يتعجب البعض من عدم ثورة المصريين بسبب الغلاء الفاحش وتوالي الزيادات السعرية للسلع والخدمات، بل والإعلان عن زيادات أخرى قادمة في أسعار الوقود والكهرباء ووسائل المواصلات وغيرها من رسوم الخدمات الحكومية.. وهم الذين انتفضوا على الرئيس السادات، وخرجوا للتظاهر عام 1977 لمجرد حدوث زيادات طفيفة في أسعار بعض السلع الأساسية.

سيقول البعض أن السبب الرئيسى هو حكم الدبابة، بعد أن أصبحت عربات الشرطة مصفحة، وتستخدم الرصاص المطاطي بل والحي دون خشية من ملاحقة، وبعد تكرار تصفية المعارضين جسديا أو إخفائهم قسريا أو الزج في السجون لرموز عديدة لها مكانتها المجتمعية.

ولأنه لا توجد ظاهرة اجتماعية أحادية السبب، يظل السؤال مطروحا: لماذا لا يثور الفقراء وليس لديهم ما يخافون على فقدانه؟ فمن تلك الأسباب أن هناك أنشطة عديدة، بعضها مشروع وبعضها غير مشروع، توفر دخولا إضافية لكثير من المصريين، بما يمكنهم من الاستمرار في الإنفاق على المعيشة ومجاراة ارتفاع الأسعار.

بل إن تلك الأنشطة تفسر استمرار اقتناء السيارات الفارهة والشقق الفخمة وإسكان “الكمباوند”، وأجهزة المحمول الغالية الثمن، بل واقتناء أكثر من جهاز أحيانا، وقضاء الإجازات مع الأسر في المناطق السياحية، وازدحام الكثير من المطاعم السياحية، وزيادة رواد المقاهي رغم ارتفاع تكلفتها، حتى أن بعضها يضع حدا أدنى لسعر الجلوس فيها وصل إلى 400 جنيه، في بلد لم يصل فيه الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه بعد.

تجارة السلاح والخصومات الثأرية

ومن تلك الأنشطة، تجارة الآثار والتي يتم تهريب بعضها للخارج، بما يوفر دخولا ضخمة للعاملين في هذا النشاط، ومنها تجارة السلاح، وهو نشاط يزداد الطلب عليه في جنوب البلاد مع انتشار ظاهرة الثأر، وحرص كل طرف من أطراف الخصومات الثأرية على اقتناء قطع من السلاح أكثر مما يقتنيه الطرف الآخر. بل يصل الأمر إلى إسهام بعض أفراد تلك العائلات المتنازعة العاملين بالخارج في إرسال جانب من دخولهم دوريا من أجل شراء السلاح للعائلة، يضاف إلى ذلك الحاجة للسلاح لأغراض الحراسة للمناطق الزراعية الجديدة والمزارع السمكية والمنشآت الصناعية، بل والمساكن في المناطق الجديدة، مع استمرار ظاهرة التعديات وفرض الإتاوات من قبل البدو عليها، وكذلك لأغراض الحماية الشخصية من حوادث الاختطاف لرجال الأعمال أو أبنائهم.

كذلك تجارة المخدرات بأنواعها، والتي يعمل الكثيرون فيها، مثل عمليات النقل والتوزيع و”الناضورجية” والحراسة، والتي تجد لها سوقا رائجة في ظل تفشى الإدمان، سواء بسبب البطالة أو الإحباط أو الرفاهية.

أيضا مجال الدعارة وما يتطلبه من عمالة لنقل ممتهناته وحمايتهن، والسمسرة، وهو أيضا سوق رائج مع السياحة الخليجية، وتمتهنه الكثيرات للصرف على أسرهن أو على أطفالهن، ويحقق مكاسب كبيرة، وأحيانا ما تكون بالعملات الصعبة.

الرشوة تستفيد من الغلاء

كذلك أنشطة تهريب السلع، سواء الملابس والأقمشة أو أجهزة التليفون المحمول أو مستحضرات التجميل أو السجائر أو الخمور أو قطع الغيار، وغيرها من السلع، والتي تباع بأقل من أسعار مثيلاتها مما يدخل من المنافذ الشرعية ويتم فرض الجمارك عليها.

ومجال غسيل الأموال يوفر فرص عمل لتجهيز مقار العمل، من شركات ومحلات تجارية بأحدث التشطيبات والديكورات، وتحتاج تلك الأعمال إلى عمالة وموظفين، سواء للحراسة أو السكرتارية أو قيادات السيارات أو الأعمال المحاسبية والقانونية والإعلامية والعلاقات العامة وغيرها.

ويعد مجال الرشوة أحد أبرز تلك الأنشطة، خاصة في المجال الحكومي خلال عمليات استخراج التراخيص، أو التفتيش على الاشتراطات المطلوبة من قبل الأجهزة الحكومية، سواء في مجال المرور أو الكهرباء أو الضرائب أو الإنشاءات وغيرها.

والغريب أن أسعار الرشاوى تستفيد من حالة الغلاء، برفع أسعارها كلما زادت أسعار السلع والخدمات في الأسواق، فالموظف أو أمين الشرطة الذي يتقاضى الرشوة يطلب قيمة أعلى للرشوة كلما زادت الأسعار في الأسواق.

وهكذا توفر تلك الأنشطة غير المشروعة أعدادا كبيرة من فرص العمل والدخول العالية مما يقلل من معاناة كثير من الأفراد من الغلاء، بل إن كثيرين من أصحاب تلك الأنشطة يحرصون على تقديم المعونات النقدية والعينية الدورية للفقراء في المناطق السكنية التي يقيمون بها.

وهو أمر قديم، حيث يروى أن خط الصعيد الذي ظلت السلطات تطارده لفترة طويلة قبل عقود، تجمعت النساء من الأرامل والمطلقات يوم مقتله، حتى امتلأت بهم أحد الميادين العامة الواسعة في مدينة أسيوط، ليتبين أنه كان يقوم بالإنفاق الدوري على كل هؤلاء النسوة.

ولن تستطيع الأجهزة الرسمية التصدي لتلك الأنشطة غير المشروعة، لعدة أسباب، منها انشغال الأجهزة الأمنية بالأمن السياسي على حساب الأمن الاجتماعى، وعجز الأجهزة أحياناعن التصدي لها بعد أن استشرت وأصبح مجال انتشارها الجغرافي يفوق قدرات الأمن المحلية.

فالسيارات التي يستخدمها المهربون مثلا أحدث وأكثر قدرة للسير في دروب الصحراء من السيارات الأمنية، وأجهزة الاتصالات التي يستخدمونها ترتبط بالأقمار الصناعية، والأسلحة والأفراد الذين يستخدمونها أعلى كفاءة من الأمن، وهكذا تفوق إمكانتهم القدرات الأمنية من أكثر من ناحية، إلى جانب إختراقهم للجهات الأمنية.

أيضا الإغداق الذي يتم من قبل هؤلاء على الأجهزة الرسمية، وتستتر بعضهم تحت مظلة المناصب النيابية والمحلية الشعبية، وما يحيطون به أنفسهم من مستشارين ودعاية وإنفاق اجتماعي وخيرى ومظاهر أبهة، كما أن بعض تلك الأنشطة تتم من خلال أفراد يعملون في الأجهزة الأمنية مثل تجارة المخدرات، ولهذا يوفرون الحماية لها، إلى جانب تغاضي الأجهزة أحيانا عن بعض تلك الأنشطة مثل الدعارة والمخدرات وغيرها، لإلهاء الشباب والجمهور لإبقائهم مغيبين عن الواقع.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

فيسبوك