"هل انتقم الله من السعودية بسبب تبديل نظام بن سلمان وتقلباته على الشرع والدين من أجل حلم التاج الملكي الذي سينزع منه قبل أن يلبسه بحسب الدوائر الغربية؟".. هذا ما يتمناه كثير من المسلمين حول العالم.

فالسعودية بعد أن كانت "قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ"، اتجهت للعلمنة المجتمعية وكسر كل القيم والتقاليد الإسلامية، وبات يسري عليها قوانين الإفساد في الأرض.

وعاش السعوديون والعرب صدمة ما صرح به وزير المالية محمد الجدعان، حول ما وصفها بالإجراءات الاقتصادية المؤلمة التي سوف تمس وظائفهم ودخولهم ومستقبلهم مباشرة.

استقبلها السعوديون كالعادة ولسان حالهم شكوى الشاعر العربي من دعوته للحرب وإهماله في المجالسة وتفريق الغنائم، فلا هم قرروا خوض حرب اليمن، ولا هم حاصروا قطر، ولا حتى أشعلوا حرب النفط مع القيصر الروسي، حتى وصل الأمر إلى تكدس ناقلات في المياه لا تجد من يشتريها أو يفرغها.

على مدار السنوات الأربع الماضية، استمع السعوديون إلى عشرات الوعود البراقة، بدءا من الرؤية 2030 وتنويع اقتصاد المملكة القائم على النفط، ومروراً بنقل المعركة إلى إيران، وحتى تبرير صرف مئات المليارات من الدولارات على تأمين المدن السعودية، لكنهم لم يحصدوا في النهاية إلا الحرائق بالمدن، والتهجير من أراضيهم، والتعرض لأكبر هجوم على أرامكو قلص من إنتاجها لـ50%، والسخرية من سياسات الرياض ومسئوليها في أمريكا وكندا والعالم، والملاحقات القانونية باتهامات الإرهاب، وفقدوا خلالها أخلص الأصدقاء والمدافعين عنهم في الأروقة الدبلوماسية.

كل تلك الوعود وغيرها باتت سرابا، بعد أن صرح وزير المالية بأن بلاده ستتخذ إجراءات مؤلمة لخفض مصروفات الميزانية بشدة، قائلا: "الإيرادات انخفضت بشكل كبير سواء النفطية أو غير النفطية منذ مطلع العام". ويقول إن حكومته قررت الاستدانة بشكل أكبر من الأسواق العالمية ولكن ذلك وحده لا يكفي، وعلى الحكومة النظر إلى قائمة النفقات في الميزانية.

"الجدعان" نفسه لم يكن بعيدا عن حملة التضليل للسعوديين، فهو نفسه الذي أعلن أن بلاده سوف تنتقل بوتيرة أسرع خلال عام 2019 من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ وتحقيق مستهدفات رؤية 2030، فما شهد 2019 إلا تراجعا اقتصاديا ضخما.

صدم الوزير مواطنيه بالتقشف المالي القادم والكارثة التي ستنال من دخولهم التي لم تعد تكفي ارتفاع أسعار السلع والخدمات، لكنه لم يوضح كيف وصل أحد أكبر منتجي النفط والمصدرين له في العالم وصاحب الصناديق السيادية بآلاف المليارات من العملة الخضراء إلى أن يقترض في النهاية.

4  سنوات عجاف

أربع سنوات منذ تولي ولي العهد محمد بن سلمان للسلطة، يسترق المواطن السعودي فيهم السمع إلى المليارات التي خرجت من المملكة لتجلب الأمن، وغيرها من المليارات الأخرى لشراء لوحة "المخلص" والياخوت الفخم والقصور ومؤخرا نادي نيوكاسل.. فأين ذهبت هذه الوعود والمليارات.. إذا كانت في النهاية لم تجلب سوى التوسل للحوثيين والإيرانيين للهدنة والإجراءات التقشفية والاستدانة؟

على مدار تلك السنوات، بح صوت السعوديين للصرف على المشروعات وتشغيل العاطلين بدلا من صرفها على الترفيه وجلب المطربين من كل حدب وصوب، حاملين معهم هدايا السيارات الفخمة وملايين الدولارات.

أربع سنوات، غامر خلالها ولي العهد بكل ما تملكه السعودية من ثقل دبلوماسي وإمكانيات عسكرية وقوة اقتصادية ضمن أكبر الاقتصاديات، فتراجعت المملكة دبلوماسيا وعسكريا واقتصاديا.

أربع سنوات يحاول أن يتساءل فيها السعوديون: لماذا كل هذه المغامرات التي لم تجلب إلا المزيد من التراجع والألم؟.. لكن السؤال يتراجع إلى الأفواه مع ما يرونه من بطش في السجون التي لم ترحم حتى كبر سن العلماء ولا مرضهم، ليظل المشهد السياسي السعودي قاتما بين مغامرات ولي العهد وأنين مواطن سعودي يتساءل: إلى متى؟

تريليون ريال على مغامرات "بن سلمان"

وبحسب دوائر غربية، أخيرا اعترفت السعودية بأزمتها الاقتصادية، وأنها تتجه للاستدانة وتنفيذ إجراءات تقشف وشد الحزام، إذ كشف وزير ماليتها محمد الجدعان أن المملكة استخدمت "تريليون" ريال من الاحتياطيات خلال 4 سنوات.

كما أنها ستضاعف الاستدانة من الأسواق بواقع 100 مليار ريال إضافية على المخطط له سابقا بقيمة 120 مليار ريال". حديث الجدعان أعاد للأذهان الجدل الذي تفجر 2016 حول اختفاء تريليون ريال لم تحدد أوجه صرفها، ووقتها زعم الخبير الاقتصادي السعودي حمزة السالم في دراسة نشرها موقع "الرياض بوست" بأن هناك مبلغ تريليون ومائة مليار ريال دخل إلى خزانة الدولة ولم يتم معرفة أوجه صرفه. فهل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها السعودية الآن نتيجة تداعيات جائحة كورونا؟

تراجع اقتصادي

وتشهد السعودية تراجعا في النشاط الاقتصادي إلى جانب هبوط أسعار النفط، ما أجبر الرياض بالفعل على خفض بنسبة 5 %من ميزانيتها لعام 2020، وتراجع الأولويات في تنفيذ مشاريع رؤية 2030 الكبرى التي تأخذ مقعدا خلفيا لبعض الوقت، إلى جانب تراجع الاستثمارات والفشل في جذب المستثمرين، وعلى سبيل المثال خسرت حصة المملكة البالغة 38% في بوسكو للهندسة والإنشاءات، في كوريا الجنوبية أكثر من ثلثي قيمتها منذ أن حصلت عملية الشراء في عام 2015.

ووفقا لصندوق النقد الدولي، سيصل صافي الدين السعودي إلى ما يقرب من 19% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتوقع أن يرتفع في العام القادم إلى 27 بالمائة، مع تداعيات أزمة فيروس كورونا وحرب النفط التي يمكن أن تجعل صافي الاستدانة يصل إلى 50 بالمائة بحلول عام 2022. وهذا ما سيؤدي في النهاية إلى تقليص كبير في الميزانية.

وهذا ما حدث بالفعل مع ميزانية 2020، حيث قررت خفض الإنفاق على بعض البنود والاستدانة وتقليص الإنفاق على بعض المشاريع والنظر في قائمة النفقات الأخرى مع اختيار الأقل ضررا على المواطن. وتبرز ملاح الفشل في تبدد حلم المدينة المستقبلية "نيوم" على البحر الأحمر، والتي تبلغ تكلفتها 500 مليار دولار، إذ لم يعد بالإمكان تنفيذها في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها المملكة، إذ غدت مؤجلة وحلما تحطم بعد اغتيال عبد الرحيم الحويطي، أبرز منتقدي المشروع، ورفض أبناء قبيلة الحويطات ترك منازلهم التي ستشيد المدينة على أنقاضها، فضلا عن الشكوك المتزايدة حول جدوى المشروع ومصير 20 ألف شخص يعيشون في 16 ألف كيلومتر مربع من الصحراء والشواطئ التي ستتأثر بسبب المشروع. من جوانب الأزمة الاقتصادية، وجود 500 قضية إفلاس رُفعت أمام المحاكم السعودية لشركات كبرى، من ضمنها 382 شركة موجودة في الرياض، كما حصل تقشف في الخدمات ومغادرة لعدد كبير من رجال المال والأعمال.

أزمة الاقتراض

تبدت الأزمة الاقتصادية في تصدر السعودية 2019 دول منطقة الشرق الأوسط من حيث الاقتراض. بما قيمته 29 مليار دولار، أو ما يعادل 22% من إجمالي الاقتراض التجاري الطويل الأجل في المنطقة ككل، واقترضت السعودية بكثافة على مدى السنوات القليلة الأخيرة لإعادة ملء خزائن الدولة التي استنزفها هبوط أسعار النفط.

وفي نهاية عام 2018، بلغ حجم الديون القائمة على الحكومة نحو 150 مليار دولار، 54% منها بالعملة المحلية، والباقي مقوّم بالدولار. وبلغ العجز المالي في موازنة 2019 نحو 131 مليار ريال، ونهاية 2019 وصلت ديونها القائمة إلى نحو 181 مليار دولار، بما يعادل 21.7% من الناتج المحلي الإجمالي. وتباطأ نمو الدين العام للسعودية خلال عام 2020، للعام الخامس على التوالي، إذ يقدر نموه 11.2 في المائة مقارنة بعام 2019. ويبلغ حجم الدين العام المتوقع لعام 2020 نحو 754 مليار ريال (201 مليار دولار) بنسبة نمو بلغت 11.2 في المائة عما كان عليه عام 2019 المتوقع أن يبلغ فيه الدين نحو 678 مليار ريال. وهذا ما يهدد التوازن في السياسة المالية والحفاظ على الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي.

فشل أرامكو

وفشلت السعودية في إقناع المستثمرين الأجانب بالمشاركة في “الاكتتاب” بأسهم شركة أرامكو بتقييم 2 تريليون دولار، بل حتى في جذبهم بعد انخفاض التقييم إلى 1,7 تريليون دولار، ونتيجة لذلك لجأت الرياض إلى طرح الأسهم للاكتتاب الداخلي، وحتى هذه الخطوة لم تحقق نتيجة، إذ فاقم الفشل حرب أسعار النفط وإغراق السوق، وهو ما أصاب المستثمرين السعوديين الذين سحبوا من مدخراتهم واقترضوا للمشاركة في الطرح القياسي لسهم أرامكو بصدمةٍ بعد الهبوط الحاد لأسهم الشركة إذ هبط سعر سهم أرامكو إلى أدنى مستوياته وأصبح أقل من سعر طرحه، للمرة الأولى وتراجع سعر السهم بنسبة 9.24% لينخفض إلى 30 ريالا سعوديا (8 دولارات) وكان سعره وقت طرحه للتداول للمرة الأولى في السوق المالية السعودية في 11 ديسمبر2019 32 ريالا.

يبدو جليا أن السعودية أساءت تقدير دفاعاتها المالية واستخفت بتداعيات تفشي فيروس كورونا على قاعدة الطلب العالمية. تراهن السعودية على الاستفادة من الأموال الواردة من صندوق الثروة السيادي الخاص بها لرأب الصدع في الوضع المالي الحكومي الناجم عن انخفاض أسعار النفط. وفقا لمؤسسة فيتش الدولية للتصنيف الائتماني، تحتاج السعودية إلى ارتفاع أسعار النفط لتبلغ 91 دولارا للبرميل في عام 2020، وذلك حتى تتمكن من موازنة ميزانيتها. وعند الوصول إلى عتبة ثلاثين دولارا للبرميل (في المتوسط)، ستُستنزف موارد صندوق الثروة السعودي بسرعة، وسيؤدي انخفاض الإنفاق الحكومي إلى توقف سير عمل الكثير من المشاريع، كما ستزيد معاناة القطاع الخاص غير النفطي، ويشار إلى أن هذا الضرر الناجم عن تراجع الأسعار لن يكون سوى لفترة وجيزة.

وسبق أن ذكرت وكالة موديز للتصنيفات الائتمانية أن انخفاض أسعار النفط يزيد من التحديات الائتمانية للسعودية، وأضافت -في تقرير لها- أن انخفاض أسعار النفط سيضعف أوضاعها المالية الخارجية، ويزيد من تراكم الديون الحكومية بأسرع مما توقعت سابقا. الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها السعودية تعود لعام 2015 بشنها حربا على اليمن ووقتها ظنت أنها ستكون حربا خاطفة لن تستغرق سوى بضعة أشهر للقضاء على جماعة الحوثي المتمردة، ها هي السعودية تتجرع كأس الحرب التي شنتها فترتد تلك الحرب عليها خسائر عسكرية واقتصادية لم يُفصح بعد عن أبعادها.

غير أن المطاف انتهى بها في "الوحل اليمني"، متكبدة خسائر في الأرواح والعتاد، فضلا عن استهداف مواقع حيوية عسكرية ونفطية داخل السعودية. وقدرت خسائر السعودية في حرب بنحو 800 مليار دولار على أقل تقدير.

Facebook Comments