كتب إبراهيم منير-نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين مقالا نشره موقع “إخوان أون لاين” بعنوان “أرادوها في رمضان.. الرئيس الأمريكي والإسلام السياسي 2″، وقال إن من أقسى ما واجهته الجماعة وتواجهه الآن ما يأتي من البعض في مجال ما يتصورون أنه التنافس المطلوب في مجال ساحات الدعوة، فيصل البعض منهم إلى ما كان في نفوس إخوة نبي الله يوسف عليه السلام عندما قالوا (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين)، فيندفع البعض من المحدثين على خطط السابقين، كيدا، ونقضا للعهود، وخيانة للمواثيق، وصولا إلى الانحياز لجانب الظالمين.

ألسنا على الحق؟

أما الأشد فأعتبره “منير” أنه سؤال “ألسنا على الحق؟” الذي سأله البعض بعد هزيمة المسلمين في أحد، رابطا بين ذلك والمتشاركون الذين يطلبون النصرة من الرئيس ترامب ويخفون في أنفسهم ما يرجونه من هذه النصرة.

وقال “ومن أشد ما واجهته الجماعة من أسئلة ذلك السؤال الذي أشرنا إليه في الرسالة السابقة ويعيش صاحبه في أجواء شهر رمضان الفضيل، وما حدث فيه من أحداث ربانية.. نزول القرآن.. ليلة القدر.. وغزوة بدر والتي كانت حدثا يؤكد علو الحق على الباطل، ليقول: ماذا ترون الآن..؟ أوليست هذه حملة جديدة في رمضان انتصارا لكفار قريش؟!

وكشف أنه ما يخفونه “هو تبديل دين الله بالإيمان ببعضه وإنكار البعض الآخر، وإعطاء المستبدين الغطاء الأمني والسياسي ليستعينوا به على من يطلب الحق ويسعى إليه لتكون لهم الجولة هذه المرة”.
وباعتبار إسلامية الجماعة استعان في مقاله ما كتبه الإمام البنا وسيد قطب ليرد على ما يخفونه وظهر جليا في حربهم على الإخوان المسلمين في مراحلها الأولى وحتى الستينيات من القرن الماضي.

وشدد على أن “سنة الله في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة والسذاجة، فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس، وتكوين الصفوف، وإعداد العدة، واتباع المنهج، والتزام الطاعة والنظام، واليقظة لخوالج النفس ولحركات الميدان..”.

السبب الأكبر

وأضاف نائب المرشد أن “شمول الإسلام” الذي يعد سمة من سمات الجماعة؛ أكبر أسباب المحن التي تدفع الجماعة ثمنها على طول تاريخها، والاستعانة بالله سبحانه واتباع ما جاء في كتاب الله من مواقف إيمانية متعددة تحث على الثبات على صحيح العقيدة مهما كان الثمن، لتبقى تلاوتها والعيش في ظلها إلى قيام الساعة.. فلا تنتزع من كتاب ربنا وكما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (كتاب الله فيه نبأ من كان قبلكم.. وخبر ما بعدكم.. وحكم ما بينكم.. وهو الفصل ليس بالهزل، ما تركه من جبار إلا قصم الله ظهره، ومن طلب الهداية في غير القرآن ضل، وهو الحبل المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم، وهو الذي تلبس على الألسنة، ولا يخلق من كثرة القراءة، ولا تشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه …).

الأكثر إرباكا

وضمن حديثه عن تسعين عاما مرت على جماعة الإخوان المسلمين، لم تخل مرحلة من مراحلها من عوائق، لم تكن هي فقط المشانق والسجون والمعتقلات أو الاغتيالات والمطاردات، بل كان منها ما يوجهه إليها البعض من اتهامات أو سباب في صيغة النقد أو تلمس للأخطاء التي لا يخلو منها أي عمل بشري لا يصل بفضل الله إلى وصف الخطيئة.. فيعمل على تعظيمها بقصد الهدم.

وأشار إلى أن أكثرها إرباكا (العوائق) ولا نظن فيه سوءا أو شماتة عندما تتحدث بعض الكتابات عن سبقها النذير بأن عمل جماعات الإسلام السياسي (بما يعني الإخوان المسلمين ومن يشاركهم نفس الفكر) سينتهي في زمن محدد قريب بسبب الهجمة العالمية له، دون أن تطرح أي رسالة عن البديل، أو تعمل على استنفار كل القوى المحبة للخير للدفاع عن دين الله، ولا تحدد الدراسات الأسباب، وهل هي فشل الأهداف والأفكار في قناعة الناس بها مثل ما حدث مع الماركسية أو غيرها من مثيلاتها، أم هو فشل القائمين على الهدف ليتقدم البديل النافع ليحمل الأمانة ولا يهدر الوقت والجهد في العمل على هدم السابقين له، أو أنها الهجمة التي لا يستطيع أحد بمفرده الوقوف في سبيلها لدفع كل القوى للتماسك.

أثقال السلمية

ولعل جمهور الصحوة وأبناء الإخوان المسلمين يلتمسون هذه النقطة تحديدا وأفرد لها نائب المرشد في خاتمة مقاله التحليل يخلص فيه إلى أن الجماعة ومنذ كانت فكرة في نفوس أربعة وهي متمسكة في مسيرتها بسلميتها وثوابت منهجها، حتى تأتي محنة أخرى على إثر المشاركة الفعالة للجماعة في أحداث ثورة 25 يناير 2011، عندما يقف ثامن المرشدين الأستاذ الدكتور محمد بديع وفي حرارة الأزمة مع الانقلاب العسكري 2013م ليعلن من فوق منصة رابعة (سلميتنا أقوى من الرصاص)، فيتم اعتقاله وتوجيه عشرات التهم إليه ويحكم عليه ظلما وعدوانا بمئات السنين بل بالإعدام.

ولفت إلى أن الجماعة لن تتوقف عن السير في طريقها متمسكة بثوابت منهجها قائمة بأماناتها إلى أن يشاء الله.

وأضاف أن رسالة المؤتمر السادس عام 1941 ميلادي أكدت أن (المساهمة في الخير العام أيا كان لونه ونوعه، والخدمة الاجتماعية، وأن الإصلاح الذي يريده الإخوان ويهيئون له أنفسهم .. فهو إصلاح شامل كامل تتعاون عليه قوى الأمة جميعا، وتتجه نحوه الأمة جميعا.. ويتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتبديل).

تنوع السلمية

وعبر عن تنوع السلمية إلى السلام مع الخلق، والسلمية الكاملة الإيجابية في التعامل، ودلل على ذلك بموقفين من ملاحم الدعوة ودروسها.

الأول: عندما تأزمت الأحداث على الأرض الفلسطينية عام 1947 ميلادية وارتفعت أصوات الكثيرين مطالبة بالنصرة الواجبة التي تدعو إليها كل الأديان والمواثيق الدولية، والتزمت الجماعة بموقف الدولة المصرية لأنها لم تعتبر وجودها في يوم من الأيام أنها بديلة عنها، وعندما أخذت الدولة قرارها جاءت الاستجابة بالمشاركة مع الجيش الرسمي الذي تبين أنه لم يكن مهيئا لأي حرب، إلى أن وصل الأمر أن أفراد الجماعة كانوا يقومون بعمله ويشكلون أحيانا درعا للدفاع عنه.

وانتهت الأحداث بانقلاب الدولة على الجماعة وفتحت أبواب المعتقلات لمن كان في الميدان وغيرهم، فصبر الإمام على الأمر وسعى لإنهاء الأزمة بالحكمة والموعظة الحسنة بسلمية مطلقة، وعن طريق بعض الرموز الوطنية التي كانت قناعتها بالظلم الواقع على الجماعة واضحة.

الثاني: عندما ضاق بعض الشباب بالموقف وبالظلم والغدر اللذان وقعا على الجماعة فقتلوا الحكام العسكري (رئيس الوزراء) الذي أصدر القرارات.. خروجا على أحكام الشرع وعلى أركان البيعة، وكان واجب على الإمام الشهيد أن يعلن رأيه بعيدا عن عواطف الأخوة وغيرها.. فكانت صرخته المدوية ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين).

وتأتي النتيجة السريعة بقيام الدولة التي لم يتجاوز الإمام قوانينها ولا سيادتها في الأولى، ثم يدافع عن الحق والشريعة والقانون في الثانية، لتقتله .. فتكشف بما ارتكبته من جريمة ما كانت تخفيه من دفع الدعاة إلى التخلي عن الحكمة والموعظة الحسنة وسلمية العمل حتى تستطيع تمرير مؤامراتها وإنزال العقاب على من يتمسك بهذه السلمية. !!

معارك الفكر

وأمام قرار البيت الأبيض الأمريكي في 30/4/2019م بأن الإدارة الأمريكية تعمل على وضع جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الإرهاب وأن الرئيس يتشاور مع أجهزة دولته ومع زعماء المنطقة (العربية) الذين يشاركونه القلق من وجود الجماعة، لم يشغل الإعلام فقط وإنما شغل الكثيرين من الناس، ومعها أسئلة تم توجيهها للجماعة، بعضها لم يخل من روح التحدي أو روح الشماتة، كأمور اعتادتها الجماعة طوال تاريخها..

وأوضح أن الإمام البنا أكد في رسالة (بين الأمس واليوم) قبل سبعين عاما أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ومنهاج القرآن الكريم في تكوين الفرد وإصلاح المجتمع والوقوف أمام طغيان المادة والصبر على الطريق بالإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل، وخاطب إخوانه بقوله: (وإن قيل لكم إلام تدعون؟ فقولوا ندعوا إلى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم والحكومة جزء منه والحرية فريضة من فرائضه، فإن قيل لكم هذه سياسة! فقولوا هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام …).

ورغم ذلك أنذر إخوانه بأن الطريق ليس سهلا على رغم نوارنية الفكر وربانية الاستجابة لدين الله، فقال: وأحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستتلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية وستجدون أمامكم كثيرا من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات.

مواقف الطاقة المتجددة

وسرد مجموعة من الأحداث التي أكدت نقاء فكر الجماعة ومعرفتها لمواطن الكيد، فقال: في سجون الستينيات وبعد ما حدث لقيادات الجماعة من إعدامات وجرى على الباقين ما نزلت به الشياطين من إرهاق وإرهاب فقد وجدها الاستكبار في الأرض وللأسف الشديد بالاستعانة ببعض علماء الدين ومن يقال عنهم مفكرون فرصة لإنهاء فكر الجماعة ويقينها بشمول الإسلام والعمل تحت مفاهيمه بما يقولون عنه الإسلام السياسي، وخلف أسوار السجن الحربي حتى لا يعلم الناس شيئا عن موقف هؤلاء الثابتين المؤمنين على فكرهم، فاشتدت حملتهم وطالبوا الإخوان بالاعتراف واليقين والتسليم بأن كلمة قل التي جاءت في أول سورة في الأنعام (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) … هي خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، وبما يعني أن حياة الناس وسعيهم في الدنيا لا صلة لها بالعبادات (الصلاة والنسك ..).

دعاة لا قضاة

واعتبر أن من أبرز إفرازات المحنة التي حاول الاستكبار في الأرض بكل ما يملكه من وسائل تعذيب وتشويه وحشد ضد الجماعة وبممارسات فيها ما يوجب إقامة حدود الله وإلى جانب أفعالهم التي تهدر فيها الدماء بغير حق، وما كان يخرج من أفواههم من ألفاظ وكلمات توجب محاسبتهم أو محاكمتهم عليها، فإن الجماعة لم تنجرف إلى فخاخ الشياطين، وجاء الحسم الشرعي تحت عنوان (دعاة لا قضاة) رضي به من كانت نيران الاستكبار ما زالت تحرق أجسادهم بأقفال الظالمين، ولأنها فتنة فقد رفضها البعض الآخر، ولأن دين الله هو الذي تسعى الجماعة إلى نصرته.. فقد جاءت المفاصلة على ما فيها من آلام.

وشدد على أن هذا التاريخ نجد فيه الكثير من الناصحين ورؤى بعض الدارسين الجادين، وبعض العلماء الثقاة العاملين، وبعض من استفزتهم نفوسهم الطيبة ولم يبخلوا بالنصيحة ودافعوا عن الجماعة مع أنهم غير مسلمين وكأننا مع حلف فضول جديد، لتكون كلها رحمة من رب العالمين، وإشارة إلى أن جماعة الإخوان المسلمين لم تحد عن طريقها وفكرها طوال تاريخها.. وإن طال بها التاريخ، وأن الأزمة أوالمحنة الأخيرة هي رحمة من الله لا يدركها غير العاملين المخلصين، وأهم إفرازاتها هو الاختبار للصف الداخلي.. ليبقى من بقي عن بينة.

فيسبوك