وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش مجزرة رابعة العدوبة في تقرير أصدرته في أغسطس 2014م واستغرق تحريره عاما كاملا، بأنها “إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث”، وقالت إن ما حصل “لم يكن مجرد حالة من حالات القوة المفرطة أو ضعف التدريب، بل كانت حملة قمعية عنيفة مدبرة من جانب أعلى مستويات الحكومة المصرية”.

وفي هذا اليوم هاجمت عصابات مسلحة تنتمي إلى الجيش والشرطة المعتصمين السلميين في ميدان رابعة العدولة وغيره من ميادين مصر بكل وحشية وإجرام وبأوامر مباشرة من الجنرال عبدالفتاح السيسي قائد الانقلاب بإيعاز وتحريض من عواصم خليجية مثل أبو ظبي والرياض ودعم من مؤسسات الحكم الأمريكية في البنتاجون و الخارجية والمخابرات المركزية، وهو ما كشفت عنه صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا.

بلغ عدد الضحايا حوالي 2600 وفقا لإحصائيات المستشفى الميداني وتحالف دعم الشرعية، إضافة إلى إصابة الآلاف واعتقال آلاف آخرين، حيث أطلقت هذه العصابات المسلحة التي انقلبت على الشرعية المنتخبة المعتصمين وأحرقت الخيام وجثث القتلى وجرفت كل شيء أمامها ثم أحرقت المسجد ذاته في اعتداء مجرم على حرمة بيت من بيوت الله.

فماذا فقدت مصر في هذه اليوم؟

أولا فقدت مصر أمنها واستقراراها، وفي هذا الصدد، قالت “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها: “كان على الحكومة المصرية الجديدة الإقرار بما ارتكبته من انتهاكات في يوليو/تموز، وأغسطس/آب 2013، وتوفير تعويضات عادلة لعائلات الضحايا”. وتضيف إن السيسي يتولى حكم مصر دامية، تعج بالتحديات الاقتصادية والسياسية، ورغم الإغراء المتمثل في قلب الصفحة وغض الطرف عن الانتهاكات السابقة.

إلا أن المحاسبة على الماضي تكمن في لب عملية المصالحة الوطنية التي تحتاجها مصر حتى تستقر وتمضي للأمام”. ما يعني أن بقاء السيسي هو استمرار للأزمة وفقدان لأي معنى من معاني الاستقرار فلا مصالحة ــــ وهي حتمية لاستقرار البلاد ـــ في ظل وجود السيسي لأن المصالحة تعني القصاص من القتلة وعلى رأسهم الجنرال السفاح.

ثانيا، انعكست حالة عدم الاستقرار السياسي على الأوضاع الإنسانية، فالمجزرة جردت المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية من أي معنى من معاني الإنسانية وكشفت لجموع الشعب أنهم أمام عصابات مسلحة لا ولاء لها للشعب الذي انتخب الرئيس قبل عام في إجراء هو الأنزه على الإطلاق في تاريخ البلاد. ولذلك كانت المجزرة بداية لعهد قمعي اتسم بأعلى درجات الوحشية وانتهاك حقوق الإنسان حتى باتت مصر في انعدام الإنسانية يضرب بها المثل في كل بلاد العالم. فاعتنى النظام بالسجون بدلا من المصانع التي أغلقت وقمع الشباب وسفك الدماء ونشر الخوف والرعب في أرجاء البلاد.

ثالثا، بالانقلاب ومذبحة رابعة تحول قطاع من القوات المسلحة إلى عصابة تأتمر بأوامر الجنرال الدموي؛ لأن شرف العسكرية هو الولاء للشعب ولإراة الشعب التي تتجلى في الإجراءات الديمقراطية التي تكشف عن توجهات الشعب بكل دقة وأمانة وبحساب الأصوات، كما أن شرف العسكرية هو الدفاع عن الشعب والوطن ، وفي رابعة اكتشفنا أن ولاء الجيش للجنرالات الكبار وأن سلاحه يوجه إلى صدور الشعب لا إلى الأعداء.

رابعا، انعكس هذا التحول الرهيب في عقيدة الجيش إلى فقدان الثقة في المؤسسة العسكرية، والتأكد أنها أو كبار جنرالاتها إذا أحسنا الظن هم العدو الأكبر لمصر وشعبها والعقبة الكؤود في طريق نهضتها وتقدمها، فولاؤهم للخارج سواء في البيت الأبيض والبتاجون أو في تل أبيبب وأبو ظبي والرياض، أما الشعب فليس له سوى القتل والسجن والجوع. وزاد من كراهية الشعب للجيش حملاته القمعية التي يقتل بها مواطنين دون محاكمة أو تحقيقات. وزاد أيضا هيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية وهو ما أسهم في مزيد من الفشل وزيادة الأعباء على الطبقات الفقيرة والمتوسطة خصوصا بعد قرارات تحرير العملة المحلية والغلاء الفاحش الذي ترتب على ذلك.

خامسا، بالانقلاب والمذابح أدخل العسكر البلاد في أعمق أزمة انقسام مجتمعي على الإطلاق ربما لم تحدث في مصر طوال تاريخها، وبات الشعب الواحد شعبين فهؤلاء محاسيب لهم كل الامتيازات وهولاء أعداء ليس لهم سوى الرصاص والسجون والقمع والانتهاكات. وتحول الانقسام من المستوى السياسي إلى المستوى الاجتماعي وزادت سياسات وتوجهات النظام معدلات الفقر وباعدت المسافات بين الأغنياء والفقراء وباتت مصر أما صراع طبقي مرير وانقسام سياسي حاد لن تخرج منه في ظل وجود الجنرال السفاح.

سادسا، بالانقلاب والمذابح التي نفذتها عصابات العسكر، خسرت مصر المسار الديمقراطي الوليد الذي تأسس بعد ثورة 25 يناير واستبدل العسكر صناديق السلاح والذخيرة بصناديق الانتخابات وتحول الصراع على الحكم في مصر من صراع يحتكم إلى الشعب إلى صراع يحتكم إلى القوة؛ فمن يملك القوة يملك الحكم وتم تغييب الشعب تماما عن المعادلة وهو ما كشفت عنه جميع الإجراءات الصورية بعد 03 يوليو 2013م.

رابط دائم