بالترغيب والترهيب يمضي نظام العسكر برئاسة الطاغية عبدالفتاح السيسي نحو تمرير “ترقيعات الدستور” التي تفضي تلقائيا إلى تأبيده في السلطة ومنحه صلاحيات فرعونية مطلقة وتجعله متحكما بمفاصل جميع السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، إضافة إلى منح المؤسسة العسكرية مكانة أعلى من الشعب والدولة وجعلها وصيا على الجميع تحت دعاوى حماية ما تسمى بالديمقراطية ومدنية الدولة!
فشبكة المصالح المرتبطة بالنظام من الجنرالات والنواب ورجال الأعمال يدعمون هذه التعديلات حفاظا على امتيازاتهم ومصالحهم وتنشط تحركات أجهزة الأمن من أجل إكراه التجار وأصحاب المحلات على تعليق لافتات دعم لهذه الترقيعات من أجل صناعة صورة مصطنعة حول التفاف الشعب حول هذه التعديلات باعتبارها تصويتا على الجنرال عبدالفتاح السيسي نفسه وليس على التعديلات ذاتها.

عشاء فاخر!!
ومن أجل تمرير هذه الترقيعات نظم ما يسمى بائتلاف “دعم الدولة” الذي أسسه جهاز المخابرات العامة ويديره حاليا جهاز الأمن الوطني عشاء فاخرا لأكثر من 400 نائب منطوين تحت لوائه، عشية التصويت على تعديلات الدستور؛ إذ حجز الائتلاف غرفا مطلة على النيل لجميع أعضائه بفندق “جراند نايل تاور” بضاحية غاردن سيتي، الذي يبعد نحو 500 متر عن مجلس النواب، لضمان حضورهم جميعا في جلسة التصويت المحددة في العاشرة من صباح الثلاثاء.
وشهد حفل العشاء حضورا أمنيا مكثفا لتأمين أعضاء الائتلاف، وسط حضور لافت من قيادات مجلس النواب، وفي مقدمتهم وكيل البرلمان السيد الشريف، ورئيس الائتلاف عبد الهادي القصبي، وأمينه العام أحمد السجيني، ورؤساء جميع اللجان النوعية، والهيئات البرلمانية للأحزاب المنضوية تحت لواء الائتلاف.
ودعا رئيس الائتلاف جميع أعضائه للحضور في جلسة التصويت، وإعلان موافقتهم على مشروع تعديل الدستور في صورته النهائية، فضلاً عن تكثيف جهودهم حيال دعوة المواطنين في الدوائر والمحافظات للمشاركة بكثافة في الاستفتاء المرتقب على التعديلات أيام 22 و23 و24 أبريل الجاري، تحت ذريعة “تحمل مسؤوليتهم الوطنية والتشريعية في مرحلة من أخطر مراحل الحياة السياسية في تاريخ مصر”!

تحايل البرلمان
وفي السياق، فإن ثمة توافقا كبيرا بين كثير من الخبراء والمحللين على أن الصياغة التي تم الاتفاق عليه داخل دهاليز البرلمان “الملاكي” تمثل تضليلا وخداعا للشعب والتفافا على منصوص المادة الانتقالية التي أثارت جدلا كبيرا في أثناء طرحها.
وبحسب مراقبين فإن الأحداث الثورية المتسارعة في السودان والجزائر وليبيا، وارتفاع الأصوات الرافضة للتعديلات، وتحديدا للمادة الانتقالية الخاصة برئيس نظام الانقلاب العسكري، والتي كانت تمنحه فرصة الاستمرار بالحكم بعد انتهاء ولايته الثانية في 2022، كل ذلك دفع البرلمان للتحايل على المادة الانتقالية، وقلص المدة الإضافية الممنوحة للسيسي، لتكون حتى عام 2030، بعد أن كانت حتى 2034.
على خطى مبارك
ويؤكد خبراء دستوريون وقانونيون أن المادة الانتقالية في صورتها النهائية تمثل فضيحة دستورية، ليس لها مثيل على مستوي العالم، وتعيد للأذهان الكيفية التي فصَّل بها نظام حسني مبارك المادة 76 من دستور 1976، المتعلقة بشروط الرئاسة على مقاس جمال مبارك.
وتنص المادة 140 الخاصة بمدة الرئاسة في صياغتها النهائية، على أن مدة الرئاسة 6 سنوات ميلادية، لفترتين متتاليتين، بدلا من 4 سنوات، مع تعديل المادة الانتقالية الخاصة بالسيسي، لتنص على أن تكون مدة رئاسته الحالية 6 سنوات يتم احتسابها منذ تاريخ إعلان انتخابه رئيسا للجمهورية لولاية ثانية في 2018، مع منحه حق الترشح لفترة رئاسية أخرى، بعد انتهاء الفترة الحالية في 2024.

ويصف الخبير الدستوري، أحمد الكومي، التعديلات في شكلها النهائي، بأنها ترقيع مشين، الهدف منه منح رئيس الانقلاب فرصة للبقاء بالحكم حتى عام 2030، بعد احتساب ولايته الثانية التي جرت في 2018، بست سنوات، رغم أن من انتخبوه كان على أساس أنها 4 سنوات فقط، وهو ما يعدّ كارثة دستورية.
ويؤكد الكومي في تصريحات إعلامية، أن نظام السيسي كان بين خيارين، الأول المضي في طريقه الذي بدأه بإقرار التعديلات ذاتها دون تغيير، أو إحداث تغيير يمثل تراجعا أمام الجماهير، نتيجة الرفض الشعبي المتنامي لفضيحة هذه التعديلات، ولكن في النهاية يبدو أن ترزية الدستور توصلوا لهذا التصور المعيب، تحسبا للأوضاع السياسية الساخنة المحيطة بمصر، في السودان والجزائر وليبيا.
ويضيف الخبير الدستوري قائلا: “الصياغات التي انتهت إليها التعديلات سيئة وركيكة، وتشير إلى الاستخفاف بفكرة أن يكون لمصر دستور يجب احترامه وتقديره، باعتبار أن الهدف من كل هذه الإجراءات هو منح السيسي المزيد من السطوة المغلفة بإطار دستوري، تخدم أهدافه للبقاء في السلطة إلى ما لا نهاية”.

توريث في دوائر العسكر
ويرى الخبير السياسي أحمد الشافعي أن المادة الخاصة بخلو منصب الرئيس، وأن يحل مكانه نائب الرئيس المعين أو رئيس الحكومة المعين، يشير إلى أن عملية التدوير داخل منظومة الحكم لن تخرج عن المؤسسة العسكرية، خاصة أن دستور 2012 ودستور 1976 قبل تعديله نص على أن يحل رئيس مجلس الشعب، ثم رئيس المحكمة الدستورية، محل رئيس الجمهورية في حالة خلو منصبه بالوفاة أو المرض.
ويشير الشافعي إلى أن استبعاد رؤساء المؤسسات المنتخبة، واستبدالهم المعينين بهم، يؤكد أن النظام العسكري الحاكم لا يقبل بأي خيار ديمقراطي يمكن أن يمثل تهديدا لمكونات هذا النظام، حتى لو كانت في إطارات شكلية ربما لن تتحقق على أرض الواقع.