مع بدء حجاج بيت الله الحرام، فجر الجمعة، أول أيام عيد الأضحى، رمي الجمرات في مشعر منى، برمي الجمرة الكبرى (جمرة العقبة) بسبع حصيات، وذلك بعد وقوفهم أمس على صعيد عرفات، وأدائهم الركن الأعظم من أركان الحج، قبل أن يبيتوا في مزدلفة، نحتاج إلى فهم المعنى الحقيقي للرجم في مشعر الحج.

مشعر الرجم يذكرنا بما جرى مع نبي الله إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل، عندما أوحي إليه بذبح ولده الوحيد "إسماعيل"، فاعترض إبليس طريقهما لإغوائمهما عن تنفيذ أمر الله تعالى؛ فما كان من كل منهما إلا أن رجم الشيطان بسبع حصيات دليلا على قوة النفس وانتصارها على غواية الشيطان وعدم انسياقها وراء وساوسه ومكائده؛ فالرجم في جوهره هو تعبير عن انتصار الإنسان السوي المستقيم على مكائد الشيطان والتغلب عليه والحيلولة دون تفشي الشر والظلم والطغيان بين الناس.

وأمام الجرائم المروعة التي يرتكبها حكام العرب وبلوغهم مراحل متقدمة في سلم الاستبداد والطغيان، فإن الأولى بالرجم هم هؤلاء الحكام؛ ألم يغتصبوا الحكم بالقوة الجبرية المسلحة؟ ألم يفرضوا إرداتهم على الشعوب بالحديد والنار؟ ألم يجهض السيسي مسار مصر الديمقراطي بعد ثورة 25 يناير ويسفك دماء الآلاف من المصريين المسلمين لا لشيء سوى رفضهم هذا الانقلاب الدموي؟ ألم يقتل بشار الأسد مئات الآلاف من السوريين الحالمين بوطن حر ينعمون فيه بالحرية والعدل والأمان؟ ألم يتسبب في تدمير نصف سوريا بطيغانه واستبداده؟

هناك أيضا محمد بن زايد الذي حوّل بلاده إلى خدّام للاحتلال الصهيوني وحكومته؛ فكل سياسات الإمارات تقريبا لا تصب إلا في خدمة أهداف الكيان الصهيوني وضمان بقائه واستمراره وتفوقه على جميع العرب والمسلمين، فابن زايد يدعم كل جنرال أرعن يريد أن يحكم شعبه بالحديد والنار، ولا يدعم سوى كل انفصالي انقلابي كما يجري في ليبيا واليمن وغيرها.
وتشير كل البراهين والدلائل على أنه وراء كل انقلاب يستهدف قمع الشعوب العربية وتكرس كل حكم دكتاتوري قمعي يخدم أجندة الصهاينة والأمريكان على حساب شعوبنا ووأوطاننا، وهناك محمد بن سلمان الذي شرع في تحول بلاد الحرمين إلى ماخور كبير باسم الحداثة والمدنية، وفي سبيل طمعه في العرش يستأصل كل صوت معارض وتكفي جريمة مقتل "خاشقجي" للبرهنة على حجم الإجرام المتأصل في تكوينه النفسي الذي ينزع بغلو وتطرف نحو البطش والطغيان.

في مثل هذا اليوم العظيم يوم العيد يتجاهل حكام العرب تحذيرات القرآن {إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا لابثين فيها أحقابا، لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا، إلا حميما وغساقا، جزاء وفاقا، إنهم كانوا لا يرجون حسابا}. فتشبثهم بالعروش دفعهم إلى سفك دماء مئات الآلاف من شعوبنا المقهورة والطامحة إلى أوطان حقيقية تنعم فيها بالحرية والعدل والأمان؛ ولكن كيف يظلل العدل والأمان أوطانا مغتصبة يحكمها طغاة مجرمون ليسوا سوى وكلاء عن قوى البطش والاستكبار العالمي سواء كانت الولايات المتحدة الأمريكية أو روسيا أو الصين أو حتى الكيان اللقيط الذي بات حسن العلاقة معه معيارا لرضا الأمريكان والغرب عن حكام العرب وطغاتهم.

أولى بشعوب العرب أن ترجم شيطان الضعف والمذلة الذي استحوذ عليهم وأنساهم أن الشعوب القوية هي التي تفرض إرادتها على جبابرة الأرض مهما كان بطشهم وجبروتهم، أولى بهم أن يرجموا شيطان الجهل والتخلف وأن ينفضوا غبار الكسل حتى يجدوا لأنفسهم مكانا في عالم اليوم، أولى بهم أن يرجموا شيطان الطغيان والظلم وأن يطيحوا بكل جبار عنيد يفرض نفسه عليهم بقوة البطش والطغيان ويحرم شعوبنا من حقها في اختيار حكامها واستقلال قرارها الوطني، واختيار الطريقة التي يحبون أن يعيشو بها؛ ألا يكفي أن ضحايا شعوبنا من الطغيان أكبر بكثير من ضحايا الحروب مع أعداء الأمة، فضحايا السيسي في 7 سنوات تفوق بعشرات المرات ضحايا الاحتلال الإنجليزي لمصر على مدى 7 عقود كاملة.

Facebook Comments