ماذا لو تقابل جنرال الخط الأحمر مع مشايخ القبائل في القدس المحتلة، واجتمع بهم وطلب تفويضًا كالذي طلبه من أعيان ومشايخ الإرهابي حفتر لمواجهة الاحتلال الصهيوني، أكان يقبل بذلك ويخون رغيف الخبز الذي اقتسمه مع نتنياهو؟

وثمة خلل كبير في رؤية جنرالات الانقلاب بمصر لأولويات الأمن القومي للبلاد، وقد اتضح ذلك جليًا في الخطاب المتوتر الذي ألقاه السفاح عبد الفتاح السيسي قبل أيام بشأن الأوضاع في ليبيا، وهدّد فيه بالتدخل العسكري المباشر هناك، إذا تجاوزت قوات حكومة الوفاق الوطني مدينة سرت وقاعدة الجفرة، واللتين اعتبرهما الجنرال أعمي البصيرة "خطًا أحمر".

المسألة الليبية
ويحار المراقبون في تفسير هذا الخلل العمي لدى السفيه السيسي للأمن القومي للبلاد، والذي استبدل فيها القضايا المصيرية للشعب المصري، وأهمها مسألة نهر النيل، بقضايا تبدو أقل أهمية، مثل المسألة الليبية، فلا يختلف اثنان لديهما حد أدنى من العقلانية على أن مياه نهر النيل يجب أن تحتل سلم أولويات الأمن القومي لمصر، وأن يكون تهديد هذه المياه بمثابة "خط أحمر".

ولا يمكن لأحد تجاوزه وإلا دفع الثمن، فنحن نتحدث عن شريان الحياة لمصر والمصريين منذ آلاف السنين، والذي لم يكن يوما مهددا كما يحدث الآن على خلفية بناء سد النهضة الإثيوبي، وفشل المفاوضات الثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن التوصل إلى اتفاق لملء السد وتشغيله، ما حدا بها إلى رفع الأمر إلى مجلس الأمن الدولي للمساعدة في حله.
وفي الوقت الذي يبدو فيه السفيه السيسي حاسما أو هكذا يحاول أن يبدو في ما يخص الملف الليبي، فإنه يبدو مهادنا ومترددا ومتخبطا في ما يخص ملف سد النهضة!

ويرى مراقبون أن مسألة الأمن القومي في مصر متفرعة إلى طريقين لا يلتقيان مطلقًا، الأول هو الأمن القومي للطغمة الحاكمة من الجنرالات وهو غير مرتبط بمصالح الشعب وصد الكوارث عنه، بل مرتبط بأمن كيان العدو الصهيوني.

وعبر مركز أبحاث صهيوني عن خشيته من أن الزمن لا يلعب لصالح السفيه السيسي وأنه في حال ظلت أوضاع مصر تحت حكمه على هذا النحو فإن فشله محقق، وهو ما ينعكس بشكل كارثي على "الأمن القومي" الصهيوني.

وجاء في تقدير موقف نشره "مركر يروشليم لدراسة المجتمع والدولة"، الذي يديره دوري غولد، كبير المستشارين السياسيين لرئيس  وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، أن "فشل نظام السيسي سيفجر الأوضاع ليس في مصر وحدها بل في جميع أرجاء العالم، ستحل الفوضى وستدفع إسرائيل ثمنًا كبيرًا لقاء ذلك".

ونوه التقرير الذي نشر على موقع المركز إلى حقيقة أن "السيسي يدرك أن وقته محدود جدًا وأن عليه أن يقدم نتائج ملموسة للشعب المصري الذين لن يمنحه وقتًا لانهائيًا، بل سيحاسبه في حال لم يوفر البضاعة".

وزعم التقرير على أن ما يبعث على القلق هو عجز الجيش المصري عن حسم المواجهة مع عناصر تنظيم "ولاية سيناء"، على الرغم من استخدامه كل ما لديه من سلاح وضمنها طائرات "إف 16"، ومروحيات الأباتشي.
وزعم أيضًا أن الجيش المصري يحاول منع عناصر "ولاية سيناء" من الوصول إلى قناة السويس ومنطقة شرم الشيخ، مشيرًا إلى أن فشله في تحقيق هذا الهدف يعني توجيه ضربة اقتصادية هائلة للسفيه السيسي تقلص من قدرة نظامه على البقاء.

وهاجم المركز الإدارة الأمريكية لرفضها عرض السفيه السيسي توسيع الحرب على "الإرهاب الإسلامي" لتشمل ليبيا، بزعم أن ليبيا تمثل مصدر تزويد الإسلاميين في سيناء وغزة بالسلاح.
وهاجم المركز الصهيوني بقوة المنظمات الحقوقية الدولية التي انتقدت قيام الجيش المصري بتدمير المنازل في رفح المصرية، معتبرًا أن هذا الإجراء تفرضه الحاجة لاستتباب الأمن والاستقرار.

أمن المصريين
أما الطريق الثاني في مسألة الأمن القومي فهو ما يمس الشعب، وغالبا ما يتعارض مع الأمن القومي للعصابة العسكرية الحاكمة، لأن أمن الكيان الصهيوني الذي يرعاه جنرالات الجيش المصري، يتعارض ويصطدم مع أمن المصريين ووجودهم.

أمّا المُحلل في صحيفة (هآرتس) الصهيونية، أرييه شافيط، فقال في مقال نشره بالصحيفة: "إن الجنرال السيسي هو بطل إسرائيل، فلا يحتاج المرء أن يكون لديه عين ثاقبة بشكل خاص حتى يكتشف حجم التشجيع العميق والإعجاب الخفي الذي تكنه النخبة الإسرائيلية تجاه قائد قوات الجارة الكبرى من الجنوب".
وأضاف: "في إسرائيل كلنا مع السيسي، كلنا مع الانقلاب العسكريّ، كلنا مع الجنرالات حليقي اللحى، الذين تلّقوا تعليمهم في الولايات المتحدة، ونحن نؤيد حقهم في إنهاء حكم زعيم منتخب وملتحي ( محمد مرسي)، مع إنه أيضا تلقى تعليمه في الولايات المتحدة الأمريكيّة"، على حد قوله.
ورأى المُحلل الإسرائيلي أن: "التجربة دللت على أن الطغاة فقط بإمكانهم حكم مصر".

واعتبر الصحفي والباحث الصهيوني إيدي كوهين أن السفيه السيسي أنقذ الكيان من "كارثة" بانقلابه على الرئيس الشهيد محمد مرسي، وكتب تغريدة بموقع تويتر "محمد مرسي كاد أن يكون كارثة لإسرائيل لو ما حدث انقلاب السيسي عليه. قلتها سابقا: مرسي شكل خطرا على أمن إسرائيل القومي، لا بل كان آخر رئيس مقاوم بعد صدام حسين".

وكان كوهين قد صرح عام 2018 على فضائية "فرانس 24" قائلا إن السيسي عدو لجماعة الإخوان المسلمين ويكره حركة حماس، وإن نظامه يحاصر غزة أكثر مما تفعل إسرائيل، وتابع "السيسي صهيوني أكثر مني، كيف يهدد إسرائيل؟".

وفي 17 يونيو 2019، ارتقى الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول وآخر رئيس مصري مدني منتخب ديمقراطيا، أثناء محاكمته إثر نوبة قلبية مفاجئة، نتيجة عقار أو غاز استنشقه أو سمًا بطئ المفعول دس في طعامه، وكان صرح مسبقًا بأن عصابة السيسي حاولت مرارًا اغتياله بالسم.

واعتبرت جماعة الإخوان المسلمين وعدد من الدول والحكومات حول العالم الرئيس مرسي "شهيدا"، وحملت عصابة الانقلاب مسئولية وفاته بسبب الإهمال الصحي، وهو ما نفته سلطات الانقلاب بشدة زاعمة أن الوفاة طبيعية، إلا أن العسكر رفضوا أن تعاين جثة الرئيس الشهيد هيئة محايدة، وتم منع صلاة الجنازة عليه في مصر. فأداها المسلمون بأغلب دول العالم.

خطر على السيسي
ويعتقد السفيه السيسي أن نجاح الديمقراطية في ليبيا، سوف تكون وبالًا عليه وعلى رعاته خصوصا الإمارات والسعودية، إذ إنها قد تؤدي إلى وصول الإسلاميين إلى السلطة، أو على الأقل المشاركة فيها، وهو ما يمثل خطا أحمر بالنسبة للسيسي وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد وولي عهد السعودية محمد بن سلمان.
التحالف الثلاثي بين هؤلاء يقوم على معاداة تيارات الإسلام السياسي واستئصاله، ليس فقط في بلدانهم، وإنما أيضا خارجها، وذلك حتى لو تطلب الأمر التضحية ببلد مثل ليبيا وباستقرارها، من أجل تحقيق هذا الهدف.

ويبدو أن السفيه السيسي أصابه الرعب من اقتراب تركيا من حدوده الغربية، وهو الذي يُكنّ لها عداء كبيرا بسبب موقفها الرافض انقلابه على السلطة عام 2013.
وبسبب تصريحات أردوغان التي يسخر فيها دوما من السفيه السيسي وعصابته؛ لذا فإن وجود تركيا على الحدود الغربية لمصر، ولو بشكل شرعي، من خلال اتفاقات تعاون استراتيجي مع الحكومة الشرعية في ليبيا، يمثل خطرا كبيرا على عصابة السيسي، بل وعليه شخصيا ما يجعله يعيد ترتيب أولوياته الاستراتيجية في المنطقة، كي يضع تركيا في موضع العدو الأول.

Facebook Comments