بعد ضغوط دولية وأمريكية عليها تصاعدت خصوصاً بعد جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي، أسقطت السعودية كل الآمال بحل قريب لقضية معتقلي ومعتقلات الرأي، فبعد إفراج نادر عن عدد محدود من هؤلاء، شنّت السلطات حملة اعتقالات جديدة بحق ناشطين حقوقيين وقوميين وناشطات نسويات، مؤكدة عدم وجود أي تقدّم حقيقي في ملف المعتقلين، بعدما كان نشطاء وسياسيون سعوديون معارضون يتخوّفون من أن تكون عمليات الإفراج المحدودة مجرد محاولة لامتصاص الغضب العالمي على النظام السعودي.

هذا الغضب ارتفعت وتيرته خصوصاً بعد جريمة قتل الإعلامي المعارض جمال خاشقجي على يد فرقة اغتيالات خاصة تابعة لولي العهد محمد بن سلمان في قنصلية المملكة في مدينة إسطنبول التركية، وربما يكون “فضل” هذه الجريمة كبيراً على ناشطي حقوق الإنسان المعتقلين داخل المملكة، إذ صارت قضيتهم محلّ متابعة غربية، خصوصاً في الإعلام وفي أوساط اللوبيات الضاغطة على عواصم القرار، التي تبقى مستعدة للتغاضي عن السجل السعودي الأسود، في مقابل صفقات مالية ومصالح تكشف جانباً كبيراً من النفاق الغربي.

وجددت لينا الهذلول وشقيقها وليد دعوتهما لإطلاق سراح شقيقتهما لجين المعتقلة منذ أكثر من عام في السعودية بتهمة “تقويض الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي للمملكة، وتحدث الشقيقان للإذاعة الوطنية العامة في الولايات المتحدة إن أختهما تعرضت للتعذيب على أيدي مسئولين سعوديين، مشيرا إلى تفاصيل التحرش بها جنسيا.

ضايقوها جنسيا

وقالت “الهذلول” إن مسئولين سعوديين عذبوا شقيقتي لجين وضايقوها جنسيا لأجل المتعة وليس لانتزاع إجابات منها، وتحاكم لجين الهذلول وناشطات أخريات أمام المحكمة الجزائية في الرياض بعدما تم اعتقالهن في مايو العام الماضي في إطار حملة أمنية واسعة استهدفت ناشطين قبل شهر من رفع الحظر المفروض على قيادة النساء السيارات في المملكة.

وتحدثت ناشطات سعوديات معتقلات عن تفاصيل التعذيب والتحرش الجنسي، التي يتعرضن لها في سجنهن وذلك لدى مثولهن أمام الجلسة الثانية لمحاكمتهن، والتي سمح لبعض أقاربهن بحضورها للمرة الأولى، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن شخصين حضرا الجلسة التي عقدت بمقر المحكمة الجنائية بالرياض، القول إن المعتقلات بكين وعانقن بعضهن، واتّهمنَ المحققين بصعقهن بالكهرباء وجلدهن والتحرش بهن وملامستهن وهن قيد الاعتقال.

وفي الجلسة الثانية لمحاكمتهن تجمع أقارب المعتقلات أمام منصة اعتلاها ثلاثة قضاة، وقدمت الناشطات المعتقلات منذ أكثر من عام لوائح دفاعهن خلال الجلسة، حيث قلن إنهن تعرضن للتعذيب والتحرش الجنسي خلال التحقيقات، وفق شهود حضروا الجلسة.

ونقلت الوكالة عن أقارب المعتقلات القول إن بعضهن تقدمن بطلب لإطلاق سراحهنّ بكفالة، وردت 11 امرأة على اتهامات موجّهة إليهن، تقول منظمات حقوقية إنها تشمل “الاتصال مع وسائل إعلام أجنبية ومنظمات حقوقية”، وأوضح أنه للمرة الأولى سُمح للمعتقلات بالحديث عبر مكبرات صوت داخل قاعة المحكمة أمام القضاة، وقد تحدث بعضهن بكل جرأة عمّا جرى معهنّ من تعذيب وتحرش أثناء الشهور الأولى من الاعتقال

الترويج بالقمع!

ومنذ تولي محمد بن سلمان مقاليد ولاية العهد في السعودية، عقب إزاحته ابن عمه الأمير محمد بن نايف في انقلاب أبيض في يونيو 2018، بدأت السلطات السعودية، وتحديداً الأجهزة الأمنية التابعة بشكل مباشر لمكتب ولي العهد، وعلى رأسها جهاز أمن الدولة الذي أسس حديثاً، بشنّ حملات اعتقال ضد الناشطين السياسيين والاجتماعيين والحقوقيين من مختلف التيارات، بالإضافة إلى الأمراء المنتمين للأسرة الحاكمة الذين قد يمثّلون مصدر تهديد محتمل لابن سلمان، وشيوخ القبائل ورجال الأعمال الذين صادرت السلطات الجزء الأكبر من ثرواتهم.

وبدأت الحملات القمعية في سبتمبر 2017 حينها شنّ ولي العهد هجوماً حاداً على رجال الدين والأكاديميين المنتمين لـ”تيار الصحوة”، أكبر التيارات الدينية في السعودية، وفي غضون أيام قليلة فقط، ألقي القبض على المئات منهم وأودعوا في السجون، في ظروف غير معروفة ومن دون توجيه اتهامات لهم.

عقب ذلك، شنّ بن سلمان حملة عنيفة ضد أبناء عمومته الأمراء ورجال الأعمال وشيوخ القبائل، وأودعهم في فندق “الريتز كارلتون” وسط الرياض، وحوّله إلى سجن لهم بهدف تحجيم نفوذهم السياسي ومصادرة ثرواتهم.

وعلى الرغم من انتقاد هيئات حقوق الإنسان ومنظّمات المجتمع المدني حول العالم هذه الاعتقالات، فإن بن سلمان وجد، من خلال المقابلات التي أجراها مع الصحف الغربية، فرصة كبيرة للترويج لنفسه عبر هذه الاعتقالات، مؤكداً أن هؤلاء المعتقلين كانوا يمنعون التطور ويريدون العودة بالسعودية لعصر الصحوة الديني، وهو التيار الذي دعمته الأسرة الحاكمة في ثمانينيات القرن الماضي لتعزيز نفوذها في المنطقة.

رابط دائم