تصل هزلية أحداث مكتب الإرشاد اليوم إلى محطتها قبل الأخيرة في مسار الهذيان القضائي والانتهاكات العقلية لعهد الانقلاب العسكري، والذي تحول معه الضحية إلى متهم، فرغم أن الاعتداءات كانت مثبتة وموثقة بالصوت والصورة ضد أعضاء مكتب الإرشاد ومقر المكتب بالمقطم، الذي جرى إحراقه وضربه بالمولوتوف والخرطوش قبيل انقلاب 3 يوليو بتخطيط من المخابرات الحربية التي كانت تقود حركة تمرد لتشويه وقلقلة نظام الرئيس المنتخب محمد مرسي بالقوة الجبرية، لا بإرادة الشعب.

وتصدر محكمة جنايات القاهرة، اليوم الأربعاء 5 ديسمبر، برئاسة القاضي محمد شيرين فهمي، حكمها في إعادة محاكمة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، و15 آخرين من المعتقلين بهزلية “أحداث مكتب الإرشاد”، بعد إلغاء أحكام الإعدام والمؤبد الصادرة ضد المحكوم عليهم حضوريًّا في القضية، من محكمة أول درجة.

تطورات القضية

تعود أحداث مكتب الإرشاد إلى 30 يونيو 2013؛ حيث بدأت الاعتداءات من قبل عناصر حركة تمرد وبعض الشباب الذين تمولهم المخابرات الحربية والاجهزة الامنية على مقر مكتب الارشاد، في منطقة المقطم؛ ما أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 91 آخرين، معظمهم من الإخوان المسلمين.

في 30 سبتمبر 2013 أحالت نيابة جنوب الجيزة المتهمين في القضية إلى المحاكمة الجنائية، لبدء محاكتهم وفق التهم التي تم إسنادها إليهم في أمر الإحالة.

قائمة الاتهام الهزلية

أمر الإحالة الذي أعدته نيابة جنوب القاهرة الصادر في سبتمبر 2013، اتهم كلاًّ من د. محمد بديع وخبرت الشاطر ود. رشاد البيومي، بالاشتراك مع ثلاثة متهمين من أعضاء الإخوان تم إلقاء القبض عليهم في أحداث المقطم، وآخرين مجهولين، في قتل المجني عليه عبد الرحمن كارم محمد عمدًا مع سبق الإصرار والترصد بأن بيتوا النية وعقدوا العزم على ذلك؛ حيث اتفقوا معهم على وجودهم بالمقر العام لجماعة الإخوان المسلمين بالمقطم وقتل أي من المتظاهرين الموجودين أمام المقر سالف الذكر حال الاعتداء عليه من قبل المتظاهرين مقابل حصولهم على مبالغ مالية ووعد كل منهم بأداء العمرة.

وحمّلت النيابة قتل الإخوان التسعة، الذين سقطوا بفعل الاعتداء من قبل الممولين من المخابرات.

وأضاف أمر الإحالة أن “بديع” و”الشاطر” و”البيومي” أمدوهم بالأسلحة النارية والذخائر والمواد الحارقة والمفرقعات والمعدات اللازمة لذلك والتخطيط لارتكاب الجريمة، وأطلق الموجودون بالمقر الأعيرة النارية والخرطوش صوب المجني عليه، قاصدين من ذلك إزهاق روحه فأحدثوا به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية الخاص به والمرفق بالتحقيقات، التي أودت بحياته!!

إعدام ومؤبد

في جلسة النطق بالحكم بأول درجة قضت محكمة جنايات القاهرة، برئاسة القاضي القاتل معتز خفاجي، بالإعدام في القضية لكل من عبد الرحيم محمد، ومصطفى عبد العظيم البشلاوي، ومحمد عبد العظيم البشلاوي، وعاطف عبد الجليل السمري.

بينما قضت المحكمة بالسجن المؤبد للمرشد العام لجماعة الإخوان، محمد بديع، ونائبه خيرت الشاطر، ورشاد البيومي، ورئيس حزب الحرية والعدالة ، سعد الكتاتنى، ونائب رئيس الحزب، عصام العريان، وعضو المكتب التنفيذي للحزب، محمد البلتاجي، والمرشد العام السابق للإخوان، محمد مهدي عاكف، ووزير الشباب الأسبق أسامة ياسين، ومستشار الرئيس الأسبق أيمن هدهد، وقيادات وأعضاء الجماعة أحمد شوشة، وحسام أبوبكر الصديق، ومحمود الزناتي، ورضا فهمي.

رد المحكمة

ومع نظر أولى جلسات إعادة محاكمة المعتقلين في 20 يونيو 2016، طلب د.عصام العريان ومحمد البلتاجي رد هيئة المحكمة، وفي 10 أكتوبر 2016 قررت الدائرة 11 إرهاب برئاسة محمد شيرين فهمي، وقف سير الدعوى لحين الفصل في طلب الرد المقدم من المتهم عصام العريان.

وفي 20 أكتوبر 2016 قررت محكمة استئناف القاهرة، رفض طلب الرد المقدم ضد محمد شيرين فهمي رئيس الدائرة 11 إرهاب، التي تنظر قضية “أحداث مكتب الإرشاد” مع تغريمهما مقدمي طلب الرد 6 آلاف جنيه.

استشهاد المرشد

وخلال إحدى الجلسات التي تم نظرها في أبريل 2017 قدمت النيابة العامة تقريرًا طبيًا منسوب لمستشفى قصر العيني بشأن محمد مهدي عاكف، الذي دخل المستشفى بتاريخ 17 يناير 2017، وشخصت حالته بأنه مصابً بسرطان بالقنوات المرارية، وكسر في المفصل الأيسر، وضعف في عضلة القلب، وأنه حضر إلى المستشفى يعاني من ارتفاع حالة الصفراء، وتم عمل قسطرة للقلب، وتركيب مفصل، ومازال تحت الرعاية الطبية، والحالة لا تسمح بخروجه من المستشفى، وبعد تأجيل 6 جلسات لصعوبة حضور مهدي عاكف قدم ممثل النيابة العامة شهادة وفاة المتهم بعد ذلك.

عوار قانوني

وبحسب حقوقيين وقانونيين ، تنبني القضية على عوار قانوني، تمثل في إهمال النيابة توجية اي اتهامات للمتظاهرين والذين تسببوا في مقتل 9 من الموجودين بمكتب الإرشاد من شباب الاحوان، وقيام القضية على قتيل واحد فقط، من المتظاهرين لا يعرف كيف قتل؛ حيث لم تحدد الاتهامات المسئول المباشر عن قتله ولا كيفية قتله.

كما دفع محامي عبد الرحيم محمد عبد الرحيم بعدم جدية التحريات؛ كون المتهم لم يكن مثبتًا في أمر الإحالة الأول وإنما تم إدخاله في قرار الاتهام الثاني ولا يوجد اعترافات له أمام جهات التحقيق.

ومن ضمن العوار القانوني، رفض المحكمة بالجلسة الماضية طلب هيئة الدفاع عن المعتقلين، والذي تمثّل في إجراء المحكمة لمعاينة مكان الواقعة لإثبات عدم تصور حدوث الواقعة كما هو مصوّر في التحقيقات، كما رفضت استكمال مرافعة هيئة الدفاع عن المعتقلين.

وكانت المحكمة قد قررت إعادة فتح باب المرافعة بعد أن قامت المحكمة بتعديل قيْد (وصف الاتهامات) التي كانت موجهة إلى المعتقلين من (القتل العمد) إلى (ضرب أفضى إلى موت).

كما أن الأحكام قد صدرت رغم أن الطب الشرعي وتحريات الأمن الوطني جاءت في القضية لصالح المتهمين وأنهم كانوا في حالة دفاع عن النفس.

ومن الغريب أن دائرة أخرى في محكمة جنايات القاهرة، أصدرت في 18 ديسمبر 2014 حكمًا ببراءة 30 من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، في القضية المعروفة إعلاميًّا بـ”أحداث المقطم الأولى”، بعد أن تبيّن للمحكمة بناء على مرافعة الدفاع، أن المتهمين كانوا في حالة دفاع شرعي عن النفس، وإثبات أن بعض المتهمين لم يكونوا في أماكن الواقعة لحظة وقوعها، وتضارب تحريات الأمن الوطني، وهو ما ثبت يقينًا لدى هيئة المحكمة التي أصدرت حكمها.

كما وصل المحكمة جواب ثبت من مجلس الوزراء بتواجد د. أسامة ياسين بمقر مجلس الوزراء لحضور اجتماع وزاري تغيب عنه وزير الدفاع انذاك عبد الفتاح السيسي، ورغم ذلك ادرج بالقضية ونال حكما، بما يؤكد العوار القانوني بالقضية التي اصبحت مجرد انتقاك من قيادات الاخوان المسلمين باسم القانون.

رابط دائم