يقف قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي ويقول للحضور، في أحد مؤتمراته الصحفية: إن “هناك فارقًا كبيرًا بين الإرهابي هشام عشماوي والبطل أحمد المنسي.. ده إنسان وده إنسان، وده ضابط وده ضابط، والاثنين كانوا فى وحدة واحدة، الفرق بينهم إن حد منهم اتلخبط وممكن يكون خان، والتاني استمر على العهد والفهم الحقيقي لمقتضيات الحفاظ على الدولة المصرية وأهل مصر بنصفق له، والتانى عاوزينه علشان نحاسبه”.

هكذا كان الفارق الذي تحدث عنه السيسي بين كل من الضابط هشام عشماوي الذي كان أحد قيادات تنظيم داعش في سيناء، وبين الضابط أحمد المنسي الذي قتل خلال إحدى العمليات الإرهابية في سيناء، إلا أن السيسي لم يجب عن السؤال الذي كان ينبغي أن يسأله وهو: “لماذا يخرج أغلب الإرهابيين من الجيش والشرطة؟”.

عقيدة الجيش

تظن وأنت تقرأ هذا السؤال أن الجيش المصري، في مخيلتك، عبارة عن كتائب لتعليم الضباط والجنود معاني الدفاع عن الإسلام، وتقام في الجيش حلقات لتعليم القرآن والسنة النبوية المطهرة، ويتم تشكيل الشئون المعنوية للجيش من العلماء والمشايخ الذي ينتشرون في الكتائب والوحدات العسكرية ليعلموا الجنود والضباط أمور دينهم، ويحثوهم على الجهاد من أجل الدين والوطن، وأن العبارة المكتوبة على جدران الوحدات العسكرية “الله – الوطن” هي العقيدة التي تنطلق منها العمليات العسكرية في القوات المسلحة، ولذلك ينتشر التدين بين الضباط والجنود، وتعلو الهمم في الدفاع عن الإسلام والمسلمين، ومع انتشار التدين يظهر التشدد والتطرف من بعض المتحمسين أمثال الضابط الإرهابي هشام عشماوي.

إلا أنك حينما تستعرض السيرة الذاتية لهشام عشماوي نفسه، ثم تضعها بجانب خبرتك كجندي سابق في القوات المسلحة، تعلم بالمشاهدة أن الحديث عن أي أمر من أمور الدين في الجيش قد يؤدي إلى المحاكمة العسكرية، بل إن الكليات العسكرية ترفض انضمام أي طالب من الثانوية العامة معروف عنه التدين، أو يوجد في أسرته أو عائلته فرد من قريب أو من بعيد ملتحٍ أو عمل بمجال الدعوة، فيتبين أن سبب التطرف عند الكثير من الضباط أشياء أخرى، نكشف عنها من خلال سيرة هشام عشماوي، لنصل في النهاية للإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحا وهو: لماذا يخرج الإرهابيون من الجيش؟.

هشام عشماوي

عاد الإرهابي هشام عشماوي إلى دائرة الاهتمام من جديد، بعد إعلان القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية عن إلقاء القبض عليه في أكتوبر 2018، في عملية أمنية في مدينة درنة.

ونشرت وسائل إعلام الانقلاب السيرة الذاتية لهشام عشماوي، وقالت إنه «كان حريصًا على ممارسة الرياضة، وخاصةً كرة القدم»، هكذا قال عنهُ أقاربه، ضمن سطور روت حكاية أحد أخطر العناصر الإرهابية، هشام عشماوي، الضابط الذى تحوّل إلى إرهابي خلال السنوات الماضية.

«كان ملتزمًا وليس متشددًا، كان يشاهد معنا التلفزيون، ويشجع الكرة، لأنه كان ماهرًا في لعب كرة القدم»، هكذا ذكر أيضًا أحد الضباط من معارفه لوكالة «رويترز»، شارحًا اهتمامات «هشام» قبل انحرافه إلى أقصى اليسار وتحوّله إلى «أبو عُمر المهاجر».

في عام 1978، ولد «هشام»، واسمه الكامل، هشام علي عشماوي مسعد إبراهيم، نشأ طفلًا محبًا لممارسة الرياضة، وفي عام 1996 التحق بالكلية الحربية، وكان حينها بلغ 18 عامًا من عمره، عندما كان المخلوع حسني مبارك يحكم البلاد. انضم في البداية لسلاح المشاة، ثم الصاعقة.

مشادة كلامية

يقول أحمد صقر، المساعد السابق لرئيس جهاز تنمية سيناء، العضو المؤسس بحزب العدل، عن «عشماوي»: «كان ضابطًا نابهًا يحل فى المقدمة دائمًا، بدءًا من فرقة الصاعقة الأساسية فى الكلية الحربية حتى فرق التدريب الاحترافي في الولايات المتحدة الأمريكية، بشهادة زملائه عن نبوغه».

قليلة هي الحكايات الموثقة التي تتحدث عن حياة «هشام» قبل التحوّل، وكأنّ التحوّل جاء بين ليلة وضحاها، وهذا غير منطقي، حيث تذكُر أغلب التقارير الصحفيّة أن الالتزام الديني ظهر على «هشام» فجأة، من خلال ذكر الواقعة الأشهر في سجل الضابط السابق.

تقول الواقعة المحوريّة في سجل «هشام»، إن مشادة كلامية وقعت بينه وبين خطيب مسجد في معسكره التدريبي، بعد أن أخطأ الخطيب دون قصد في ترتيل القرآن، وهو الأمر الذى جعل الشبهات تُثار حوله، ووُضِعَ تحت المتابعة من قِبَل المخابرات الحربية، وجرى التحقيق معه على خلفية واقعة توبيخ قارئ القرآن.

انتبه لهذه الفقرة السابقة جيدا التي تكشف أن هشام عشماوي تم وضعه تحت منظار المخابرات الحربية والشك فيه، لمجرد أنه تبين لهم أنه يحفظ بعض آيات القرآن، وقد صحح للخطيب أو الإمام وهو يصلي حينما أخطأ في قراءة الآية، بما يفي بأن حفظ آية من القرآن في الجيش كفيل بطردك من جنة القوات المسلحة المصرية التي ترفع شعار “الله الوطن”.

محكمة عسكرية

بعدها تبين للمخابرات بعد وضع عشماوي تحت المنظار، حسب شهادة أحد المجندين السابقين: «كان يصحيني نصلي الفجر وكان يتحدث معنا عن ضرورة أن تكون لك شخصيتك وعدم تقبل المعلومات أو الأوامر دون أن تكون مقتنعًا بها».

نقل «هشام» إثر ما حدث إلى أعمال إدارية، ولكن لم تهدأ الأمور حينها أيضًا، ففي 2006، وفقًا لشهادة أحد أقاربه، اعتُقل أحد أصدقاء «هشام» وتوفي داخل الحجز، ما أدى إلى تحوله لشخص آخر.

في 2007، أُحيل «هشام» إلى محكمة عسكرية، بعد التنبيه عليه بعدم الحديث في الدين، فيما صدر حكم المحكمة العسكرية، عام 2011، بفصله نهائيًا من الخدمة، ليبدأ بعدها عشماوي في التشدد فعليا بعد ظلمه ويقوم بتكوين خلية إرهابية مع 4 من ضباط شرطة تم فصلهم أيضًا من الخدمة للاتجاه لنفس الطريق؛ نتيجة نفس المشكلات النفسية التي مر بها عشماوي، وضموا إليهم عددًا من العناصر التكفيرية.

على غرار عشماوي

ولا تنتهي الروايات الموثقة من انضمام العشرات بل المئات من ضباط الجيش والشرطة إلى العناصر الإرهابية، ثم تحولهم لقيادات كبيرة في الجماعات الإرهابية المتشددة، ولم تخرج أغلب الروايات التي توثق تحولهم عن الظروف التي كان يعيشها عشماوي، ومن هؤلاء فريق اغتيال الراحل أنور السادات، الذي كان يعمل بكامل طاقمه ضمن القوات المسلحة، وتبين بعد ذلك من التحقيقات أن اغتيال السادات كان يقف وراءه رفض اتفاقية كامب ديفيد من قبل هذه العناصر، التي خططت ونفذت حادث اغتيال الرئيس الراحل.

وفي اليومين الماضيين، أصدر تنظيم «ولاية سيناء»، فيديو عنوانه «سبيل الرشاد من الظلمات إلى النور»، أظهر عددًا من ضباط الشرطة السابقين، وضباط احتياط في القوات المسلحة، والذين انضموا إلى صفوف التنظيم، وقُتلوا جميعًا في العمليات الأمنية الجارية في سيناء ضد «ولاية سيناء».

جاء في الفيديو شخص يُدعى «أبو القعقاع الأنصاري»، وهو انتحاري فجّر سيارته في مصنع إسمنت تابع للقوات المسلحة في وسط سيناء، وذلك دون تحديدٍ لتوقيت العملية. وبحسب الفيديو فإن «الأنصاري» وَعَدَ مَن أسماه «الخليفة أبو بكر البغدادي» باستكمال القتال في سيناء. ثم ظهر كذلك شاب كُنيته «أبو آدم»، واسمه كريم عادل حافظ، والذي زعم أنه كان ضابط احتياط في قوات الدفاع الجوي في الجيش الثاني الميداني في الفترة ما بين 2010- 2012.

الموساد الإسرائيلي

كما قدّم الفيديو اثنين من ضباط الشرطة، هما خيرت سامي السبكي وحنفي جمال، وقال إنهما تخرجا من كلية الشرطة في العام 2012، ثم عُرضت صور لهما وقت الخدمة.

وفي «سبيل الرشاد من الظلمات إلى النور»، الفيديو الدعائي لـ «ولاية سيناء»، ظهر الضابط السابق في القوات الخاصة بقطاع الأمن المركزي حنفي جمال محمود، والذي عُرّف بكُنية «أبو عمر»، وقال عنه التنظيم إنه كان يشارك في غرفة العمليات والقبض على المتعاونين مع قوات الأمن والتحقيق معهم، كما شارك في عمليات في «كرم القواديس» و«القصر» و«العجراء» بسيناء.

وعرض الفيديو كذلك عملية تحقيق يشارك فيها حنفي جمال مع ضابط آخر، هو خيرت سامي السبكي، ويحققان مع شخص يُدعى عيد عبد الله سليمان، قال في الفيديو إنه عمل مع الموساد الإسرائيلي، وكان مُكلفًا بالانضمام إلى «ولاية سيناء»، وزرع شرائح اتصالات داخل سيارات عناصره لتعقبهم، ومن ثم استهدافهم.

وكوّن هؤلاء خلية يترأّسها رائد شرطة وتضمّ سبعة ضباط آخرين هم: «محمد جمال الدين عبد العزيز» برتبة ملازم أول، من مواليد 9 أبريل 1991، خريج دفعة 2012، والملازم أول «خيرت سامى عبد الحميد محمود السبكى»، [ظهر في فيديو «ولاية سيناء»] وهو من مواليد 8 مايو 1991، خريج دفعة 2012، والملازم أول «إسلام وئام أحمد حسانين» مواليد 19 نوفمبر 1990، خريج دفعة 2012، والضابط «كريم محمد حمدى حمزة»، [قُبض عليه] خريج دفعة 2007، كان يعمل في تأمين اللواء مدحت الشناوي، قائد قطاع الأمن المركزي السابق، بالإضافة إلى ضابط يُدعى عصام محمد السيد علي العناني، وحنفى جمال محمود سليمان [ظهر في الفيديو]، وعلي إبراهيم حسن [مقبوض عليه].

الباكوتشي

وبحسب التحقيقات، فإن الرابط الأول بين الضباط الأربعة الهاربين هو الرائد محمد السيد الباكوتشي، الذي كان المسئول عن تجنيدهم وضمّهم لـ«خلية تنظيمية»، وكان «الباكوتشي» ضمن حركة ضباط الشرطة الداعين لـ«إطلاق اللحية»، وبعد مشاركته في عدة وقفات ودعوته لزملائه في الخدمة في اتباع الدعوة، أحالته وزارة الداخلية إلى الاحتياط، وفصلته من عمله في مديرية أمن الشرقية في العام 2012. فيما لقي مصرعه في حادث تصادم بالقرب من مدينة بلبيس في أبريل 2014.

وبحسب اعترافات الضابط كريم محمد حمدي، المحبوس في القضية رقم 148، فإنه كان أحد الضباط المكلفين بفضّ اعتصام رابعة العدوية، وقام بإبلاغ «الباكوتشي» الذي كان ضمن المعتصمين بموعد وخطة الفضّ بشكل استباقي. أما علي ابراهيم حسن، الضابط المحبوس على ذمة القضية أيضًا، فهو الحلقة الأخطر، إذ أن الصدفة جعلته كضابط في قطاع الأمن الوطني واحدًا ضمن القوة التأمينية الخاصة بموكب عبد الفتاح السيسي، وقد وضعت «الخلية التنظيمية» مخططًا يسعي لاستهداف موكب السيسي داخل القاهرة، وذلك لاغتياله إما عن طريق استخدام سيارة مفخخة أو قناصة، بحسب التحقيقات.

وقد اختفى هؤلاء الضباط من منازلهم وانقطعوا عن العمل عاما ونصف العام، مما رجح لدى أجهزة الأمن المصرية انضمامهم لتنظيم ولاية سيناء أو انضمامهم للخلية التي يقودها ضابط الجيش السابق هشام عشماوي، والمعروفة باسم “خلية المرابطين”، خاصة أن عشماوي سبق اتهامه بتنفيذ عمليتي اغتيال النائب العام السابق هشام بركات ومحاولة اغتيال وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم.

مرجعية لـ«داعش»

ويعد حلمي هاشم والذي يسمى وسط الإرهابيين بـ”شاكر نعم الله”، من ضمن ضباط الشرطة الذين تحولوا إلى مرجعيات شرعية لـ”داعش”، فقد أصبح من ضمن من يصنعون أفكار التنظيم الفقهية.

حلمي هو ضابط سابق تم فصله من عمله من جهاز الشرطة بعد اتهامه بالانتماء لتنظيم الجهاد المصري فى عام 1982 فى أعقاب اغتيال الرئيس السادات، وتمت إعادته للعمل حتى وصل لمنصب مأمور للسجن وقت إعدام صالح سرية القيادي الجهادى المتهم بتنفيذ حادث الفنية العسكرية، فى منتصف السبعينيات، حتى فصل نهائيًا فى منتصف الثمانينيات.

وبعد فصله من الشرطة افتتح مكتبة يبيع من خلالها الكتب الدينية والدعوية حتى تطور الأمر إلى أن يطبعها ويبيعها، وترتبط أفكار الشيخ بحركة الشوقيين التى أسسها شوقى الشيخ فى الفيوم بعد الانشقاق عن تنظيم الجهاد.

وقام مُنظّر داعش الشرعي والفقهي بتأليف ما يزيد على نحو 25 مؤلفًا من بينها “التكفير بالعموم وكتاب أحكام الذرية الرد على شبهات فى الحاكمية وأصحاب السبت وأصحاب الحد الربوبية والطاغوتية”.

وفي النهاية يتضح بعض أسباب تحول ضباط من الجيش والشرطة إلى قيادات إرهابية، بعد أن تحولت عقيدة الجيش المصري إبان التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني، من جيش يقاتل من أجل الله والوطن، إلى جيش يحرس الحدود مع عدوه لحماية هذا العدو، وأفراده، وليس حادث مقتل المجند سليمان خاطر ببعيد، ثم الإعلان عن محاربة كل ما يؤدي إلى الالتزام الديني داخل كتائب القوات المسلحة، الأمر الذي أدى إلى صدمة نفسية لدى كثير من الضباط تبين لهم أنهم لا يحرسون الوطن أو الدين بقدر ما يحرسون النظام وعدوهم.

رابط دائم