يتهافت الناس على جنسيات الدول الأوروبية وأمريكا، وتمنع دول مثل اليابان والكويت والسعودية، باقي البشر من التجنس، وهنالك دول تمنح جنسيتها بمجرد المرور الجوي أو الأرضي للأطفال المواليد، وغيرها تمنح الجنسية في 6 أشهر، أما في مصر وعلى يد السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، فقد عرض برلمان الدم الجنسية للأجانب بمبلغ سبعة ملايين جنيه مصري، أي 400 ألف دولار تقريبًا، ومع ذلك تشهد الجنسية المصرية ركودًا طبيعيًا، فمن يرغب بجنسية بلد يحكمها ديكتاتور يقتل الأجانب وكأنهم مصريون.

ونشرت شابة تدعى “نور الهدى” مولودة من أم مصرية وأب سوري، ورقة حصولها على الجنسية المصرية معبرة عن سعادتها، ورد عليها أحد النشطاء بالقول: “ألف مبروك.. اطلعي على التموين بقى علشان تستفيدى من الـ٤ جنيه دعم.. وبكرة تروحي لإدارة الصب في المصلحة تسجلي اسمك”.

وتقول الناشطة إيمان أنور: “الجنسية المصرية حلوه لو معاها جنسيه تانيه أوروبيه أو أمريكيه ترجع مصر تبص على أحوال الناس فتحمد ربنا على الجنسية التانية.. على فكرة للي بيتريقوا ويستهتروا بجنسية بلدهم.. إن شاء الله الجنسيه اللي مش عاجباكم دي هتبقى شفيعه لينا يوم القيامة”.


الجنسية التي حصلت عليها الشابة “نور الهدي” كانت الرسالة الأساسية لفيلم “عسل أسود”، للمخرج خالد مرعي والمؤلف خالد دياب وبطولة الفنان أحمد حلمي، أنه لا كرامة ولا حقوق للمصري في وطنه، وأن المصري قد يحب وطنه ولكن لا يتمنى العيش فيه، والمفارقة أن الفنان “حلمي” وبعيدًا عن التمثيل والسينما اختار أن يأتي أولاده من الفنانة منى زكي في واشنطن للحصول على الجنسية.

عسل السيسي!

ونعود إلى الجنسية وفيلم “عسل أسود” الذي تم إنتاجه في أواخر عهد المخلوع مبارك، ومع ذلك فهو صالح 100% لتنطبق عليه الحالة التي تعيشها مصر تحت حكم السفيه السيسي، فهذا الشاب العائد إلى مصر بعد عشرين عامًا من الاغتراب في أمريكا، والذي خرج به والده ووالدته ولا يزال في مصر بقايا حياة كريمة للحياة الاجتماعية فيها، يصر على أن يحمل في زيارته لها جواز سفره المصري وليس الأمريكي باعتباره يحمل الجنسية الأمريكية، الأمر الذي يعرضه لتعامل دوني.

يأتي المواطن المصري “مصري سيد العربي” إلى مصر حاملا لذكريات جميلة، لكن ما إن يهبط إلى المطار يصطدم بضابط الجوازات الذي ما إن يقدم له جواز سفره المصري حتى يتعامل معه بغلظة وفظاظة وفي نظراته استحقار ثم يقرر تنحيته جانبًا إلى أن يتم التأكد الأمني منه.

يخرج “مصري” من المطار ليقع في يد سائق ميكروباص “راضي” نصاب، يستغل جهله بكل شيء سعر الدولار والأكل والشرب، ويبدأ في سرقته، وعندما يصل للفندق ترفض إدارته تسكينه على الرغم من حجزه المسبق، لكن جواز سفره مصري، والحجز تم لأمريكي وليس لمصري حتى لو كان الاسم واحدًا، فيضطر للحجز في فندق آخر.

يؤجر “مصري” سيارة جيب مجهزة بجهاز تحديد المواقع الأثرية، ويصدم حين يكتب “أهرامات” فيجد نفسه في طريق أبعد ما يكون عن طريق الأهرامات، وخلال جولته يتكشف الجهل الذي وصل إليه المصريون، وحين يصل للأهرامات يتم النصب عليه، وفي المسجد الأثري يتم سرقة حذائه، ويلقى القبض عليه أثناء تصويره لمواقع على النيل كونه مصريًا.

الأجنبي فقط!

حيث لا يتم توقيف الأجانب عند تصويرهم في أي مكان في مصر، ويعامل من قبل الضابط والمخبرين معاملة مهينة، وفي القسم يلقى به في الزنزانة ليتلقفه مجرمون ولا يخرج إلا حين يأتي السائق ليضمنه، بالطبع بعد أن يساومه على الثمن، ويتم تسليمه الكاميرا بعد مسح كل الصور التي التقطها.

يصل لـ”مصري” جواز سفره الأمريكي، لتتحول المهانة إلى احترام وتبجيل، ويمسك بجواز سفره المصري ويشده على ما يشبه “النبلة” ويلقيه من نافذة الفندق المطل على النيل، مقبلاً الجواز الأمريكي وراقصًا رقصة الانتصار، لكن الوطن الذي فقد كل معايير حقوق الإنسان، ووصل ترديه ثقافيا وفكريا إلى أحط مستوياته، يواصل الكشف عن خرابه، فجواز السفر الأمريكي لا ينقذه.

حين يصدم أحدهم سيارة الميكروباص الخاصة بـ”راضي” والتي أجرها مصري لتقوم بتوصيله، تسحب رخصة قيادة راضي فيما تمر السيارة الصادمة دون مساءلة بل ومصحوبة بالتعظيم من قبل ضابط الشرطة، فيعترض “مصري” مدافعا عن حق السائق، فيحوله الضابط إلى رئيسه اللواء الذي تحاصر قواته مظاهرة ضد أمريكا.

يواجهه مصري بأنه يحمل جواز سفر أمريكي، ويريد أن يحصل على حق السائق، ويصرخ فيه “أنا مواطن أمريكي وجواز سفر يحميني ومحدش منكم يقدر يلمسني” فيقول له اللواء الكبير هل يمكن أن تقول هذا الكلام في الميكروفون ويحدث ذلك ويتحول المظاهرون من مناهضة قوات الشرطة إلى الالتفاف حول “مصري” ويدهسونه.

يخرج “مصري” من هذا الموقف بلا فلوسه ولا جواز سفره الأمريكي، ليصبح متشردًا في شوارع القاهرة، ينقذه سائقه راضي في حركة “جدعنة” ويتجول به إلى أن يصل إلى شقة والديه التي هجرها منذ عشرين عامًا، ومن هنا ندخل إلى قلب مصر المأزومة بانقلاب السفيه السيسي.

فقر العسكر

الأسرة التي تجاور شقة “مصري”، تعاني من البطالة وشظف العيش والأمراض النفسية التي خلفها حكم العسكر أكثر من 60 عامًا، فـ”سعيد” شاب يبلغ من العمر ثلاثين عامًا عاطل بلا عمل، يعيش عالة على والدته، وأخته الكبري “ابتسام” وزوجها “منصف” يعيشان في نفس الشقة ويعانيان من عدم وجود فرصة لممارسة الحب، لذا فهما دائما الشجار على الأمور التافهة.

الفقر الذي يقتل المصريين في عهد السفيه السيسي يتجلى في مشهد غاية في البساطة لكنه عميق الدلالة، يقف “مصري” مع “سعيد” وبينهما طبق من العنب، فيتذكر مصري حين كان هو وسعيد طفلين يقفان في هذه النافذة ويلقيان على المارة بحبات العنب، ويكرران المشهد فيختار سعيد حبة عنب معطوبة ويلقي به على أحد المارة، فينحني هذا الشخص ويلتقط حبة العنب ويمسحها ويأكلها!!

ولا يغفل الفيلم تردى أوضاع التعليم في مصر، تعليمًا وأبنية، فمدرّسة اللغة الإنجليزية تشوه اللغة الإنجليزية، وحمامات المدرسة مغلقة للإصلاح، والأمر نفسه بالنسبة لتفشي الفساد والمحسوبية والرشوة ـ “رشا بتسلم عليك” ـ داخل الهيئات والمصالح الحكومية.

وعلى الرغم من محاولات تجميل الصورة بالكشف عما يتمتع به المصريون من دفء وجدعنة وأنهم ليسو سواء وما تحظى به مصر من مقومات، إلا أن الصورة تظل قاتمة، لم تؤثر فيها موائد الرحمن وتوزيع اللحمة على الفقراء في الشارع والدفء الأسري في العيد ومواقف الجدعنة.

لهذا قامت الثورة

ليس “عسل أسود” بل “سم في العسل” فالكوميديا التي قدمها حلمي بشكل محترم دون افتعال، وأضحكت المتفرج من القلب، حملتها مواقف سوداء، فصدق “مصري” وصراحته تصدم الآخر مواطنا عاديا أو مسئولا، ونظرة ضباط الشرطة المهينة سواء في المطار أو في القسم أو في الشارع لـ”مصري” كونه مصريا تبعث على الضحك؛ لأنها نظرة فجة وغير مبررة إنسانيا وأخلاقيا، وعلى مثل هؤلاء وقمعهم وإجرامهم قامت ثورة 25 يناير 2011.

كذلك رجل الشارع الجاهل حين يحاول الحديث باللغة الإنكليزية، وإصرار سائق الميكروباص على أن يلقي بالزبالة في الشارع، فيما ينهره “مصري” ويحتفظ بالزبالة في كيس بيده وينام قابضًا عليه، ينتهي الفيلم بصعود “مصري” إلى متن الطائرة المتجهة لأمريكا حاملا جواز سفر الأمريكي، مؤكدا أن إبراز هذا الجواز يعني حقوق الإنسان والاحترام والمعاملة الراقية والعلم و..إلخ، وأن مصر ما هي إلا بلد “عفار”، “همج”.. إلخ.

من الممكن لهذا الفيلم أن يتجاوز مجرد فيلم تم إنتاجه في عهد المخلوع مبارك، وأن يتجاوز مجرد كونه فيلما تجاريا، كل هم شركة إنتاجه أن تحقق أكبر قدر من الربح المادي، ولم يكن تحقيق ذلك ليكلف كثيرا، فقط سيناريو وحوار جديد يتسق مع ست سنوات من الانقلاب قضتهم مصر، فيلم جديد أو جزء ثان لعسل أسود يفضح عصابة السيسي والنهب والقمع والقتل، يفضح بيع مصر بالقطعة لإسرائيل عن طريق وكيلها السعودي محمد بن سلمان.

ربما لو تم تصوير جزء ثان للفيلم يفضح المعتقلات وما يجري فيها، ومنصات القضاء الذي استولى عليه العسكر وجعلوه مثل مراجيح الموالد الشعبية، وما يجري في سيناء من تهجير وقتل وقصف، رسالة سينمائية قوية للداخل قبل الخارج بنفس قوة الأداء الذي قدمه أحمد حلمي ولطفي لبيب وإدوارد وإنعام سالوسه وغيرهم من أبطال الفيلم، ربما يجعل فتاة مثل “نور الهدى” تراجع نفسها وتعيد للسفيه السيسي الجنسية، حتى يرد للمصريين اعتبارهم بثورة أخرى.

رابط دائم