هل كانت اللقاءات التي أجرتها مخابرات عباس كامل مع حماس والفصائل الفلسطينية في القاهرة وغزة حول التهدئة مع الاحتلال الصهيوني “فخ وخديعة” للمقاومة، بغرض مباغتة الاحتلال لها كما فعل عام 2014 (بدعم السيسي ايضا) وتوجيه ضربة قوية للمقاومة وسلاحها؟

هل ما اظهره عباس كامل والسيسي من اعتراض على موقف حركة فتح والرئيس عباس بشأن شروط المصالحة بين فتح وحماس، وما قيل عن ضغوط مصرية علي فتح هي محض هراء ولعبة بين السيسي ومخابرات عباس كامل بالتنسيق مع محمود عباس ونتنياهو لحصار وضرب المقاومة ونزع سلاحها؟

وهل هذا يفسر تراجع نظام السيسي عما أعلنه بشأن البدء بالتهدئة بين حماس والاحتلال وإجراء عمليات إعادة اعمار في غزة ومشاريع مصرية غزاوية وفتح معبر رفح بكل دائم؟

حملة تضليل

المحلل الفلسطيني د. صالح النعامي يؤكد أن كل المؤشرات على مدى الأشهر الستة الماضية، تؤكد تعرض حماس والمقاومة لحملة تضليل محكمة من قبل كل من إسرائيل ونظام عبد الفتاح السيسي، وبإسناد من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأنه تبين أن كل الجهود التي بذلت من أجل انجاز مسار تهدئة بين المقاومة وإسرائيل، كانت في الواقع “محاولة إسرائيلية مصرية لشراء الوقت وإغراء الفلسطينيين في القطاع بوقف مناشط حراك مسيرات العودة، تحديدا الطائرات الورقية والبالونات الحارقة، التي تعد الأكثر تأثيرا على العمق الإسرائيلي”.

ويري إن إسرائيل كانت معنية بإطالة اتصالات التهدئة، بحيث تتمكن من تجاوز فصل الصيف، على اعتبار أن قدرة الفلسطينيين على المحافظة على زخم “مسيرات العودة” بعد انقضاء هذا الفصل قليلة، حيث لا تساعد اتجاهات الريح على توجيه البالونات الحارقة إلى العمق الإسرائيلي، علاوة على أنه سيكون من الصعب في ظل الأمطار والرياح والبرد على الجماهير التعسكر في مخيمات العودة، المقامة على طول الحدود على أرض ترابية مكشوفة.

وتابع : ل وحرصت كل من إسرائيل ونظام السيسي على توظيف المعارضة الشديدة التي أبدها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لمسار التهدئة في إطالة أمد الاتصالات الهادفة للتوصل لهذا المسار والتغطية على موقفيهما الحقيقي الرافض للتهدئة.

حرب مع غزة

ونشر موقع صحيفة يديعوت احرونوت يوم 10 سبتمبر الجاري ما يؤكد نوايا الاحتلال على التصعيد وتوقع حرب مع غزة ما يؤكد أن قصص التهدئة ليست سوي محاولة لخداع حماس شارك فيها نظام السيسي.

فقد استبعد قائد المنطقة العسكرية الجنوبية اللواء هيرتسي هليفي إمكان استتباب الهدوء في جبهة قطاع غزة خلال العقد المقبل على الأقل، وشكك في احتمال التوصل إلى تهدئة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.

وأضاف هليفي، في سياق مقابلة أجرتها معه إذاعة “راديو هداروم” المحلية في جنوب إسرائيل (الأحد)، أن حركة “حماس” ستحاول أن تجرّ إسرائيل إلى مواجهة عسكرية من وقت إلى آخر، وأكد أنه من غير الصواب أن تخدع إسرائيل نفسها أو تبني أي أوهام بشأن التهدئة.

وأعرب عن اعتقاده بأن احتلال غزة وإسقاط حكم “حماس” لن يؤديا إلى تغيير الوضع على أرض الواقع، وبالتالي توقع ألا يكون إجراء إسقاط حكم “حماس” أول خيار يتم تنفيذه.

وأضاف أنه مع فعل أي شيء من شأنه تحسين الواقع في غزة بشرط ألا يساعد في تعاظم قوة “حماس” وألا يغيّر الواقع الأمني لسكان إسرائيل.
وتطرق هليفي إلى محاولات التوصل إلى تهدئة بين إسرائيل و”حماس” بوساطة مصر والأمم المتحدة، فقال إن الحرب هي أيضاً نوع من التسوية، بشرط أن يتم الحفاظ على أمن سكان المستوطنات الجنوبية.

وأشار إلى أنه يدعم إقامة ميناء في القطاع شريطة أن يُدخل بضائع تجارية فقط، وألا يسمح بأشياء تعزز من قوة “حماس”.

ووفقاً لهليفي، يقف على رأس التهديدات التي تواجهها إسرائيل في منطقة الحدود مع غزة دخول قوة معادية إلى مستوطنات المنطقة الجنوبية من طريق الأنفاق أو من طريق البحر أو من أي طريق آخر من دون أن يراها الجيش الإسرائيلي، وبعد ذلك يأتي تهديد الصواريخ، ثم تهديد إطلاق النار.

السيسي ومكانة حماس

ورغم أن حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب معنية بتجنب مسار يفضي إلى مواجهة مع المقاومة في غزة، إلا أنها في المقابل غير مستعدة لدفع ثمن سياسي يظهرها أمام الرأي العام الإسرائيلي على أنها “خاضعة للإرهاب”.

في حين أن نظام السيسي، وعلى الرغم من خلافه مع قيادة السلطة الفلسطينية، غير معني بأن يفضي مسار التهدئة إلى تعزيز مكانة حكم حركة حماس في قطاع غزة، على اعتبار أنه يتعامل مع الحركة كجزء لا يتجزأ من جماعة الإخوان المسلمين، التي يناصبها العداء.

كان من الملفت تعمد نظام السيسي إطالة أمد الاتصالات الهادفة للتوصل لمسار التهدئة مع الاحتلال وخلطة بين مساري “التهدئة” مع اسرائيل، و”المصالحة مع فتح”، وترجيح هذه فترة ثم تلك فترة أخرى.

وبعدما ابدي عباس كامل في لقائاته مع قادة حماس نوايا باتجاه تسريع مسار (التهدئة) وركن مسار (المصالحة) علي اعتبار ان الخيار الاول شبه جاهز ونشرت الصحف الصهيونية تفاصيله وتوافق عليه حماس ونتنياهو، بينما الثاني (المصالحة مع فتح) تعرقل تماما بشروط الرئيس الفلسطيني خاصة مطالبته بنوع سلاح المقاومة وعودة شرطته التي تنسق مع الاحتلال الي غزة، عاد ليعرقل التهدئة ويسعي لإحياء الجهود الهادفة إلى تطبيق اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس رغم إدراكه استحالة إحداث اختراق في هذا الملف، بزعم أن انجاز المصالحة سيسهل مهمة انجاز التهدئة؟
ومن أجل استدراج حماس إلى حيث تريدان، وافقت إسرائيل ومصر على السماح لجميع أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس بدخول القطاع، وعلى رأسهم نائب رئيس المكتب صالح العاروري، الذي تتهمه إسرائيل بالمسؤولية عن توجيه عمليات المقاومة في الضفة الغربية، بحسب “النعامي”.

وكان الهدف من هذه الخطوة طمأنة حماس بأن هناك جدية كبيرة في انجاز التهدئة وأنه يجدر بها تسهيل هذه المهمة من خلال ضبط مناشط حراك العودة.

وبعدما تم إيقاف إطلاق البالونات الحارقة، وشارف الصيف على الانتهاء، واجه نظام السيسي وإسرائيل حماس بموقفيهما الحقيقي من التهدئة، وهو التأجيل!

وبعدما أعلن وزير الحرب الإسرائيلي افيغدور ليبرمان قبوله التهدئة، عاد ليعلن أنه ضد التوصل للتهدئة مع حماس من حيث المبدأ، وأعلن نتنياهو في وجود عوائل الجنود الأسرى لدى حماس أن “أي اتفاق تهدئة لن ير النور في حال لم يتضمن تحرير الجنود الأسرى”.

وشارك السفير الأمريكي في القدس المحتلة ديفيد فريدمان في اللعبة بتأكيده على أن “واشنطن ترفض أي مسار تهدئة يفضي إلى مراكمة إنجازات سياسية لحركة حماس.

التهدئة أم المصالحة؟

كان من الملفت أن الاجتماع الذي عقد مطلع سبتمبر الجاري بين ممثلي حركة فتح وبين وفد من المخابرات العامة المصرية، انتهي اتفقا لتجميد محادثات التهدئة بين حماس واسرائيل لحين الانتهاء من المصالحة، برغم انه لا توجد أي مؤشرات لإنجازها في ظل الشروط التعجيزية التي يطرحها رئيس السلطة الفلسطينية.

وجاء هذا في ظل استمرار خلافات اللاعبين الرئيسيين في المشهد الفلسطيني؛ حركتي فتح وحماس، حول رؤية كل منهما لملفي المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية، والتهدئة الفلسطينية-الإسرائيلية، وجنوح مصر تجاه فتح بالرغم من مهاجمتها سابقا.

وبعدما ظهر تقارب بين المخابرات المصرية وحماس في الرؤي، وخلافات بينها وبين فتح، انقلب الحال فجأة وظهر تقارب بين مصر وفتح أدى إلى تهميش حماس، وعادت مخابرات عباس كامل لتضع شروطا علي حماس للمصالحة والتهدئة، ولم ترد القاهرة على ما قدمته حماس من شروط لإنجاز التهدئة مع دولة الاحتلال التي وافق عليها قادة المكتب السياسي للحركة في غزة.

وبعدما كانت المخابرات المصرية توجه الدعوات لحماس لزيارة مصر وتشترط توقف البالونات الحارقة والطائرات الورقية التي تحرق اراضي الاحتلال، باتت حماس وباق فصائل المقاومة هي التي تطالب من القاهرة القدوم لمصر لمعرفة ماذا تم بخصوص موافقتها على التهدئة.

ويكمن الخلاف بين فتح وحماس في مطالبة الأولى بالتزام الثانية بتنفيذ اتفاق القاهرة لعام 2011، والذي يستند إليه اتفاق المصالحة الحالي الذي ترعاه مصر.

ويبدو أن التغير المفاجئ في قرار القاهرة تجاه حماس يرجع الي اتفاق سري للتسويف لحين انتهاء الصيف وعودة الطلبة الي مدارسهم وجامعاتهم وحلول فصل الشتاء والبرد والامطار، ما سيعرقل مسرات العودة وإطلاق بالونات وطائرات اطفال المقاومة النارية، إضافة إلى تهديدات عباس بقطع العلاقات مع إسرائيل، خصوصًا التعاون الأمني، ووقف التحويلات المالية إلى قطاع غزة في اليوم التالي للتوصل إلى أي اتفاق تهدئة.

وفرض “عباس” عقوبات على قطاع غزة في أبريل 2017، بعد تشكيل حماس لجنة إدارية لإدارة غزة، ولت مهام إدارة الأمن والتعليم والصحة والتنمية الاجتماعية والمالية والاقتصادية في قطاع غزة منذ مارس 2017، وأصبحت بديلًا لحكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت في 2014، ولكنها قالت إنها لم تتمكن من تولي مهامها بسبب الخلافات بين حماس والسلطة الفلسطينية حول تفاصيل اتفاق المصالحة.

ويبدو أن حماس لا تستبعد التصعيد من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما اشار له يحيى السنوار، قائد حماس في غزة، في تصريحات صحفية أكد فيها أن “الوسطاء يتحركون فقط إذا كان هناك تصعيد”.

وهو ما أكد عليه قادة اخرين لحماس أكدوا أنه: «إذا صعدت جماهير شعبنا من مسيرات العودة وشكلت ضغطًا وقلقًا جديدًا على كيان الاحتلال؛ سيعلم أنه لا بد من التوصل للتهدئة، ودفع ثمن مقابل ذلك، بغض النظر عن مواقف الأطراف (لم يسمها) غير الراغبة بتحقيقها”.

رابط دائم