أعاد المحامي والناشط السياسي والحقوقي جمال عيد، عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، نشر مقال كان قد كتبه بجريدة “ديلي نيوز إيجيبت”، في 15 أكتوبر 2012م، بعنوان «يوميات علماني تحت حكم الإخوان». وكتب عيد عبر حسابه على تويتر: «عن العسكر والإخوان .. عن محمد مرسي وأحمد شفيق.. عن خبرة وتجربة مريرة.. «يوميات علماني تحت حكم الإخوان».. مقال من 6 سنوات في 15 أكتوبر 2012م».

إعادة نشر المقال له دلالة تؤكد أن “عيد” يفتخر بإعادة نشر المقال، حيث انتقد حكم الرئيس محمد مرسي. واشتمل المقال على عدة مضامين:

أولها: أنه يكرر الأسطوانة المشروخة التي أطلقتها أبواق النظام القديم وأجهزة الأمن بأن الجماعة تأخرت في اللحاق بركب الثورة، وإن كان لم ينكر دورهم بعد ذلك بأنهم «عوضوا خطأهم بإسهام فعالة في دحر آخر هجوم لنظام مبارك في يوم موقعة الجمل».

وثانيا: يشكك في برلمان الثورة الذي تم انتخابه في أواخر 2011 وأوائل 2012، ولم يستمر سوى 5 شهور فقط، وتم حله من جانب أركان الدولة العميقة في القضاء بتوجيه مباشر من المجلس العسكري وأجهزة المخابرات.

وثالثا: يصف الإخوان وحكم الرئيس مرسي بالضيق من النقد، قائلا: «إذا هاجمت قرارا رئاسيا فأنت عدو وفلول ونخبة فاشلة. وإذا تحدثت عن حرية التعبير أصبحوا جميعا فقهاء ومفسرين لحرية التعبير والانتقاد السياسي، وكان أكثر الطلبات تهذيبا منك هو السكوت، دونما حدود لسقف هذا الرد!».

ولنا على كلام “عيد” بعض التحفظات، كما له علينا بعض التحفظات، فهذا حقه وهذا حقنا:

أولا: رغم هذا النشاط المتميز والسيرة المشرفة، إلا أن “عيد” كان أحد الذين دعموا إطاحة الجيش بأول رئيس مدني منتخب، وهاجم في إحدى تدويناته أولئك الذين يهاجمون “30 يونيو”، وكتب «أي حد حيشتم في 30 يونيو هو شخص غبي حقير، طلعنا علشان انتخابات مبكرة، ومش غلطتنا خطف الثورة، زي يوم ما كرم مرسي طنطاوي وعنان بدل محاكمتهم»!.  وهي “تويتة” كاشفة، فالرجل الحقوقي يضيق ذرعا بوصف “30” يونيو بالانقلاب، ويضيق بنقدها باعتبارها كانت بابا من أبواب الجحيم على الثورة المصرية، وبداية لوأدها بعد أن حمل نشطاء «علمانيون» ضباط وأمناء الشرطة فوق أكتافهم، وتظاهروا كتفا بكتف إلى جوار الفلول ومرتضى منصور وتوفيق عكاشة وأحمد الزند وأركان الدولة العميقة!، ثم بعد ذلك يتهم الجماعة بأنها تضيق ذرعًا بالنقد!، فعيد في هذه التويتة لا يقبل بأن تخالفه الرأي، بل يجب عليك أن تكون نسخة منه، من آرائه وأفكاره وتصوراته وإلا فأنت غبي وحقير!.

المشاركة الإخوانية

ثانيا: دور الإخوان في الثورة من أول يوم بات لا يحتاج إلى دليل أو برهان، فيكفي الأستاذ عيد أن يذهب إلى غلاف صحيفة الشروق، يوم الإثنين 24 يناير، ليتأكد من قرار مكتب الإرشاد، وإذا عجز عن ذلك فصور الدكتور محمد البلتاجي وعشرات من نواب البرلمان التابعين للجماعة كانت تملأ صحف الأربعاء؛ حتى إن صحف النظام كانت لا تسلط الضوء إلا على المشاركة الإخوانية في 25 يناير. كما أن البداية الفعلية للثورة كانت في 28 يناير، وهو اليوم الذي خرجت فيه الملايين من آلاف المساجد بالقاهرة، وهو اليوم الذي سقطت فيه شرطة حبيب العادلي، وتقرر نزول الجيش حتى تدحرج الأمر وأخذ شكل الثورة بعد ذلك، ثم كان دور شباب الإخوان في تنظيم الميدان، حيث أسسوا المنصة المركزية وشاشة العرض، ثم كانوا بالتعاون مع جموع الشعب يحرسون مداخل ومخارج الميدان، فكان شباب الجماعة هم عصب الحراسة، وتم تقسيم شباب الإخوان بالمحافظات على أبواب محددة حتى يتم حماية الميدان من جميع المنافذ، في الوقت الذي كان يأتي فيه الأستاذ عيد زائرا ثم يعود ينام على فراشه قرير العين.

وكان يوم الجمل هو يوم الفداء، ولو تمكنت “حمير” و”بغال” مبارك لما كان هناك ذكر لثورة أو ميدان. والآن يحاكم الإخوان على هذه المواقف البطولية التي أطاحت برجل الجيش في قصر الاتحادية، فيعتقلون ويغتالون ويلاحقون ويحكم عليهم بالإعدام والمؤبد في محاكمات يشهد الأستاذ عيد نفسه أنها تفتقد إلى أدنى معايير العدالة.

ثالثا، التشكيك في برلمان الثورة الذي كان انعكاسا حقيقا لجميع القوى الشعبية والوطنية يمثل سقطة كبرى للأستاذ عيد، فالبرلمان لم يستمر سوى 5 شهور فقط، ورغم ذلك فهو أول برلمان يعبر عن خريطة القوى السياسية دون إقصاء، وهو أول برلمان يرفض برنامج الحكومة في سابقة برلمانية بأغلبية وصلت إلى 347 نائبا وتحفظ عليه 9 نواب، بينما وافق عليه 6 وامتنع عن التصويت 3.

تقدم نوابه بـ169 استجوابا، أبرزها عن حالة الانفلات الأمنى وأحداث استاد بورسعيد وإهدار أموال أصحاب المعاشات، والمشكلات التى يتعرض لها الحجاج المصريون، ورفع الحظر على سفر المتهمين الأمريكيين فى قضية التمويل الأجنبى، وانتشار ظاهرة البطالة، وأحداث العنف والسطو والقتل التى يتعرض لها المواطنون، كما تقدم النواب بعدد 96 طلب مناقشة عامة، حول سياسات وبرامج الحكومة فى عدد من المحاور المهمة للمواطن، ووافق المجلس على 113 اقتراحًا برغبة تقدم بها النواب فى مجالات الصحة والطرق والكبارى والتعليم والإسكان والمرافق والخدمات العامة والأمن العام.

لجان تقصى الحقائق

وشكل المجلس عددًا من لجان تقصى الحقائق، أبرزها، لجنة عن قتل وإصابة المتظاهرين السلميين، وامتداد عملها إلى بحث واقعة استاد بورسعيد، وأقر المجلس 16 اتفاقية دولية، وأقر المجلس 9 قوانين فى موضوعات تهم الشأن العام، وأبرز القوانين التى أقرها المجلس كان قانون زيادة تعويضات أسر الشهداء والمصابين بعجز كلى من 30 ألف جنيه إلى 100 ألف جنيه، وتعديل بعض أحكام قانون العاملين المدنيين بالدولة، للعمل على تثبيت العاملين المؤقتين بالدولة، على درجات مالية دائمة، وتعديل بعض أحكام قانون التعليم، بجعل شهادة الثانوية العامة عامًا واحدًا بدلا من عامين؛ تخفيفًا لمعاناة الأسر من الدروس الخصوصية. وتعديل بعض أحكام قانون مباشرة الحقوق السياسية ومنع رموز النظام البائد الذين تسببوا فى إفساد الحياة السياسية لمدة 10 سنوات اعتبارًا من 11 فبراير 2011، وتعديل بعض أحكام قانون الانتخابات الرئاسية لتحقيق مبدأ الشفافية والنزاهة على العملية الانتخابية، بتجميع كشوف الفرز بمعرفة اللجان الفرعية بعد إعلانها النتائج فى حضور المرشحين أو وكلائهم، وممثلين عن منظمات المجتمع المدنى ووسائل الإعلام. وتعديل بعض أحكام قانون القضاء العسكرى لإلغاء إحالة المدنيين إلى القضاء العسكرى، وفتح باب التظلم لكل من صدر ضده حكم من قبل القضاء العسكرى أن يتقدم بطعن عليه خلال 60 يومًا، وقانون بمد أجل الدورة النقابية لمدة 6 أشهر وتعديل بعض أحكام قانون الجنسية، للاعتداد بالمحررات الرسمية فى إثبات الجنسية، وقانون نظام التأمين الصحى على المرأة المعيلة، والتى تتولى رعاية أسرة وليس لها مصدر رزق أو لها دخل لا يجاوز مرة ونصف من معاش الضمان الاجتماعى.

حرية الرأي والتعبير

رابعا: الحديث عن ضيق الجماعة بالنقد وحرية التعبير هو أمر تكذبه الحقائق والوقائع، فلم تشهد مصر حرية رأي وتعبير كما شهدت خلال الفترة من 11 فبراير حتى 30 يونيو 2013م، فالجميع مارسوا حريتهم دون خوف، كانوا ينتقدون الرئيس والحكومة عبر الصحف والفضائيات وكان بعضهم يتطاول بالسب والتجريح ويذهب إلى داره آمنا مطمئنا أن زوار الفجر لن يطرقوا بابه، الكل له حرية تأسيس الأحزاب بالإخطار والصحف والفضائيات، ولم يشهد المجتمع المدني قوة وتأثيرا كما كان خلال هذه الفترة، فهل ينكر عيد شيئا من ذلك؟

خامسا: تولى بعد انقلاب “30 يونيو” حكومة «علمانية» تمثل أبرز قيادات جبهة الإنقاذ كالدكتور محمد البرادعي، نائب المؤقت عدلي منصور، والدكتور حازم الببلاوي رئيس الحكومة وأحد قيادات الحزب المصري الديمقرطي، والدكتور أحمد البرعي، وزياد بهاء الدين، وكمال أبو عيطة وغيرهم، فماذا فعلوا؟

في عهدهم ارتكبت أبشع محرقة في تاريخ مصر “مذبحة رابعة العدوية” بتحريض سافر منهم، بخلاف عشرات المذابح الأخرى، وتم سن قانون التظاهر القمعي الذي يحاكم به عشرات الآلاف من الشباب ونشطاء ثورة يناير حاليا، كما تم غلق صحف وفضائيات الإسلاميين، وتم الزج بمعظم قادتهم وعلى رأسهم الرئيس المنتخب في السجون والمعتقلات ظلما وزورا، مهلا أستاذ جمال.. فالعلمانيون في بلادنا ليسوا أهلا ليحاضرونا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع كامل احترامنا لجهودكم ونشاطكم الحقوقي.

رابط دائم