المؤامرة لا تحتاج إلى شرح، فمتابعة خطواتها تنبئ عن فصولها، واهدافها الساعية إلى إجهاض ما تبقى من الربيع العربي في ليبيا وإنهاء سيطرة ثوار ليبيا على العاصمة طرابلس بدعم من دول محور الانقلابات (الثورة المضادة) خاصة الإمارات والسعودية ومصر السيسي، بعدما لقي هذا المحور هزيمة ثقيلة في الجزائر فتحت أبواب الأمل لجولة ثانية من الربيع العربي.
ففي أعقاب سلسلة لقاءات بين اللواء الانقلابي خليفه حفتر وحكام الإمارات وزيارته السعودية للقاء الملك سلمان ونجله، تجندت فضائيات الإمارات والسعودية لإعلان أمر حفتر قواته المجهزة بأعداد كبيرة من المرتزقة الأفارقة، وبسلاح ومدرعات من الإمارات ومصر، بالتقدم إلى العاصمة الليبية في تسجيل صوتي بثته قناة “العربية” السعودية.
لهذا أكد فتحي باشاغا، وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية، أن دولة عربية هي التي منحت الضوء الأخضر للتحرك العسكري لحفتر باتجاه العاصمة طرابلس
وقال في تصريحات لقناة ليبيا الأحرار: إن رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج ذهب إلى أبو ظبي بنية الوصول لحل سياسي، وقدم تنازلات لحفتر من أجل الشعب الليبي، ولكن حفتر غدر بالاتفاق.
وبالتزامن مع ذلك، كشفت مصادر ليبية عن توزيع مبالغ مالية تصل لملايين الدولارات على جهات عسكرية ليبية ولاؤها للمال في مدن قريبة من طرابلس كي تتفادى الاشتباك مع قوات حفتر أو تنضم لها، ضمن خطة إعلامية لإعلان التقدم السريع لقوات حفتر وكأنه دخل العاصمة طرابلس بالفعل، وهو أمر غير صحيح.
أخبار كاذبة
وضمن الخطة العسكرية الإعلامية لداعمي قوات حفتر أصدرت سلطة الانقلاب الأوامر إلى لجانها الإلكترونية على مواقع التواصل عبر هائتاج “#ندعم_الجيش_العربي_الليبي”، وفضائيات الانقلاب ومعها قنوات “سكاي نيوز” الإماراتية و”العربية” السعودية، و”وان” و”دي أم سي” المصريتين بالإسناد الإعلامي لغزو الانقلابي حفتر لليبيا، عبر بث أخبار كاذبة عن تقدم قواته عبر سبعة محاور.
لهذا جاء تحرُك حفتر بهذا التوقيت نحو طرابلس بأوامر الإمارات لتخفيف ضغط الشارع على جنرالات الجزائر؛ حيث تستخدم فرنسا أبو ظبي للتعامل معهم كي لا تظهر في الصورة لخشية إدارة ماكرون عواقب الظهور.
وفضح مفتي ليبيا “الصادق الغرياني” الدور السعودي والإماراتي في ليبيا بقوله: “خليفة حفتر يغزو جنوب ليبيا بمرتزقة أفارقة، ومال فاسد مصدره السعودية والإمارات”.
وقال: “الإمارات والسعودية سلطت جماعة حفتر علينا والسعودية التي تدعي أنها دولة التوحيد ودولة السلفية بعثت لنا ميليشيات تقاتل مع حفتر وتعتبره ولي أمر”.
ويتوقع مراقبون أن تكون هزيمة حفتر في غرب ليبيا وسحق قواته هزيمة لكل الأنظمة التي تدعمه، وعلى رأسها نظام السيسي وبن زايد وبن سلمان والتشادي والروسي والإيطالي والفرنسي.

الإمارات والسعودية
وتعتمد خطة الانقلابي “حفتر” المدعوم من مصر والإمارات والسعودية على:
1- دفع الإمارات والسعودية أموالا لميليشيات مسلحة مختلفة متحالفة مع رئيس وزراء حكومة طرابلس فائز السراج، ولكنها تغيّر ولاءاتها وفقًا لمصالحها، خاصة بعد أزمة هجوم قوات من ترهونة على طرابلس في اغسطس 2018 بسبب عدم حصولها على أموال من طرابلس مثل باقي الميليشيات.
2- التحرك سرًّا في الأيام القليلة الماضية نحو الغرب باتجاه طرابلس من عدة جهات، بعضها قادم من بنغازي والآخر جرى دفع أموال لها من الإمارات والسعودية لتغيير ولائها والانضمام لقوات حفتر، بغرض تشتيت القوى التي تدافع عن طرابلس وإظهار أن قوات حفتر حققت اختراقات وتتقدم بسرعة نحو العاصمة.
3- الاعتماد على ضربات جوية تقوم بها الطائرات المصرية والإماراتية ضد قوات ثوار ليبيا، وبالمقابل رشوة طيارين موالين للحكومة الشرعية في طرابلس لرفض التحليق وضرب قوات حفتر، حيث يعتمد حفتر على العسكريين السابقين الموالين للقذافي بين قواته وكذا القبائل المؤيدة للقذافي بعد تقديم أموال لها من الإمارات.
4- التركيز على جهاز الشائعات وادعاء الوصول إلى طرابلس وبدء دخولها لخلق بلبلة وحالة تخبط بين القوات المدافعة عنها مثل ادعاء السيطرة على “منطقة العزيزية” التي تبعد 45 كم عن العاصمة، وهو ما نفته قوة “حماية طرابلس” التابعة لقوات المنطقة الغربية وطرابلس والوسطى بحكومة الوفاق الوطني، وأكدت دحر هذه الهجمات وأنها تسيطر على المناطق من الزاوية حتى العزيزية والسراج وإسبيعة، على عكس ادعاءات المتحدث باسم قوات حفتر “أحمد المسماري” والخطابات التحريضية التي تُبث على القنوات وصفحات التواصل الاجتماعي بسيطرة بعض (العصابات) المسلحة المؤيدة لـ(الكرامة) على مناطق العزيزية والسراج وإسبيعة.
5- يسعى حفتر لإفشال الخطط الدولية الجارية حاليا لعقد انتخابات عامة هذا العام بعدما أفشل إجراءها العام الماضي، لإدراكه أنه غير قادر علي الفوز بها ونتائجها ليست لصالح طموحاته في رئاسة ليبيا، لذلك جاءت مغامرته العسكرية قبل ساعات معدودة عن زيارة انطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة لطرابلس لمقابلة السراج؛ بهدف دعم مؤتمر للمصالحة الوطنية في ليبيا كان من المخطط أن ينعقد منتصف الشهر، لذلك وصفت جريدة “التايمز” لمراسلها في ليبيا ريتشارد سبنسر، “حفتر” بأنه “القائد المارق يأمر قواته بالزحف على طرابلس”.

خطة “حفتر” الفاشلة
بدأت خطة الانقلابي حفتر في يناير 2019 بالهجوم على حقوق النفط الليبية للسيطرة عليها في جنوب البلاد ثم ارسال قواته نحو غرب ليبيا في اتجاه مدينة سرت” التي تقع وسط ليبيا وتسيطر عليها قوة من مدينة مصراته (ثوار ليبيا) في غرب البلاد المتحالفة مع حكومة طرابلس.
ولم يغامر حفتر بالهجوم علي سرت أو مصراته؛ لأنها موطن لجماعات مسلحة قوية ربما تكون قوتها معادِلة، ولو جزئيًا، لقوات حفتر، لذلك تحركت قواته ناحية مدينة “غريان” التفافًا على هذه المدن، بغرض خلخلة الدفاعات في طريق طرابلس متعمدة على الخيانات وأموال الإمارات والبلديات والعشائر الموالية للقذافي.
وبدأ الهجوم بالسيطرة على مدينة غريان، التي تبعد نحو 80 كيلومترًا جنوبي طرابلس، بعد مناوشات قصيرة مع القوات المتحالفة مع رئيس الوزراء المتمركز في طرابلس، فائز السراج، ولم تشهد المدينة قتالا لانسحاب القوات الموالية للحكومة الشرعية منها انتظارًا للدعم من قوات ثوار ليبيا.
وبرغم دخول قوت حفتر مدينة “غريان” فإن المجلس العسكري لبلدية غريان أعلن النفير العام وبدأ استعادة المدينة من قوات حفتر الذي يسعى للانطلاق من هذه المدينة نحو العزيزية ثم طرابلس.
بيد أن قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر تلقت ضربة قوية في مدينة “الزاوية” غرب العاصمة طرابلس، بحوالي 48 كم بعد أن تكبدت خسائر فادحة في المعدات والأفراد، وتم أسر قوات تتبع اللواء المجحفل 106 والكتيبة 107، ومنيت أيضا بخسائر في الأفراد والمعدات في جنوب طرابلس، وانعكس هذا على إعلان المتحدث باسم حفتر أن قواته تتقدم ببطء ورفض الكشف عن مواقعها بدعاوى السرية، بعدما كان يقول إنهم سيصلون طرابلس في 48 ساعة.
وقال: “نظرًا للظروف المحيطة بالعملية لا نستطيع أن نؤكد موعدًا زمنيًا لكن نحن نؤكد بأننا لن نوقف العملية حتى الانتهاء منها بشكل كامل، وتحقيق جميع النتائج المرجوة من هذه العملية”!!.
وجرى اسر عشرات من قوات حفتر من بينهم رتب كبيرة ومعدات تسليح وسيطرت قوات حكومة الوفاق الليبية على قرابة 40 من الآليات عسكرية تابعة لقوات المجرم حفتر بعد اشتباكات عنيفة معها، وهذه الآليات تم شراؤها بأموال من النظامين السعودي والإماراتي.
وكشف قائد عسكري من ثوار 17 فبراير يشارك في صد زحف قوات حفتر نحو العاصمة طرابلس، أن التشكيلات العسكرية التابعة لحكومة الوفاق، وقوات مسلحة من الأهالي والثوار في مدينة الزاوية، تمكنوا من طرد قوات حفتر من معسكر 27 غرب طرابلس، بعد اشتباكات عنيفة، تصدوا خلالها لرتل كبير لقواته، وأوقفوا زحفه، وسيطروا عليه بالكامل.
ويقدر حجم القوات العسكرية الموجودة في الغرب الليبي وبالتحديد في مصراته، والمناهضة لحفتر بما يفوق الأعداد والمعدات القوات التابعة لجيش الانقلابي حفتر؛ ما يعني أن الأمر لن يكون نزهة أو شبيهًا بدخول درنة وبنغازي، لذلك تثار علامات استفهام حول تحرك حفتر الأخير وهل هو نتاج جهل منه وغباء في التخطيط العسكري، خاصة أن القذافي سبق أن أرسله إلى تشاد علي راس قوة عسكرية كبيرة فتم أسره هناك.
ربما لهذا أطلقت قوات طرابلس اسم (عملية وادي الدوم 2) لصد هجوم قوات حفتر كنوع من السخرية من “حفتر” إذ إن “وادي الدوم” منطقة في تشاد أرسل إليها القذافي قائده حفتر عام 1987 فوقع أسير بيد القوات التشادية بعد هزيمة قواته!!.

دفاعات العاصمة
يرى العديد من المراقبين أن هدف حفتر ليس السيطرة على طرابلس رغم المحاولة لأنه يدرك جيدا صعوبة ذلك وأن القوات المدافعة عن العاصمة قادرة على دحر قواته، ويرجحون أن يكون هدفه هو اختبار دفاعات العاصمة أولا قبل غزو أكبر أو محاولة لفت انتباه داعميه (الإمارات تحديدًا) لحاجته إلى المزيد من السلاح والقوات.
فيما يرى فريق آخر أن هدف حفتر هو “المناورة” بعد أن فشلت جميع لقاءات ومؤتمرات السلام بينه وبين حكومة الوفاق في طرابلس وآخرها لقاء أبو ظبي وباليرمو في إنهاء الانقسام السياسي ورأب الصدع وردم الهوة الحاصلة في الداخل السياسي، وأنه يسعى لإفشال المؤتمر المقرر هذا الشهر في “غدامس” فتحرك بسلاحه للضغط على حكومة الوفاق وتنفيذا لرغبه إماراتية بسرعة الحسم في ليبيا لصالح الثورة المضادة بعدما لقي معسكر الثورة المضادة هزيمة كبيرة في الجزائر.
وهذا ما دفع قطر لمهاجمة الامارات واعتبار مشاركتها في إصدار بيان دولي لوقف التصعيد في ليبيا أمرًا مستغربًا؛ حيث قالت: “نقرأ هذا البيان بكثير من الاستغراب، نرى الإمارات على سبيل المثال ضمت صوتها إلى صوت الدول الأخرى بالنسبة لرفضها للتصعيد العسكري، لكن في المقابل هي (الإمارات) تدعم عمليا وفعليا قوات حفتر على الأرض، فهل يعتبر مثل هذا البيان من قبل الإمارات نوعا من ذر الرماد في العيون؟
تحركات سياسية
ولذلك قللت مصادر دبلوماسية مصرية مطلعة على الملف الليبي، من التحركات العسكرية لقوات اللواء خليفة حفتر نحو العاصمة طرابلس، قائلة: “يمكن وصْف تلك التحركات بأنها سياسية أكثر منها عسكرية”، مؤكدة أن “تلك التحركات ليس من بين أهدافها في الوقت الراهن دخول العاصمة التي تقع تحت مسؤولية حكومة الوفاق المدعومة أممياً”.
وأضافت المصادر أن التحرك يهدف إلى توسيع أوراق الضغط، وتضييق الخناق على طموحات وتحركات حكومة الوفاق التي يترأسها فائز السراج في أي مفاوضات أو اتفاقات سياسية.
وزعمت المصادر أن تحجيم القوة العسكرية لجيش حفتر كانت رؤية مصرية في المقام الأول، خصوصاً بعدما تبنّت الإمارات التي تمثّل طرف التحالف الآخر رؤية اقتراح حفتر دخول العاصمة عسكرياً، لأن القاهرة ترى في تلك الخطوة مزيداً من الفوضى، خصوصاً أن قوات حفتر لن يكون بمقدورها حسْم الصراع عسكرياً على الأرض، في ظل قوة الكتائب والمليشيات التي تدعم حكومة الوفاق في الغرب، ومصراتة بالتحديد.
لذلك يقتنع قائد الانقلاب في مصر بسبب صعوبة حسم حفتر العسكري في ليبيا، ويري خطورة في أن أي مواجهة عسكرية ستكون نتائجها وخيمة وستقود إلى مزيد من الفوضى، وسيستتبعها انتشار السلاح مجدداً في أيدي الجميع، ما سيسهل انتقاله إلى أيدي تنظيمات متطرفة وتكفيرية، ما سيجعل من ليبيا بيئة خصبة للغاية لعناصر داعش الهاربين من سورية والعراق بعد القضاء على التنظيم هناك.
لذلك اصدرت سلطة الانقلاب في مصر بيانا تعرب عن “بالغ القلق من الاشتباكات التي اندلعت في عددٍ من المناطق الليبية، وتناشد جميع الأطراف ضبط النفس ووقف التصعيد”، برغم أن السيسي هو الذي مول حفتر بالسلاح وشارك بطيران الجيش في ضرب قوات ثوار ليبيا بدعاوي الارهاب!
ومن خلال استعراض موازين وأوضاع القوات على الارض وتوازنات القوي في الداخل الليبي يمكن القول قدرة خليفة حفتر علي غزو طرابلس محدودة بل انها تهدد بفقدانه الارض التي استولي عليها في شرق ليبيا حال دخوله معركة كبري في طرابلس.
لهذا يمكن القول إن سعي حفتر لغزو طرابلس يأتي في سياق الحرب بين قوي الثورة المضادة والربيع العربي لحسم مصير الربيع العربي في ليبيا وهدمه، إلا أنه يبدو أنه حشد عسكري يستهدف تحقيق ضغط سياسي يسمح لحفتر ان يكون له دور كبير في قيادة ليبيا.