مثلما كان إعادة اعتقال جمال وعلاء مبارك. أمر غريب في عهد السيسي، ولا يعزو هذا التصرف لأي استحقاق قضائي أو حرب على الفساد، واعتبر كثيرون أن التفسير الوحيد له هو أن السيسي قلق وبات يرى أشباحاً في الظلام، ويخشى منافسة جمال له مستقبلا، جاء قرار محكمة جنايات القاهرة، بقبول تظلم علاء وجمال وإخلاء سبيلهم بضمان مالي 100 ألف جنيه، بل وقبول اعتراضهم علي قاضي المحكمة الذي حبسهم وتعيين قاض آخر للمحاكمة، أكثر غرابة، وله تفسيرات أخري متعددة.

ويطرح إخلاء سبيل علاء وجمال مبارك وكل المتهمين في قضية التلاعب على البورصة، جاء بعد حبسهما يومين فقط، وطلب رد المحكمة التي قضت بحبسهما قد تم قبوله في 24 ساعة كأسرع طلب رد مقبول في تاريخ القضاء المصري، عدد من التفسيرات منها:

1-أن السيسي لا يزال يتحكم في الأوضاع، وأنه صاحب قرار حبسهما ثم إطلاقهما بعدما أبلغاه ضمنا أن “الدرس وصل” بعدما هددهم بتلفيق اتهام جديد هو التنسيق وعقد صفقة مع الإخوان، وكانت الرسالة واضحة هذه المرة بالتهديد أنهما يجب أن يقللان من “زيادة ظهورهما”.

2-أن سرعة إطلاق جمال وعلاء، بمثابة هزيمة لعبد الفتاح السيسي وأن إخلاء سبيلهما يشير لأن “العين لا تعلو على الحاجب”، وأن رموز الدولة العميقة التي لا تزال تدين بالولاء لأسرة مبارك، وبينهم قضاة، لعبت دور الحكم المزور في المباراة الأخيرة بين السيسي ونجلي مبارك، وساهمت في هزيمة السيسي، لأسباب تتعلق بالقناعة أن نظامه الي زوال، ويجب اأن يكون البديل جاهزا وإلا ركبت المعارضة موجة ثورية جديدة على غرار 25 يناير.

3-يتصل بهذا التصور السابق، مغزى التطورات الأخيرة التي تدل على أن المنظومة الانقلابية الحاكمة تعيش في صراع داخلي وتأكل نفسها، ولكنها مع هذا تعمل ضد الشعب وتستغل أي تحالف لمصلحتها، ما يجعل تفكير أي فصيل ثوري أن التحالف أو التعاون مع طرف من أطراف الدولة العميقة ضد الآخر (جمال مبارك ضد السيسي) يمكن أن يؤدي لأي تقدم للوطن معناه أن هذا يخدم الثورة المضادة التي يمثلها السيسي ونجلي مبارك.

4-لا عجب مع قضاء مصر الذي حبس الشريف أسامة مرسي، نجل الرئيس الشرعي، بحشره كمتهم في القضية التي كان يدافع فيها عن معتقلي رابعة، والحكم عليه بالسجن 10 سنوات بدون تهمة، وأخلي سبيل جمال وعلاء مبارك المتهمين بنهب مبالغ مالية قدرها 493 مليون و628 ألف و646 جنيه، بغير حق، من جملة أكثر من ملياري جنيه نهبها كل المتهمين في قضية التلاعب بالبورصة.

هل قدم نجلي مبارك الولاء للسيسي؟

كان من الواضح أن السبب الحقيقي لاعتقال أبناء مبارك هو تخوف السيسي من احتمالات منافسة جمال مبارك ومن ثم ترشيح نفسه في تمثيلية انتخابات 2022، بعدما أكد هذا ياسر رزق رئيس مجل إدارة اخبار اليوم وبوق السيسي، بأن ظهورهم الفترة الماضية وظهورهما المكثف والتفاف بعض المصريين حولهم أقلق السيسي الذي يرغب في احتكار الظهور الإعلامي وأضواء الكاميرات وحده.

وذلك بعدا هاجم ياسر رزق “تحركات جمال مبارك”، نجل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، متسائلًا: «مش فاهم جمال مبارك عايز إيه؟!»، ليؤكد ضمنا أاسباب إعادة اعتقال سلطة السيسي لعلاء وجمال مبارك، وهو التخوف من عودة جمال مبارك للعب نفس الدور الذي لعبه قبل ثورة يناير.

وجاء ادعاء “رزق” احتمال وجود “صفقة بين جمال مبارك والإخوان”، كأنه يبعث برسالة عنيفة لنجلي مبارك أن الأمر ممكن أن يصل إلي تلفيق قضية لهما بدعوي تعاونهما مع الإخوان، كما فعل نظام السيسي مع معصوم مرزوق وعشرات المعارضين قبله، وهو ما يعتقد أنه قوبل بموافقة فورية من نجلي مبارك وربما مبارك نفسه، مقابل عدم تطور الأمر، بدليل سرعة إطلاق سراحهما ومؤشرات تبرئتهم بقبول تغيير رئيس المحكمة، وكل هذا مقابل 200 ألف جنية فقط ككفالة.

وكان “رزق”، بوق السيسي الأبرز، قد انتقد جمال مبارك بعنف بسبب كثرة ظهوره مع شقيقة علاء قائلا له: ماذا تريد بعد كل ما جرى؟ هل تريد خوض الانتخابات الرئاسية؟»، في إشارة لاحتمالات ترشح جمال في انتخابات 2020.

ثم نقل له رسالة السيسي التهديدية بمزيد من التصعيد بأن تكون هناك قضية تقوم على ترجيح وجود “صفقة بين جمال مبارك والإخوان”، وطالب رزق بـ «قطع الطريق على رموز النظام السابق والإخوان لعدم عودتهم إلى المشهد السياسي».

بعبارة أخري يبدو الأمر في التحليل القريب كقرصة ودن من السيسي لنجلي مبارك، أو انتصار لنجلي مبارك والدولة العميقة علي السيسي في التحليل البعيد.

تفاصيل عملية التلاعب في البورصة

في 30 أكتوبر 2007، أعلن بنك «الكويت الوطني» نجاحه في الاستحواذ على حصة قدرها 93.77 % من أسهم البنك «الوطني المصري»، إلا أن معلومة بيع البنك «الوطني المصري» كانت قد سُربت قبل ذلك (في 2005)، لذلك قام المتهمون بشراء أسهم البنك للتربح منها لاحقا بعد ارتفاعها.

وجاء في تفاصيل التحقيقات أن صندوق «حورس 2» التابع لـ «إي إف جي هيرمس»، وشركة «نايل إنفيزتنمنتز» التابعة لشركة «النعيم» القابضة، قاموا بشراء ملايين الأسهم للبنك «الوطني» (7 مليون سهم لكل منهما)، وذلك في الفترة بين مارس ويونيو 2006، بعد تسريب معلومة بيع البنك وقبل الإعلان رسميا عن البيع عام 2007.

وبسبب هذا التسرب وتربح المتهمين، ارتفع سعر سهم البنك من 21 جنيهًا في مارس 2006، إلى 35 جنيهًا بنهاية العام نفسه، وتكالب أفراد وشركات أُخرى لشراء أسهم البنك أيضًا في العام 2007، وأغلبها شركات وأفراد مقربة من دوائر صنع القرار في مصر وقتها، من بينهم هايدي راسخ زوجة علاء مبارك.

وحين تمّ بيع البنك في البورصة في نوفمبر2007 لبنك «الكويت الوطني»، كان سعر السهم قد وصل 77 جنيهًا، مما يعني أرباح كبيرة للأفراد وللشركات صاحبة الأسهم.

ولو افترضنا أن كل شخص أو شركة اشترت 7 ملايين سهم كما قيل في التحقيقات وكان السهم بـ 21 ثم ارتفع الي 77 جنيها فهذا يعني تربحهم 56 جنية في السهم الواحد أي 7 مليون x 56 جنيه = 392 مليون جنية لكل شركة أو فرد!!

كما أدى هذا التسريب أيضًا لتمكّين رجال أعمال من الحصول على مقعد في مجلس إدارة البنك “الوطني” كي يستفيدوا من عرض الشراء الكويتي.

(ياسر الملواني، الرئيس التنفيذي لـ «إي إف جي هيرمس» والمتهم في القضية، وأحمد نعيم العضو المنتدب لـ “لنعيم القابضة”، تمكنا من الحصول على مقعدين في مجلس إدارة البنك «الوطني».

وساهم هذا في حصولهم علي أسهم عديدة مكنتهم من الانضمام لعضوية مجلس إدارة البنك، والاطلاع على المعلومات اللازمة لبيعه لمستثمر معين، وذلك بالمخالفة لأحكام قانون «سوق رأس المال»، وقانون «البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد”.

وعقب ثورة 25 يناير 2011، بدأ محامون فتح ملفات الفساد وتقديم بلاغات للنيابة ومنها هذه الفضيحة، حيث قدم عدد من المحامين بلاغات للنائب العام حول ما اعتبروه فسادًا في صفقة بيع «الوطني المصري» في 2007.

وفي سبتمبر 2011، بدأت التحقيقات، وقرر النائب العام الأسبق عبد المجيد محمود، في آخر مايو 2012، إحالة 9  متهمين في القضية إلى محكمة جنايات القاهرة، وهم : أحمد فتحي حسين سليمان (توفى)، ونجله أيمن، وياسر الملواني (عضو مجلس إدارة البنك «الوطني» سابقًا، ورئيس تنفيذي بشركة« E.F.G هيرمس القابضة»)، وأحمد نعيم أحمد بدر (عضو مجلس إدارة البنك «الوطني» سابقًا، والعضو المنتدب لشركة «النعيم القابضة»)، وحسن هيكل (رئيس تنفيذي بشركة E.F.G هيرمس القابضة، وجمال مبارك نجل الرئيس الأسبق مبارك (عضو مجلس إدارة شركة «هيرمس للاستثمار المباشر) وعلاء مبارك (عضو مجلس إدارة شركة بوليون سابقًا)، وعمرو محمد على القاضي (عضو مجلس إدارة البنك الوطني سابقًا)، وحسين لطفي صبحي الشربيني (عضو مجلس إدارة البنك الوطني)، وذلك لاتهامهم بالحصول على ما يزيد على ملياري جنيه أرباحا فاسدة.

الاتهامات الموجهة لعلاء وجمال مبارك

وجهت النيابة إلى جمال مبارك، تهمًا بـ «الاشتراك بطريقي الاتفاق والمساعدة مع موظفين عموميين في جريمة التربح، والحصول لنفسه وشركاته بغير حق على مبالغ مالية قدرها 493 مليون و628 ألف و646 جنيه، والاتفاق فيما بينهم على بيع «البنك الوطني» لتحقيق مكاسب مالية لهم، ولغيرهم ممَن يرتبطون معهم بمصالح مشتركة.

وضمن الاتهامات: “تمكينه (جمال مبارك) من الاستحواذ على حصة من أسهم البنك عن طريق إحدى الشركات بدولة قبرص والتي تساهم في شركة الاستثمار المباشر بجزر العذراء البريطانية والتي تدير أحد صناديق (أوف شور)».

كما أشارت النيابة إلى أن المتهمين قاموا فيما بينهم بتكوين حصة حاكمة من أسهم البنك تمكنوا عن طريقهما من الهيمنة على إدارته وبيعه تنفيذًا لاتفاقهم، وذلك على خلاف القواعد والإجراءات المنظمة للإفصاح بالبورصة والتي توجب الإعلان عن كافة المعلومات التي من شأنها التأثير على سعر السهم لجمهور المتعاملين بالبورصة.

كما أسندت النيابة أيضًا لعلاء مبارك “الاشتراك مع موظفين عموميين بطريقي الاتفاق والمساعدة في ارتكاب جريمة التربح والحصول على مبالغ مالية قدرها 12 مليون و253 ألف و442 جنيه من خلال شرائه أسهم البنك «الوطني» بناءً على المعلومات الجوهرية من باقي المتهمين”.

وبلغت حصة تربح جمال مبارك وشركاته من فارق شراء وبيع الأسهم مبلغ وقدره 493 مليون و628 ألف و646 جنيه، بحسب النيابة، ولا يعرف كم تربح باق افراد العصابة الذين تربحوا من صفقة البنك.

لماذا حبسهم السيسي؟

قد يكون سبب الظهور المكثف لعلاء مبارك وجمال وحديث السوشيال عن ترشيح جمال نفسه ضد السيسي في انتخابات 2018، ثم الحديث عن ترشيحه عام 2020، ونفي شقيقه علاء ذلك، إضافة الي الظهور المكثف لعلاء ودخوله في معارك سياسية على تويتر لتلميع صورة والده الرئيس السابق، أقلق السيسي الذي يخشى علي الكرسي وهدد بأنه سيشيل “من علي وش الأرض من يقترب من الكرسي”.

وزاد من حدة الأمر تعليق علاء مبارك الساخر على دعاء روتيني لأحد متابعيه بأن يصبح على عرش مصر العام القادم، بصورة توحي أن نظام السيسي ديكتاتوري وقمعي.

وقال “علاء” معلق في تويتر علي مواطن قال له مهنئا بعيد الأضحى: ” كل عام وأنتم بخير والسنه الجاي يكون جمال على كرسي عرش مصر”: “الجزء الثاني بتاع عرش مصر دا يحبسوا فيه جمال حرام عليك”، وهو ما أغضب السيسي ونظامه.

أيضا أقلق السيسي ونظامه مسألة الحديث عن ترشيح جمال مبارك وظهور شعبية لأسرة مبارك تمثلت في تكالب المصلين علي علاء في صلاة فجر أحد الأيام بمسجد الحسين.

لهذا جري حبسهما المفاجئ لنقل رسالة أكثر قوة لهما: “بلاش الظهور العلني المكثف”، وبنفس المنطق جري إطلاق سراحها سواء بصفقة بين السيسي والدولة العميقة أو بإيعاز من السيسي بعدما وصله من أسرة مبارك ما يؤكد أن “الرسالة وصلت”!

 

رابط دائم