لكي يَعرف “النخبيون” خصوصاً، والناس عموما، حقيقة الإخوان، ويفهمون ويقَيّمون سلوك الجماعة وحزبها، يجب إخضاع مناهجها في تربية الأعضاء، نظرياً وعملياً، للفحص والدراسة. ولا تكتمل هذه المعرفة، فيما أرى، إلا بفحص مناهج التربية عند كافة القوى الحزبية والجماعات على الساحة المصرية، بما فيها المشبوهة كالروتاري والليونز والإنرهويل. أما الجيش فالأصل فيه أن يُجهز المنخرطون فيه فقط لقتال الأعداء، (وليس لقتل أو قتال الشعب أو المعارضين).

إصدار الأحكام الإدانية المعلبة المسبقة على الإخوان ليس من شيم الكرام. هناك من غير الملة من أخضعوا تلك المناهج الإخوانية للدراسة العلمية فأنصفوهم.

أذكر من هؤلاء باحثَين: أميركي هو ريتشارد ميتشيل (ألف عنهم كتاباً رصيناً)، وياباني حصل على درجة الدكتوراه عن حسن البنا، يدعى هيراتا، وكان هذا الياباني حتى سنوات قليلة مضت مديراً إقليميا في القاهرة لثاني أكبر صحيفة يابانية.

وفي مقدمة هذا المقال أسمح لنفسي، كباحث متخصص قبل كوني إعلامياً، أن أؤكد على سبيل القطع، وبعد دراسة شخصية وفحص ومعايشة استمروا نحو ثلاثة عقود، أن كل ما يشاع من اتهامات للمنتمين للإخوان بالإرهاب أو العنف أو بالطاعة العمياء أو الطائفية أو الاستعلاء، إن هي إلا تخرصات وكذب بواح.

يعرف المحللون الاقتصاديون والاجتماعيون مصطلحي المايكرو والماكرو، والعلاقة بينهما أو تأثير كل في الآخر. التربية الإسلامية تعول على الفرد باعتباره اللبنة الأولى في المجتمع، لكنها لا تهمل أثر المجتمع على تربية وتنشئة الفرد. قد لا يحتمل هذا المقام خوضاً أكثر في هذه القضية. فلنتجه إلى مدرسة القرآن والنبوة لنتأكد من هديها ونهجها في هذا الصدد. المجتمع الإسلامي القوي يبدأ بتربية الفرد باعتباره روح وجسد: “لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. محمد صلوات الله وسلامه عليه ربى صحابته وسط بيئة ومجتمع ممروض، فنشأت الجماعة المسلمة التي قادت التغيير والثورة على عبادة الأصنام، وخلصت الفرد من العبودية لغير الله: المال أو السلطة أو القومية والعرق والقبيلة أو تراث وتقاليد الاجداد الجاهلية.

مدرسة الإمام البنا لم تبتدع بل سارت على نهج القرآن وسيرة رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم. أساس البناء الإخواني هو منهج التربية الذي يستلم الفتيان والفتيات مبكراً والشباب والشابات والرجال والنساء، فيزرع فيهم الضمير اليقظ ومراقبة الله وعدم انتظار الجزاء من البشر لأن ما عند الله خير وأبقى. ويشجع منهج الإخوان الحرص على القوة البدنية والمحافظة على الصحة. والإخلاص لله هو أول دروس الأسرة الإخوانية انطلاقاً من حديث النية. جهاد النفس والجهاد ضد المنكر الاجتماعي وظلم الحكام ومقاومة المحتلين، فروض عين غالباً وكفاية أحياناً. والجماعية والشورى أساس من أسس آليات عمل وقرارات ومواقف الإخوان، ولما لا فالصلاة في الجماعة تفضل صلاة الفرد بثلاثين درجة. والشيطان يفترس الفرد لولم يكن مرتبطاً بصحبة تعينه على الخير ومقاومة الغواية: “إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية”.

وفي كل الأحوال “لا يكلف الله نفساً إلا وسعها”. ولا يخالف الإخوان نهى النبي أن يكون المسلم إمعةً يسمع ويطيع طاعة عمياء، بل يضع صلى الله عليه وسلم القاعدة التي يعتمدها الإخوان ويطبقونها: “لا يكن أحدكم إمعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءاتهم”. وثمة قاعدة أصولية أهم هي “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإن أُمِر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة.

هذه هي أهم ملامح منهج المحضن التربوي العقيدي النظري الإخواني. ولا يكتمل هذا المنهج أو يترسخ إلا بالتدريبات والتكليفات العملية النافعة للمجتمع. وتبدأ هذه بإماطة الأذى عن الطريق ولا تنتهي بغوث الملهوف وكفالة المحتاج والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة وقاعدة دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة، ولا ضرر ولا ضرار. والتضحية الصبر والحلم والتدرج من سنن التغيير والإصلاح عند الإخوان.

مصر بشعبها الواعي المتدين تستحق الآن أكثر من أي وقت مضى هذا الفصيل الإسلامي للانطلاق وطي صفحة ستة عقود عجاف سود. نحن نشهد حالياً نهاية مؤلمة وعسيرة لتجارب وأيديولوجيات أرضية فاشلة دمرت مصر أخلاقياً واقتصادياً وتنموياً.

طالعوا عبر جوجل مقالات ذات صلة بعنوان –أخطاء الإخوان الخمسة:
منظمون، ربانيون، مؤدبون، شوريون، أمميون.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم