هذا العنوان ليس من عندي، ولكنه أمر واقع اضطر للاعتراف به اللواء احتياط الصهيوني “رونين أيتسيك” في مقال كتبه بصحيفة “يسرائيل هيوم” الاربعاء 14 نوفمبر 2018، بعد ساعات من موافقة نتنياهو وقادته العسكريين على وقف إطلاق النار، ملخصًا به الواقع أو المعادلة الجديدة التي فرضتها المقاومة على الاحتلال.

فالمُعادلة الجديدة لرِجال المُقاومة كَرسَت مفهومًا جَديدًا في الحرب، وهو ليس فقط “الضرب مقابل الضرب”، وإنما “المنزل مقابل المنزل”، فأول مرة تهدم دقة صواريخ المقاومة منازل اسرائيلية بالكامل ردا علي هدم الصهاينة المنازل في غزة، ناهيك عن رهن المقاومة المنطقة المحيطة بغزة ومُستوطنيها رهينَة لصواريخ المُقاومة التي باتَت أكثَر دِقَّة وأكثَر مفعولًا.

“حماس قالت كلمتها الأخيرة بالأمس، كما بكل تصعيد، هي التي تضع الكلمة الأخيرة، وتقول لإسرائيل إننا فرضنا عليكم معادلة جديدة، لا يمكن أن نتعرض لهجوم بدون الرد، وبعد إطلاق الصواريخ، إسرائيل لا تستطيع تقديم ضربة قاسية لها”، هكذا يقول اللواء احتياط الصهيوني “رونين ايتسيك”ّ.

ويضيف: “المشكلة الأكبر التي باتت واضحة خلال التصعيد الأخير، أن حكومة إسرائيل لم تعد قادرة على توفير الامن لسكان مستوطنات غلاف غزة جنوبي البلاد، الذين فقدوا الثقة تماما بالمنظومة الأمنية والسياسية في إسرائيل”.

ففي يوم واحد أطلقت المقاومة 400 صاروخ على المدن الصهيونية القريبة من حدود غزة، فشلت قبتهم الحديدية في صد سوي 120 منها، وسقط الباقي على منازل ومدن الاحتلال، وبلغت الدقة حد هدم منازل بالكامل على من فيها من الصهاينة، وهو مؤشر جديد وهام في ظل اعتماد المقاومة على نفسها ذاتيا في إنتاج السلاح لتوقف تهريبه بسبب الحصار الخانق في سيناء.

الكلمة الأخيرة

في المعارك السابقة كان الاحتلال يرفض وقف إطلاق النار ويستمر في هدم منازل غزة، معتبرًا أن هذا هو سلاحه الرادع (!)، لكن إسرائيل عبرت هذا المرة عن رغبتها بعدم التصعيد، والاستمرار في مسار التهدئة مع حماس بغزة، وهذه التوجهات جعلت حماس هي التي تقول الكلمة الأخيرة بالتصعيد.

حماس ومنذ بداية العام الجاري، هي التي تُملي على إسرائيل، طبيعة ووتيرة الأحداث، بينما تبحث إسرائيل عن الحفاظ على قوة الردع أمام حماس، والاستمرار في مسار مباحثات التهدئة معها.

أما سبب التخبط الصهيوني، كما يري المحللون الصهاينة فهو خوف إسرائيل من تدمير ما تبقى من قوة الردع الإسرائيلية، أمام حماس، وحرصها على تعميق الفصل بين غزة والضفة؛ ما أعطى الفرصة لحماس لفرض معادلات عسكرية وسياسية جديدة، وخطورة ذلك من حيث عدم القدرة على توفير الأمن لسكان مستوطنات الجنوب، هو أنه “يخلق حالة من عدم الثقة بالجيش والمنظومة الأمنية، والحكومة كذلك، ويؤكد أن حماس هي من تفرض المعادلات، وتقول الكلمة الأخيرة بكل تصعيد”.

لهذا يمكن القول إن حصيلة الجولة الأخيرة من الحرب في قطاع غزة باتت واضحة وهي أن المقاومة، فما كان نتنياهو سيقبل بوقف إطلاق النار لو كان يعلم ان الاستمرار في صالحه.

صحيح أن الاحتلال دمر العديد من منازل غزة هذه المرة منها 50 منزلاً بالكامل وقرابة 750 بشكل جزئي، ولكن هذا لم يردع المقاومة واستمر هطول الصواريخ على المستوطنات ووصلت إلى بئر سبع وهددت المقاومة أن توسع القصف ليصل تل أبيب وباقي مدن الاحتلال، ما دفع الاحتلال للتراجع والقبول بوقف إطلاق النار.

فشل القبة الحديدية

أبرز قراءات الجولة الأخيرة من الحرب هي فشل القة الحديدية الصهيونية في صد صواريخ المقاومة، فمن بين 400 صاروخ لم يتم صد سوي 120 بحسب اعتراف صحف الاحتلال، والأهم أن صواريخ المقاومة شدت دقة غير معتادة في التصويب هذه المرة، ما ادي لإصابة 90 صهيوني وهو عدد أكبر من عدد من أصيبوا من الفلسطينيين.

يقول الخبير العسكري في “يديعوت”، “يوآف زيتون” في تحليل حول فشل القبة الحديدية:”لقد بذلت حماس والجهاد الإسلامي جهدًا غير مسبوق في هذه الجولة من القتال للتغلب على النظام الدفاعي “القبة الحديدية” بطرق إطلاق جديدة نسبيًا، بحيث تقوم الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة بإطلاق وابل من عشرات الصواريخ على منطقة صغيرة نسبيا”.

ويضيف: “معدل نجاح اعتراض القبة الحديدية منقوصاً، فمن بين أكثر من 400 صاروخ، اعترضت البطاريات 120 صاروخاً كان من الممكن أن تسقط في مناطق مأهولة بالسكان، واصابت الصواريخ منازل وأراضي زراعية وطرق مما أسفر عن مقتل شخص وجرح العشرات الآخرين”.

ويتابع: “التحدي الأكبر، الذي لا يزال الجيش الإسرائيلي يحاول التوصل إلى حل له، وهو ما سيأتي لاحقاً: كأحد أسرار حماس الخفية للصراع القادم وهي قذيفة هاون يمكنها حمل رؤوس حربية ضخمة من 150 إلى 200 كيلوغرام، والتي ستكون قادرة على تدمير كامل للشوارع والمنازل في المجتمعات الإسرائيلية بالقرب من الحدود، وتسبب أضرارا واسعة النطاق في المواقع العسكرية وقتل العديد من الجنود في مناطق التجمع”.

دقة إطلاق الصواريخ

ومقابل فشل منظومة القبة الحديدية هناك دقة واضحة في إطلاق الصواريخ هذه المرة نتج عنها لأول مرة هدم منازل في المستوطنات بلغ عددها حوالي 3 إضافة الي ضرب اتوبيس بصاروخ كورنيت بدقة بالغة كان يقل جنود الاحتلال قرب السياج الحدودي مع غزة، وكاد يقتل فيه 30 جندي لولا سرعة اخلاءهم قبل القصف.

ربما لهذا انطلق أهالي غزة في مسيرات فرح بما حققته المقاومة عقب وقف إطلاق النار، ولم يهزمهم الخوف، بينما بالمقابل شهدت بعض شوارع المدن الصهيونية مظاهرات وغلق طرق بإطارات السيارات المشتغلة احتجاجا على قبول حكومة الاحتلال وقف إطلاق النار لأنهم يرون ببساطة أن حماس انتصرت على حكومتهم وما كان ينبغي وقف إطلاق النار قبل المزيد من تخريب غزة!!.

وقالت صحيفة “يديعوت أحرنوت” الصهيونية ، إن “جميع وزراء الكابينت بمن فيهم وزير الحرب أفيغدور ليبرمان، ووزير التعليم نفتالي بينت، ووزيرة القضاء إيليت شاكيد، وافقوا على وقف الهجمات بغزة”، وتحدثت صحف الاحتلال اليوم الأربعاء، عن أن وزير الحرب أفيغدور ليبرمان، سيعلن استقالته من منصبه سعيًا للحفاظ على مستقبله السياسي لأنه فاشل أمنيًا”.

وأصيب أكثر من 90 مستوطناً وجندياً إسرائيلياً جراء إطلاق الصواريخ والقذائف من قطاع غزة، أصابت الصواريخ الفلسطينية عدة منازل في عسقلان وسديروت ونتيفوت وتسببت باشتعال حرائق.

وأصابت قذيفة هاون خط غاز في منطقة سدوت نيغف. وأدى وابل الصواريخ إلى انطلاق صافرات الإنذار في شتى أنحاء جنوب إسرائيل، وإلى إرسال مئات آلاف الإسرائيليين إلى الملاجئ.

وأكد وزير الأشغال العامة والإسكان في غزة، مفيد الحساينة، أن التقديرات الأولية للعدوان الإسرائيلي على غزة تفيد بتدمير قوات الاحتلال ل 880 وحدة سكنية بشكل كلي وجزئي، هي 80 وحدة سكنية هدم كلي، و50 وحدة سكنية أضرار جزئية بالغة، و750 أضرار جزئية طفيفة ومتوسطة”.

نتائج الجولة الأخيرة

لا شك أن التوصل لتهدئة بعد يومين فقط من الجولة القتالية يمثل انجازا هائلا للمقاومة لا يتمثل فقط في نجاحها في تثبيت قواعد الاشتباك التي أملتها بعد اندلاع مسيرات العودة الكبرى، بل يؤسس لنمط علاقات جديدة مع الاحتلال يقوم على ردعه لو لوح مستقبلا بخيار القوة، وذلك برغم أن هذا الانجاز تم في ظل ظروف داخلية ودولية واقليمية بالغة الصعوبة للمقاومة.

لهذا يؤكد المحللون الفلسطينيون والصهاينة على السواء ان غزة انتصرت على الاحتلال وفرضت معادلة التوازن مرة اخري مثلما انتصرت على المنافقين والمطبعين، بل وأثبتت أنها المدينة العربية التي يدخلها الصهيوني فيخرج منها مقتولا، بينما يكرمه الحكام العرب في عواصمهم حين يدخلها.

ولأول مرة تعترف صحف الاحتلال علنا بفشل العدوان وفشل عملية خانيونس علي السواء، ويشككون في قدرة الاحتلال علي لجم المقاومة.

فالجنرال احتياط “عميرام ليفين” قال لصحيفة “معاريف”: “لقد تخلينا عن مستوطني غلاف غزة ونشاط الجيش الإسرائيلي كان ضعيف أمام حماس”، والمحلل العسكري أمير بوخبوط، قال لموقع “والا” العبري أن: “حماس تقشر طبقات الحماية فوق غلاف غزة، والقبة الحديدية تعترض عدد قليل من الصواريخ”.

أما “يوسي يهوشع فيقول في يديعوت احرونوت أن: “هنية يريد وقف إطلاق النار لإنه بالنسبة له حقق أهدافه ويريد أن ينهي هذه الجولة الأكثر عنفاً بما يزيد عن 400 صاروخ وقذيفة هاون، وإذا قبلت إسرائيل بوقف إطلاق النار فان ذلك سيكون فشلا ذريعا.

مكاسب المقاومة

يمكن رصد العديد من الكاسب للمقاومة هذه المرة على النحو التالي:

1- أهمية هذا الانتصار وعدم خضوع المقاومة أنه يأتي في الوقت الذي تُطرح فيه خطط وافكار لطمس معالم القضية الفلسطينية بموجب صفقة القرن، لهذا يمكن القول إن غزة كتبت بسواعد المقاومة الباسلة شهادة وفاة “صفقة القرن” التي يتحدث مساعدو ترامب عن طرحها الاسبوع المقبل، وافشلت مخططات اخراج اهل غزة تحت النار بعد الإبادة والحصار الي حيث تنص الصفقة.

2- حرص المقاومة على القصف حتى النهاية رغم التهديدات الصهيونية سيحسن من قدرتها على إملاء اتفاق تهدئة محترم بلا تنازلات، لأنه لفت نظر نتنياهو إلى عواقب فشل جهود التهدئة.

3- غزة استنهضت الكرامة العربية المهدرة، وحركت الشارع الفلسطيني في الضفة والشارع العربي، وأثبتت أن المقاومة والشعوب العربية شيء والحكام الذي يستولون على السلطة بالبطش شيء اخر.

4- نسف العدوان الصهيوني أسطورة التهدئة والمصالحة والتطبيع والعلاقات الخليجية الصهيونية المشبوهة بعدما دعم المتآمرون من الحكام العرب العدوان، وربما سعي نتنياهو لإيقافها وقبل وقف إطلاق النار خشية أن يُصِيب أصدقاؤه المُطَبِّعين مِن العَرب بالحَرَج.

5- المقاومة تزداد قوة في كل جولة قتالية مع الاحتلال .. ليس قوة نارية فقط ولكن قوة تخطيط ودقة وتطوير للسلاح رغم أنها تعيش على الإنتاج الذاتي لسلاحها وبإمكانيات ضعيفة بسبب الحصار الخانق عبر الاحتلال ومصر وأنظمة عربية أخري.

الخلاصة: أن غزة التي تُركت تحت الحصار 12 عام والتي بالكاد كان جل أهلها يجدون قوت يومهم خلال الشهور الماضية، هي التي وقفت اليوم بكبرياء في وجه الاحتلال الإسرائيلي واستبسلت في رد العدوان بينما تم الامساك بتلابيب أخرون من العرب يلهثون للتطبيع والخضوع.

رابط دائم