يتعاظم فشل نظام السيسي يومًا بعد يوم، في إطار الهمجية التي يدير بها مصر، التي حولها لمجرد معسكر يدار بالبيادة العسكرية.

تلك البيادة التي قد ينصاع لها البعض في الداخل، لكن دول وحكومات وشركات الدول الأجنبية ترد بتلك البيادة على رأس السيسي غرامات ومطالبات بتعويض مالي لاتفاقات يخالفها نظام السيسي.

وكان آخرها ما قررته هيئة تحكيم تابعة للبنك الدولي يوم الإثنين 03 سبتمبر 2018م، بالزام مصر بدفع تعويض قيمته 2.013 مليار دولار، قيمة تسوية نزاع على تصدير الغاز الطبيعي إلى شركتي يونيون فينوسا وسي جاس الإسبانيتين اللتين رفعتا قضية ضد الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)، نتيجة وقف إمدادات الغاز الطبيعي لمصنع الإسالة بدمياط (شمال مصر) التابع لهما لمدة عامين منذ يوليو 2012.

وزارة البترول بحكومة 30 يونيو، بررت الامتناع عن توريد كميات الغاز المتفق عليها منذ عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك سنة 2005 بحسب بيان صادر عن الوزارة يوم الأربعاء 05 سبتمبر الجاري، والذي قال إن التوريد توقف في ديسمبر 2012، «نظرًا لحالة القوة القاهرة الناتجة عن تلك العوامل الخارجة تمامًا عن إرادة شركة إيجاس (التابعة للهيئة العامة وبحسب بيان شركة ايجاس، جاء التوقف بسبب سياسات العرقلة التي مورست من أركان الدولة العميقة ضد الرئيس محمد مرسي في فترة حكمه.

حيث كان الهدف هو وضع العراقيل في طريقه إذا استمر في الحكم، وهو ما يفسر إعادة التوريد بعد ذلك في عهد المنقلب عبد الفتاح السيسي.

لغزٌ مستعصٍ

وبحسب ورقة بحثية نشرها موقع “الشارع السياسي” مؤخرا، تعد خسارة مصر في قضايا التحكيم الدولي لغزا مستعصيا على الفهم، رغم وجود خبرات كبيرة قانونية تمتد لقرون على أرضها. وأرجعت هيئة التحكيم حكمها إلى اعتبار مصر قد أخفقت في تقديم “معاملة عادلة ومنصفة” لشركة يونيون فينوسا، وأنها بهذا خالفت الاتفاقية الثنائية لحماية الاستثمار بين مصر وإسبانيا، ومن ثم كان الحكم بالتعويض، حيث طالبت الشركة الإسبانية بـ8 مليارات دولار، لكن هيئة التحكيم اكتفت بتغريم النظام المصري ملياري دولار.

يشار إلى أن الخسائر التي تكبدتها مصر جراء قضايا التحكيم الدولي بلغت قرابة 76 مليار دولار خلال 10 سنوات فقط، ما يعني 7.6 مليار دولار سنويًا، سددتها خزانة الدولة كتعويضات لدول أجنبية، كان لـ”إسرائيل” النصيب الأكبر منها بجملة تعويضات تجاوزت 13 مليار دولار عن نحو 4 قضايا» . بينما أدرجت حكومة الانقلاب في موازنة العام المالي الجاري 2018/2019 نحو 4 مليارات جنيه (223 مليون دولار) كاحتياطي طوارئ لتعويضات قضايا محلية أو دولية، بينما تجدر الإشارة إلى أن مركز التحكيم الدولي يكبد الدول المتقاعسة عن السداد غرامات تأخير تبلغ 9%‏ كل ثلاثة أشهر، أي ما يعادل نحو  36%‏ سنويا.

الغاز الطبيعي

ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية عن مصادر مطلعة على القضية، أن مصر ستدفع الغرامة عن طريق توريدات من الغاز الطبيعي إلى مجمع للغاز الطبيعي المسال تملكه يونيون فينوسا في محافظة دمياط شمال مصر. وتُظهر تقارير رسمية، أن عدد القضايا المرفوعة ضد مصر أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار التابع للبنك الدولي، بلغت 30 قضية خلال 19 عامًا في مجالات مختلفة، منها 19 قضية في الأعوام الخمسة التالية لثورة يناير2011، أقل قيمة تعويض عن كل قضية تصل إلى ملياري دولار.

وتوصف قضايا التحكيم الدولي بأنها ملزمة وباتة ولا يجوز الطعن عليها، وتلتزم الحكومات بدفعها حال صدورها، وهذه النوعية من الأحكام التي تواجهها مصر لا يجوز النقض أو الاستئناف عليها، ما يعني أنها واجبة النفاذ، وعليه فإن الجانب المصري مجبر على دفع المبلغ المطلوب، وفي حال عدم السداد فستكون أصول مالية وتجارية تعود لمصر في الخارج مهددة بالاستحواذ عليها بأمر من تلك المحاكم.

ويمثل التحكيم الدولي تدخلا سافرا في السيادة المصرية؛ فمن الدعاوى المهمة بعد ثورة  25 يناير دعوى شركة فيوليا الفرنسية التي ادعت أن تطبيق الحد الأدنى للأجور فى مصر سيضر باستثماراتها ويمثل خرقا لاتفاقية مصر وفرنسا الثنائية، وقالت إن «على مصر أن تستأذن قبل تعديل سياستها» . وقال تقرير لمنظمة الانكتاد «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» إن 68% من الدول المتضررة من التحكيم كانت الدول النامية.

وتحتل مصر مرتبة مهمة بين الدول النامية «المتضررة من التحكيم الدولي»، لأن مصر هي ثالث دولة في العالم التي تتعرض للتقاضي من مستثمرين أجانب، بعد الأرجنتين وفنزويلا، حيث أعلن المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار أن هناك 22 قضية ضد مصر فى هذا المركز فقط، 11 مستمرة و11 تم الفصل فيها، 2 لصالح مصر و4 لصالح المستثمر الأجنبي، وتم تقسيم المصروفات في باقي القضايا. وبين عامي 2011 و2013 كانت مصر رابع دولة على العالم بـ10 قضايا وفقا لبيانات المركز الدولي.

قضايا التحكيم

هناك حوالي 30 قضية تواجهها مصر أمام هيئات التحكيم الدولية، بعضها تمت تسويته بالفعل بسداد التعويضات المقررة، والآخر لا يزال معلقًا في انتظار الأحكام التي تبلغ مدة التقاضي بها قرابة 3 سنوات و6 أشهر. لكن هناك “5” قضايا تعد الأبرز في هذا الشأن.

الأولى، قضية شركة سياج للاستثمارات السياحية مع الحكومة المصرية، النزاع كان بشأن السيطرة على أرض طابا، حيث باعتها سياج لعدد من المستثمرين تبين بعد ذلك أن من بينهم إسرائيليين، مركز التحكيم الدولي التابع للبنك الدولي في واشنطن أنهى المرافعات في الاتجاه إلى خسارة مصر ودفعها تعويض 300 مليون دولار.

الثانية، في فبراير 2017 أصدر “المركز الدولي لتسوية نزاعات الاستثمار” حكمًا يلزم مصر بدفع تعويضات لشركة أمبال الإسرائيلية، نتيجة للأضرار التي لحقت بالأخيرة جراء وقف تصدير الغاز الطبيعي من مصر لـ”إسرائيل” في 2012، قدر فيما بعد بنحو 3 مليارات دولار، وهو السبب الذي دفع الجانب المصري لإبرام صفقة استيراد الغاز من دولة الاحتلال؛ أملًا في إسقاط تل أبيب لتلك القضية، غير أن الأخيرة نفت أن يكون للصفقة أي علاقة بالقضايا المرفوعة أمام هيئات التحكيم الدولية.

الثالثة، القضية التي كانت بين وزارة الطيران المدني المصرية وإحدى الهيئات البريطانية، النزاع كان بشأن أحقية الهيئة البريطانية في بناء مطار في مدينة رأس سدر حسب العقد المبرم بين الجانبين، غير أن الجانب المصري خالف هذا البند، وعليه تم إحالة القضية إلى مركز التحكيم الدولي بمدينة مدريد الإسبانية، وحُجز على ما يوازي 530 مليون دولار من أموال وزارة الطيران بالبنوك الخارجية لصالح الهيئة البريطانية.

الرابعة، صفقة إطارات السيارات لإحدى الماركات العالمية، بعد أن أغرقت السوق المصرية بها تبين أنها غير مطابقة للمواصفات، ونتيجة للفساد وقف الجانب المصري مكتوف الأيدي ولم يطالب بحقه.

الخامسة، “3” قضايا تحكيم دولي مرفوعة ضد مصر من كابتن قبطان أسامة الشريف (أردني الجنسية) بقيمه 490 مليون دولار، وحكم لصالحه فيها وتمت التسوية مع الحكومة المصرية.

الفشل المصري

وتشير التقارير إلى أن مصر منذ اعتماد نظام التحكيم الدولي لديها عام 1994 خسرت قرابة 76 قضية مع مستثمرين أجانب من إجمالي 78 قضية تم رفعها على الجانب المصري، فيما كسبت قضيتين فقط، وهو ما أرجعه البعض إلى الأخطاء الفادحة التي تتضمنها العقود الحاليّة التي تعد بؤرًا لفتح باب الفساد وبها الكثير من العيوب والثغرات التي يجب إعادة النظر فيها.

السبب الأول والأهم هو الاستبداد، وهو الذي تتفرع عنه باقي الأسباب في هذا الشأن، ومنذ أن اغتصب العسكر حكم مصر سنة 1952 كرس الجنرالات حكمهم الاستبدادي وأنشئوا شبكات مصالح كبرى داخل أركان الدولة أسهمت في تدهور الأوضاع في مصر على كافة القطاعات والأصعدة. ويكفي أن عدد قضايا التحكيم الدولي التي لم يتم البت فيها بعد ، ربما تصل غراماتها إلى 100 مليار دولار وهي التي سيتم البت فيه خلال ثلاث سنوات ونصف السنة، ما يعرض مصر إلى إفلاس حقيقي إذا وضعنا ذلك أمام الأرقام المخيفة والمفزعة عن حجم الديون التي وصلت إلى 5 تريليونات جنيه، والعجز المزمن الذي بلغ 438 مليارا في موازنة العام المالي الجاري 2018/2019م، بخلاف حجم فوائد الديون  والذي وصل إلى 541 مليارا.

السبب الثاني، هو الفساد الذي تفشى في جميع قطاعات الدولة بصورة مخيفة، فمن يُبرم هذه العقود شخصيات غير مؤهلة لإتمام التعاقدات، فالذي يعيّن بمعظم الوظائف غير كفء وغير متخصص بهذه الأمور، ولا معيار لتعيين هؤلاء في هذه المراكز الحساسة سوى رضا النظام  الذي يفصل أهل الثقة على أهل الكفاءة. ولا شك أن هذه الأرقام الهائلة من الغرامات في قضايا التحكيم الدولي تثير شكوكا كبيرة حول حجم الفساد والعمولات والرشاوى التي يحصل عليها كثير من هؤلاء لإتمام الصفقة بشروط لصالح الشريك الأجنبي، خصوصا إذا علمنا أن المحاسبة والمحاكمة تكاد تكون منعدمة في ظل نظام هو الراعي الرسمي لشبكات المصالح ومافيا الفساد.

السبب الثالث هو، الفهم الخاطئ لدى النظام أن  إضافة التحكيم كشرط في العقود أبرز طرق جذب الاستثمار، إذ إن كثيرًا من الدول لا تأخذ به ومع ذلك تعد أكثر الدول جذبًا للاستثمار، حيث إن المستثمر دومًا ما يبحث عن الأسواق الاقتصادية الأكثر استقرارًا”، فقانون الاستثمار عندما تضمن بين نصوصه الالتجاء للتحكيم كان ذلك من عوامل حصول مصر على المراكز الأولي في جذب الاستثمار في فترة، ولكن الأزمة هي طريقة التعاطي مع إعداد المحكّمين التي انتهجت أسلوب يشبه “السبوبة”، بعد أن انتشرت المراكز بشكل عشوائي دون رقابة من وزارة العدل، مما أخرج عددا من المحكمين يحملون “كارنيه” محكّمٍ دون كفاءة أو قدرة على صياغة عقود”.

السبب الرابع هو تضارب سياسات الاستثمار وقوانين التجارة الدولية وفساد التشريعات المحلية وقصورها عن حماية وضمان مصالح البلاد؛ إضافة إلى عدم إلمام البعض بالاتفاقات الدولية، والذي يعد بدوره أحد الأسباب المهمة في خسارة مصر لتلك القضايا، إضافة إلى عدم صياغة العقود وبنود التعاقد مع المستثمرين بالصيغة الملائمة من البداية، بجانب إبرام عقود دون مراجعة قانونية تضمن حق الدولة، وعدم مراقبة المستثمرين منذ الخطوات الأولى للمشروعات ومتابعة تنفيذها، وعدم إثبات الأخطاء بشكل قانوني وإنذار المستثمر في حالة استمرار مخالفات المشروع. فالدولة في الفترة الأخيرة انتهجت أسلوب منح إعفاءات ومزايا جمركية وضريبية لمستثمرين وهميين وغير جادين، فضلًا عن عدم الجدية في التعاقد على مشروعات حقيقية وليست وهمية من البداية، اعتقادًا منها بأن ذلك في صالح المناخ الاستثماري تيسيرًا وتسهيلًا على المستثمرين الأجانب، لكن التجربة أثبتت مع الوقت فشل هذه السياسات التي أفرزت في نهاية المطاف خسائر بالمليارات تتكبدها الأجيال الحاليّة والقادمة.

رابط دائم