد من المسئولين بنظام الانقلاب إلا بإذن شخصي منه على رأسهم وزير الدفاع وشيخ الأزهر ورئيس الوزراء والوزراء ونوابهم ومسئولين كبار بالأجهزة الأمنية والجهاز الإداري بالدولة، ورؤساء الهيئات الرقابية، مثل الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية.

وهو ما اعتبره خبراء ومحللون اقتداء بزعيم كوريا الشمالية ” كم جونغ أون” المجنون حتى إن أشهر لاعب كرة في بلاده والمحترف في إيطاليا يتقاضى راتبه من ناديه ويرسله إلى الطاغية الكوري الشمالي الذي يخصص للاعب كل شهر “1500” يورو فقط!

ونَصَّ القرار على أنه “يكون الترخيص بالسفر للخارج في مهام رسمية أو لأعمال تتعلق بالوظيفة بقرار من رئيس الجمهورية لكل من: رئيس الوزراء، ونواب رئيس الوزراء، ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل، ورؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية والأمنية ونوابهم، ويسري الحكم على كل من يشغل وظيفة أو يُعيَّن في منصب بدرجة رئيس مجلس وزراء أو نائب رئيس مجلس وزراء”.

إعلام العسكر كعادته دافع عن القرار الغريب وبرره حيث أشاد عزمي مجاهد عبر فضائية تسمى “الرافدين” بالقرار ووصفه بالتاريخي!.. مدعيا أنه يؤكد أن السيسي أمين على خزائن مصر”، مضيفاً أن “القرار جاء في وقته”. وهو نفس ما ساقه محمد الباز عبر برنامجه “90” دقيقة على قناة المحور واعتبره قرارا تنظيما بحتا، وأن الفضائيات والمواقع التي تعارضه تحرف القرار ضد السيسي من أجل مهاجمته.

3 رسائل ودلالات

وبحسب خبراء ومحللين فإن القرار الذي تم نشره بالجريدة الرسمية يحمل كثيرا من الرسائل والدلالات:

أولا: القرار يستهدف مزيدا من السيطرة والتحكم والتسلط بل العسكرة لكل مناحي الحياة ومفاصل الدولة، ما يلبي نزعات نفسية لقائد الانقلاب الذي يعالج كوامن النقص بداخله بإبراز سيطرته وإشعار من تحت حكمه بأنه الزعيم صاحب القرار النهائي، كما يمثل انعكاسا لتربيته العسكرية التي تقوم على حب السيطرة والزعامة؛ فقائد الوحدة العسكرية هو الآمر لكل شيء المتحكم في كل شيء وعلى الجميع أن يسمع ويطيع دون نقاش وإلا تعرض للعقاب والتنكيل.

والسيسي لم يترب في أي مرحلة من مراحل حياته على الإدارة السياسية وهو نفسه اعترف بذلك مؤكدا أنه “مش سياسي وأنه رجل عسكري” في إشارة إلى أحادية الرأي والرؤية وعدم الاقتناع بالتعدد والتنوع والاختلاف والتي يراها وفق شخصيته العسكرية دليلا على الضعف والتفرق الذي يجب مواجهته والقضاء عليه. وربما يفسر ذلك أسباب تأميم الفضاء السياسي والإعلامي فلا أحد يتكلم إلا بما يريد النظام ويسمح به. وعقب نشر القرار جاءت ردود فعل نشطاء وسياسيين على وسائل التواصل الاجتماعي متهكمة عليه، واعتبروه نوعاً من التسلط والتحكم والهيمنة المطلقة على الحكومة والهيئات المستقلة والرقابية التي فقدت استقلالها وصلاحياتها لحساب الجنرال الفرعون.

ثانيا: يعكس القرار كوامن الخوف بداخل الجنرال من أن يتعرض للغدر والخيانة كما فعل هو مع الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، فقد كانت زيارات قيادات بالمجلس العسكري للخارج وسيلة للتخطيط وتدبير مظاهرات 30 يونيو المفتعلة والممولة من الخارج لتكون تمهيدا لانقلاب 30 يوليو وغطاء شعبيا ومدنيا لجريمة الانقلاب؛ وقد كان السيسي مشرفا على هذه اللقاءات ولذلك هو يخشى الغدر به كما فعل هو ولذلك يأتي هذا القرار من باب عدم الثقة وعدم اليقين والخوف من المستقبل،ولهذا نص القرر على وزير الدفاع وكبار الجنرالات والمسئولين في الأجهزة الأمنية.

ثالثا: ربما يمكن تفسير القرار باعتباره في أحد أبعاده ومراميه يستهدف التضييق على الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب على أساس أنه يتولى منصبا رسميا بدرجة رئيس الوزراء، فما يثير الاستغراب والتساؤل أيضا أن المفروض أن منصب شيخ الأزهر من المناصب المستقلة وغير تابعة للحكومة، حيث إن شيخ الأزهر وفق نصوص الدستور يتم اختياره عن طريق هيئة كبار العلماء، ولا يتم تعيينه من الدولة، فهل المقصود هو إحكام السيطرة على شيخ الأزهر، وفرض السلطة عليه عن طريق طلبه الإذن من الجنرال في حالة سفره؟! وهل يستهدف السيسي بذلك دفع الإمام الأكبر للاستقالة في ظل الصدام بينهما في عدد من القضايا والملفات؟! وهل يمثل ذلك إنذارا للطيب للتجاوب مع الضغوط الأمنية الرامية لإكراهه على إعلام دعم التعديلات الدستورية المشبوهة التي يرغب الجنرال في تمريرها حتى يبقى في الحكم مدى الحياة؟ ولماذا لم يشمل القرار بابا الكنيسة الأرثوذوكسية تواضروس الثاني؟ ولماذا يتم التضييق على المؤسسة الإسلامية بينما تنعم المؤسسة الكنيسة بحريات أوسع ومزايا أكبر واحترام من جانب قيادات الانقلاب؟!

القرار بهذه الصيغة وهذا الشكل يستهدف في المقام الأول شيخ الأزهر؛ لا لمنعه من السفر ولكن لإهانته وإهانة مؤسسته وجعلها رهناً لقرارات السيسي وهو ما يقلل من شعبية ومكانة المؤسسة وشيخها؛ وهو ما قد يؤدي لدفعه لتقديم استقالته، وذلك حسب ما نقل الإعلامي محمد ناصر في حلقة برنامجه “مصر النهاردة” على قناة “مكملين” الفضائية.

رابط دائم