..هذا ما يحمله أردوغان في جعبته

يبدو أن الجراب التركي في قضية مقتل الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ما زال يحمل الكثير من المنغصات لنظام محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، الذي حاول والده الملك سلمان فديته بذبح 18 كبشًا من الوزن الثقيل في المملكة، على رأسهم أحمد عسيري نائب رئيس الاستخبارات السعودية السابق، وخالد القحطاني مستشار الديوان الملكي السعودي.

في الوقت الذي تدخل فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قبض ثمن حماية محمد بن سلمان، على الخط لتخفيف الضغوط التركية على “بن سلمان”، لدرجة أن ترامب عرض على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إعادة فتح الله جولن إلى تركيا.

وقالت قناة “إن بي سي” الأمريكية، إن واشنطن تدرس إمكانية إعادة زعيم منظمة “غولن” الإرهابية، فتح الله غولن، إلى أنقرة بوسائل قانونية، لـ”استرضاء” تركيا عقب جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول.

وأفادت القناة الأمريكية، في خبر نشرته أمس الخميس، بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب تدرس نوعية الخطوة التي يمكن اتخاذها في العلاقات مع تركيا.

وأضافت أن البيت الأبيض يدرس ماهية الطريق الذي يمكن انتهاجه من أجل استرضاء تركيا عقب جريمة خاشقجي.

وقالت إن البيت الأبيض أوعز إلى وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ووزارة الأمن الداخلي، لدراسة “إعادة غولن بالوسائل القانونية” إلى تركيا.

فضلا عن أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على 17 سعوديًا بينهم سعود القحطاني المستشار السابق لولي العهد محمد بن سلمان، وقنصل الرياض بإسطنبول محمد العتيبي، على خلفية مقتل خاشقجي.

ماذا يحمل أردوغان؟

ولعل التسجيلات والصور التي تحملها جعبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي أكد أنه عرضها على الرئيس الأمريكي، والمدعي العام السعودي، تحمل أدلة قاطعة على تورط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في إعطاء الأمر بقتل خاشقجي.

كما أن تهديد النظام التركي بتدويل قضية مقتل خاشقجي، بعد إصدار البيان الذي خرج به النائب العام السعودي باتهام 18 شخصًا بالتخطيط وتنفيذ جريمة قتل خاشقجي، وهو السيناريو الذي كتبه الرئيس الأمريكي قبل شهر كامل، حينما قال إن المتورطين في الجريمة هم مجموعة من المارقين، إلا أن التهديد بتدويل القضية أصبح يؤرق النظام السعودي ويقض مضجع ابن سلمان، بعد أن طالبت تركيا السعودية بتسليم الجناة للتحقيق معهم في تركيا، طالما أنهم ارتكبوا الجريمة على أراض تركية.

وبالرغم من تعليق عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، على المطالب التركية بالرفض، زاعما أن الجناة سعوديون والضحية سعودية ومكان تنفيذ الجريمة في القنصلية السعودية، إلا أن تركيا بدأت في تسريب بعض الصور للمتورطين في قتل خاشقجي، والأدوات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، والتسجيلات التي تثبت تورط محمد بن سلمان، فضلا عن تسريب صور لم يتسن لـ”الحرية والعدالة” التأكد من صحتها بوقائع تقطيع جثة خاشقجي.

ومع ذلك بدأ النظام التركي في التلويح بسلاح تدويل القضية، وهو ما يضع النظام السعودي في حرج كبير، خاصة بعدما تدخلت الأمم المتحدة، وطالبت بمحاكمة الجناة محاكمة عادلة، ووضعت النظام السعودي في حرج.

وقال وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو: إنّ إجراء تحقيق دولي حول مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي بات أمرًا لا مفرّ منه، انتقلت تركيا إلى مرحلة جديدة من التعاطي مع هذا الملف، بمنح الرياض مهلة أخيرة، قبيل نقل القضية إلى محكمة الجنايات الدولية، وتشكيل لجنة تحقيق خاصة في عملية القتل التي جرت داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في الثاني من أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي.

وخلال مناقشة موازنة وزارة الخارجية للعام 2019 في مقرّ البرلمان التركي في أنقرة، أشار جاووش أوغلو إلى أنّ بلاده “قادت المرحلة بشكل شفاف بخصوص مقتل خاشقجي، وفي البداية شكّلت مجموعة عمل مع السعودية، من دون التفكير في إحالة المسألة لمحكمة دولية، ولكن في هذه المرحلة ترى أنّ إجراء تحقيق دولي بات أمرا لا مفرّ منه، ومهما حصل، فإنّ تركيا ستقوم بما يلزم من أجل الكشف عن ملابسات الجريمة بجوانبها كافة”.

وقالت مصادر تركية في تصريحات صحفية: إنّ ما في جعبة تركيا يتضمّن إنشاء لجنة تحقيق خاصة في قضية مقتل خاشقجي، إما عبر طلب ذلك من خلال الأمم المتحدة، أو عبر مبادرة تجمع عددا من الدول. ويأتي ذلك في وقت مُنحت فيه السعودية مهلة ليست طويلة من أجل التعاون في محاكمة مرتكبي جريمة القتل، قبيل الإقدام على خطوة الانتقال للميادين الدولية، كمجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية، لإجراء تحقيق دولي في القضية.

وأضافت المصادر أنّ التحذير التركي للسعودية يتضمّن إمّا تنفيذ الخطوات المطلوبة من جانب تركيا، والمتمثلة بمحاكمة المتورطين الـ18 بشكل جدي وملموس، أو أنّ أنقرة ستعمل على تشكيل لجنة تحقيق دولية خاصة تجري تحقيقا جديا وحقيقيا لا صوريا.

ولفتت المصادر إلى أنّ الخطوة التركية كانت تستهدف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ولكنّ ذلك اصطدم بموقف أمريكي ثابت في هذا الشأن، فاتجه الموقف التركي بالتالي إلى أفضل طريقة للخروج من الموضوع، وذلك عبر المطالبة بمحاكمة حقيقية لفريق الاغتيال المكون من 18 شخصًا، ومن بينهم مقربون من محمد بن سلمان، هذا فضلاً عن مطالب أخرى.

ومن المطالب التركية إضافة لمحاكمة المتورطين، التعهّد بوقف جميع الأنشطة المعادية لتركيا، وأن ينال الفاعلون جزاءهم، وأن يتم رفع الحصار عن قطر، ومن دون هذه الخطوات، فإنّ تركيا لن تتراجع خطوة عن اللجوء إلى الميادين الدولية لمحاكمة المتورطين.

تركيا تلعبها بذكاء

ويقول الباحث التركي إبراهيم قراغول: “إن لائحة اتهام النائب العام السعودي هي تعتيم واضح للأدلة وتخلص من الأشخاص القادرين على التحدث والاعتراف عن طريق إعدامهم، وهو ما يقضي بالكامل على الأدلة. فهذه محاكمات صورية. فلو هناك نية للكشف عن الحقائق، يجب محاكمة هؤلاء الأشخاص في تركيا أو أي محكمة دولية. ولحسن الحظ أن الأدلة بين يدي تركيا لا الإدارة السعودية. فتركيا تنتهج في هذا الصدد طريقة في غاية الذكاء بشكل تدريجي”.

وكشف قراغول: “ولأقول لكم ما ستؤول له الأمور في نهاية المطاف: سيكشف النقاب عن علاقة بن سلمان بالجريمة، وسيظهر أنه هو من أصدر التعليمات، وأنه ليس المحرض بل صاحب أمر القتل. وستظهر فضائح ابن سلمان وسيده ابن زايد في المنطقة تدريجيا من خلال هذه الجريمة. وستوضع أمامهما عملياتهما السرية وشبكاتهما لارتكاب الجرائم وتموليهما للإرهاب، والعمليات الظلامية التي يقومان بها داخل تركيا وخارجها والإساءات التي يتسببان بها لهذا البلد.

وأضاف أنه تم نصب فخ كبير للسعودية، وهذا الفخ يستند إلى فكرة نقل الحرب التي سيشتعل فتيلها في الخليج العربي إلى داخل المملكة. موضحا أن “بن سلمان” و”بن زايد” هما المسئولان الإقليميان عن هذا الفخ، وهو ما سيظهر أمام أعيننا عن كثب.

رابط دائم