كشفت تقارير حقوقية حقيقة الأوضاع الإنسانية في مصر، في ظل دولة القمع التي يشرف عليها قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، والانتهاكات اليومية التي تحدث في السجون والمعتقلات المصرية على مدار خمس سنوات من الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي.

وقال مركز “القاهرة لدراسات حقوق الإنسان”، إن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في مصر يهدد بكارثة إنسانية، كنتيجة طبيعية لتوسع عسكرة السياسة، والفشل في إيجاد حلول سلمية وجذرية لنزاعات المنطقة الداخلية والدولية، وتجدد مشروعات الحكم السلطوي منذ تأزم ثورات الربيع العربي.

ونقل التقرير عن بهي الدين حسن، مدير المركز، خلال الإصدار السنوي الذي أصدره المركز اليوم الأربعاء، إن مصر وبعض بلدان العالم العربي، تجتاحه دوامات سياسية عميقة نتيجة وصول كل من النظام الإقليمي العربي ككل والعقد الاجتماعي في مصر وعدد من الدول العربية إلى نهاية عمرها الافتراضي دون أن تبلور نظامًا بديلاً على النطاق الإقليمي أو عقدًا اجتماعيًا بديلا في الدول المتداعية، أو تتوافر آليات لحوار حول البدائل المحتملة بين أهم الفاعلين على الصعيدين الوطني والإقليمي.

حقوق الإنسان بمصر.. مروعة

وتناول التقرير أوضاع حقوق الإنسان في 11 دولة عربية بينها مصر، التي مارست حكومتها كل صور التضييق الأمني والقانوني على مجمل منابر الحياة السياسية والمدنية والإعلامية في مصر خلال عام 2017.

واتهم المركز دولة الانقلاب المصرية بأنها وجهت جزءًا كبيرًا من أدواتها اﻷمنية ووسائلها التشريعية، في مواجهة القوى السياسية والمدنية السلمية.

وأوضح أن الظروف المروعة لوضعية حقوق الإنسان في مصر تعتبر جزءا من سياسة منهجية للإجهاز على القوى السياسية والمدنية التي ظهرت قبل وبعد ثورة يناير 2011، واستبعاد أي احتمال للتعبئة السياسية والاجتماعية مجددًا.

وأضاف: “وفر سياق مكافحة الإرهاب، ذريعة للحكومة لفرض إجراءات قانونية واسعة الصلاحيات، تتجاوز هدفها المعلن، ويجري توظيفها في التنكيل بالمعارضة السلمية، ونشطاء المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة بدلاً من استهداف الإرهابيين الحقيقيين”.

وأشار إلى الإدانات المتكررة للانتهاكات التي تقوم بها سلطات الانقلاب بشكل متكرر، وعدم جدوى هذه الإدانات من جانب خبراء ولجان حقوق اﻹنسان في اﻷمم المتحدة، والمفوض السامي لحقوق اﻹنسان في اﻷمم المتحدة. ومع ذلك، لم يمنع استمرار القبضة الأمنية المقاومة السلمية والاحتجاجية، وإن كانت على نطاقات ضيقة، ممثلة في جماعات سياسية ومهنية واجتماعية ودينية وإثنية مختلفة في مصر.

الخوف من الانتخابات الحرة

ولفت التقرير إلى أن قلق السيسي البالغ من خوض انتخابات رئاسية نزيهة وتنافسية، كما كان مقررا في الدستور في الربع اﻷول من عام 2018، تجلى في سلوك السلطات التنفيذية وأجهزة اﻷمن العدائي تجاه كل مرشح أعلن عن نيته منافسة الرئيس في هذه اﻻنتخابات.

وأشار إلى الضغوط على المرشحين المحتملين، إما باستبعاد بعضهم بأساليب قهرية أمنية، أو اضطرار البعض الآخر لاتخاذ قرار عدم المنافسة. اﻷمر الذي دفع القائمين على الحكم في النهاية إلى الضغط على عدد من الشخصيات العامة من المناصرين للسيسي للترشح شكليًا في الانتخابات.

وتابع: “في الأشهر اﻷخيرة من عام 2017، شنت وسائل الإعلام الخاضعة لدولة الانقلاب بشكل مباشر أو مستتر حملة تشهير وإهانة لرئيس الوزراء الأسبق الفريق أحمد شفيق، واتهمته بالعمالة إلى تركيا وقطر، وتلقي دعم من جماعة الإخوان المسلمين، بعد أن أعلن ترشحه لمنصب رئاسة الجمهورية. بعد ذلك رحّلت دولة الإمارات العربية، شفيق بعد أن كان يقيم فيها منذ سنوات، ليوضع قيد الإقامة الجبرية في مصر، ويجبر على التراجع عن الترشح، على نحو مغاير لما صرح به هو وأسرته ومحاميته قبل ذلك.

وذكر التقرير أن قوات تابعة لوزارة الداخلية بحكومة الانقلاب اعتقلت ثلاثة من أنصار شفيق فجر يوم 13 ديسمبر الماضي.

وأشار أيضا لاعتقال العقيد أحمد قنصوة الذي أعلن ترشحه للانتخابات في 29 نوفمبر الماضي، ومثّل للتحقيق أمام النيابة العسكرية بتهمة السلوك المضر بمقتضيات النظام العسكري، وصدر الحكم بحقه بالحبس 6 سنوات.

وفي 20 يناير 2018، أعلن الفريق سامي عنان، رئيس أركان القوات المسلحة الأسبق، ترشحه من خلال خطاب لقي استحسانا شعبيا. وبعد ثلاثة أيام، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانًا يدين ترشحه، ويعتبره ضابطا مستدعى، لا يجوز ترشحه إلا بعد أخذ الإذن من القوات المسلحة.

واتهم نظام الانقلاب عنان بأن خطاب ترشحه تضمن تحريضًا صريحًا ضد القوات المسلحة بغرض الوقيعة بين الشعب والجيش»، كما ادعى أن عنان ارتكب جريمة تزوير في محررات رسمية بما يفيد إنهاء خدمته في القوات المسلحة على غير الحقيقة. وفي اليوم نفسه ألقي القبض على عنان، ثم أصدر المدعي العام العسكري قرارًا بحظر النشر في التحقيقات الجارية معه.

كما أشار لما حدث للمستشار هشام جنينة، نائب عنان لشؤون حقوق الإنسان، والرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، تعرض، وفق التقريرلـاعتداء أسفر عن إصابته بجروح قطعية في الوجه وكسر في القدم، فضلا عن ترويعه وأسرته، وذلك بعد أن اعتدت عليه مجموعة ترتدي ملابس مدنية، وانهالت عليه بالأسلحة البيضاء في محيط سكنه ي منطقة التجمع الأول في القاهرة الجديدة”.

القتل خارج القانون

وتناول التقرير استمرار السلطات الأمنية في ارتكاب جريمة القتل خارج نطاق القانون. وأشار إلى رصد “التنسيقية المصرية للحقوق والحريات”، وهي منظمة حقوقية غير حكومية، وقائع تصفية جسدية لـ 115 شخصا خلال عام 2017 في مختلف محافظات مصر، خارج سيناء. وكان معظم الضحايا لحالات مختفية قسريا على مدار أسابيع وشهور، ورصدت آثار تعذيب وكدمات على جثث بعضهم.

وفي شمال سيناء كشفت تكذيب تحقيقات المنظمات الحقوقية العديد من بيانات وزارة الداخلية والجيش المتعلقة بمصرع مسلحين أثناء الاشتباك مع قوات الشرطة أو الجيش، وأن بعض الحالات كانت لأشخاص رهن الاحتجاز قبل إعلان قتلهم، أو لضحايا من النشطاء السياسيين، مع عدم وجود أدلة على ارتباطهم بجماعات مسلحة أو أعمال عنف.

كما توجد حالات تصفية مباشرة لأشخاص دون القبض عليهم والتحقيق معهم. ونشر مقطع فيديو لعدد من المدنيين المتعاونين مع القوات الخاصة المصرية أثناء إعدامهم لأسرى مدنيين، ولم يحقق في هذه الوقائع.

ووفق المركز، زادت ظاهرة الاختفاء القسري، التي بدأت تتصاعد بشكل كبير في مصر منذ الربع اﻷخير من يونيو2013، والعديد من حالاتها تتعلق بقضايا سياسية وقضايا رأي. وغالباً يتعرض اﻷشخاص المختفون لصور مختلفة من التعذيب والضغوط للحصول منهم على اعترافات أو معلومات تستخدم ضدهم أو ضد آخرين في المحاكمات الجنائية.

تعديلات تشريعية

ولم ينس التقرير قيام حكومة السيسي بإدخال سلسلة من التغييرات الهيكلية في بنية التشريع المصري لتغليظ القبضة اﻷمنية على المجال السياسي واﻹعلامي والمدني، وتسييس القضاء والمحاكم.

وذكر أن بيئة الحرب على اﻹرهاب في مصر ومنطقة الشرق اﻷوسط، أمدت السلطات المصرية بمبررات لاستمرار إصدار قوانين مقيدة للحريات، ومهدرة لضمانات استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

وتابع إنه في أعقاب التفجيرات التي استهدفت ثلاث كنائس في أبريل 2017، تبنت السلطات الانقلابية مزيدا من التعديلات القانونية في إطار الحرب على اﻹرهاب، ممثلة في قانون الإجراءات الجنائية، وقانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، وقانون تنظيم الكيانات الإرهابية واﻹرهابيين رقم 8 لعام 2015، وقانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لعام 2015».هذه التعديلات «قلصت من ضمانات المحاكمة العادلة، وضمانات حماية المتهم، وأصبح للمحاكم الجنائية السلطة التقديرية في السماح بسماع شهود النفي، كما ألغت حق المتهمين في إعادة المحاكمة ونقض أحكامهم للمرة الثانية، وألغت شرط حضور المتهم أو من يمثله أثناء صدور اﻷحكام، فيما أتاحت للمحاكم الجنائية إدراج أفراد وكيانات في إطار لوائح الإرهاب بناء على تقارير أجهزة اﻷمن لمدة خمس سنوات.

وذكر التقرير أن قائد الانقلاب أعلن حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد في شهر أبريل 2017 بعد هجومين استهدفا كنيستين في مدينة طنطا ومحافظة اﻹسكندرية، وتجددت حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر أخرى في شهر يوليو من العام نفسه، ثم التجديد للمرة الثالثة في العاشر من أكتوبر الماضي، على الرغم من أن المادة 154 من دستور 2014 تحظر تجديد حالة الطوارئ ﻷكثر من مرتين.

كما أشار لما أدخلته سلطات الانقلاب من تعديلات على قانون الجنسية تتيح سحب وإسقاط الجنسية المصرية وفقًا لمعايير مرنة فضفاضة يمكن توظيفها بشكل سياسي ضد المعارضين والنشطاء السياسيين والحقوقيين، طبقاً للتقرير الذي أشار إلى إضافة “حالة جديدة لسحب الجنسية المصرية ضد من يصدر في حقه حكم قضائي (يثبت انضمامه ﻷي جماعة أو جمعية أو منظمة أو عصابة أو أي كيان أيا كانت طبيعته أو شكله القانوني أو الفعلي، سواء كان مقرها داخل البلاد أو خارجها، وتهدف إلى المساس بالنظام العام للدولة، أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي لها بالقوة أو بأي وسيلة من الوسائل غير المشروعة)”.

محاكم عسكرية دون قانون

وتزايد خضوع المدنيين لمحاكمات عسكرية تفتقر للعدالة وضمانات الدفاع في اتهامات متنوعة بعضها يتعلق بالإرهاب، وكثير منها اتهامات تتعلق بممارسة نشاط سياسي أو نقابي معارض للدولة.

وعبر القائمون على التقرير عن قلقهم من التنفيذ الفعلي لكثير من أحكام اﻹعدام التي تنتهي لها بعض هذه المحاكمات.

وأوضحوا أنه منذ عام 2013 أعدم 21 مدنيا أدانتهم محاكم عسكرية.

كما أشار لتعرض الحركات العمالية الاحتجاجية للتنكيل اﻷمني عبر القبض على قياداتها وإحالتها لمحاكمات بعضها أمام المحاكم العسكرية، كما فصلت السلطات العمال المحتجين بشكل تعسفي من أعمالهم في عدد من القطاعات المملوكة للدولة، وممارسة ضغوط وتهديدات ضد محاميهم، ففي عام 2017، وصل عدد النشطاء العماليين الذين ألقي القبض عليهم واتهامهم على خلفية مشاركتهم في إضرابات واحتجاجات عمالية نحو 180شخصا.

ووافق برلمان العسكر ديسمبر 2017، على قانون جديد للمنظمات النقابية والعمالية وحماية حق التنظيم النقابي، الذي أصدره السيسي في 17 ديسمبر 2017.

وتهدف بنود القانون إلى إحكام سيطرة الدولة على التنظيمات والاتحادات النقابية المستقلة التي تأسست في السنوات العشر اﻷخيرة بمبادرة مستقلة من قطاعات عمالية مختلفة، في الوقت الذي تستمر الحكومة في الهيمنة على الاتحاد العام لنقابات عمال مصر عبر تعيين مجالس إداراته.

رابط دائم