خلال لقاء الرئيس الأمريكي ترامب السيسي، وبعدما سرد وصلة غزل في السيسي وكيف أنه يقوم بما عليه لتحقيق المصالح اﻷمريكية والصهيونية، طرح أحد الصحفيين (غير معروف ويرجح أن يكون مصريًّا) سؤالًا على ترامب يقوله فيه: “هل تعتقد أنه يجب تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية”؟، فتجاهل ترامب السؤال كما تجاهل أسئلة أخرى.

ولكن كان من الملفت قول البيت الأبيض لاحقا “إن ترامب والسيسي أجريا مناقشة خاصة صريحة خلف أبواب مغلقة تركز على الاضطرابات الأخيرة في ليبيا، وقضايا المياه الإقليمية، و”التهديد الذي يمثله الإخوان المسلمون”، بحسب صحيفة واشنطن بوست.

والملفت أن “الإخوان المسلمون” وبرغم دعاية السيسي أنه قضى عليهم، هم محور سفريات السيسي الخارجية، وهم محور ما يثار عن التعديلات الدستورية، وهم أيضا المتهمون بالوقوف وراء أي فشل أو معضلة للانقلاب.

متابعة تصريحات الرئيس الأمريكي ووزرائه كانت مؤشرًا واضحًا على أنهم استدعوا السيسي لبحث أمر مهم، وأنهم تعمّدوا مدحه والتغاضي عن الحديث عن التعديلات الدستورية التي تؤبده في الحكم، وتأييدها ضمنًا وعدم الاعتراض عليها، وأن هذه الأمور التي جرى بحثها مع السيسي بعضها عسكري وبعضها سياسي وبعضها اقتصادي، ولكنها كلها تصب في خانة “مصلحة أمريكا أولًا”، كما قال وزير الخارجية الأمريكي، ومصلحة إسرائيل أيضًا!.

ربما لهذا قالت وكالة بلومبرج، إن “ترامب قدّم هدية سياسية للسيسي” تمكنه من الاستمرار في القمع والبقاء في الحكم مدى الحياة، حيث ألمح ترامب إلى موافقته على التعديلات الدستورية وأعطى الضوء الأخضر لها، ولم يبد أي اهتمام بسجل السيسي الأسود في حقوق الإنسان أو السجون المصرية، واكتفى بالتعبير عن دعمه الكامل للسيسي.

وكانت العبارة التي قالها وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، عن السيسي وهي (طُلب منه أن يفعل ما هو أفضل)، مؤشرًا واضحًا على طبيعة العلاقة التبعية بين السيسي وإدارة ترامب، وأنه ذهب ليتلقى الأوامر، وظهر وهو في حضرة ترامب كأنه مُتيّم به، ومثل التلميذ الذي يجلس لينصت، ما شوّه صورة مصر وأعادها للتبعية بعدما انتزعها الرئيس محمد مرسي من هذه التبعية عقب ثورة يناير.

فقد أثير أن ترامب استدعى السيسي ليخبره بتفاصيل دوره في صفقة القرن، وذلك مقابل مكافأته بعدم الاعتراض على التعديلات الدستورية.

وظهر غموض متعمّد من السيسي حول الثمن الذي دفعه لترامب، حتى إن المتحدث الرئاسي زعم حين سئل عن صفقة القرن: «هذا المصطلح تعبير دارج إعلاميًّا، ولا يوجد تفاصيل بشأنه إلى الآن”، برغم أن السيسي نفسه قال لترامب إنه يدعم الصفقة!.

ماذا جرى في لقاء السيسي وترامب؟

كان من الملفت قول ترامب في تصريح صحفي: “لا أمانع التعديلات الدستورية في مصر والسيسي يقوم بـ”عمل عظيم”!!، وحين سئل مرة أخرى عن التعديلات الدستورية في مصر والتي من شأنها تمديد حكم السيسي قال ترامب: “ليس لدي علم عن هذه الجهود، ما أستطيع أن أقوله هو أنه يقوم بعمل عظيم”!.

أيضا دافع وزير خارجيته “بومبيو” عن السيسي في مواجهة هجوم نواب الكونجرس على السيسي، وقال: “أفضل عدم تسمية السيسي ديكتاتورًا، وأثرنا معه قضية حقوق الإنسان في مصر، وطُلب منه أن يفعل ما هو أفضل”!.

لهذا قال السيناتور باتريك ليهي: “ليس سرًا أن الرئيس ترامب يتعاطف مع المستبدين الذين يعتمدون على القمع للبقاء في السلطة ومنهم السيسي الذي يعتقل خصومه السياسيين ولا يزال يحتجز الكتاب والطلاب ومحامي حقوق الإنسان والناشطين الاجتماعيين والصحفيين الذين ينتقدون حكمه.

وتزامن هذا مع تواصل الانتقادات الموجهة للسيسي في الصحف الأمريكية والأجنبية، وتركّز الحديث على تصريحات الرئيس ترامب عقب لقائه السيسي. وأشارت صحيفة واشنطن تايمز إلى أن ترامب تجنب الحديث عن التعديلات الدستورية المقترحة التي تمدد حكم السيسي، وبدلا من ذلك أشاد بقيادة السيسي والعلاقات التي تعد “في أفضل حالاتها” بين مصر والولايات المتحدة.

ومع هذا فقد أحرج الأمريكان السيسي وهددوه، وأكد وزير خارجيتهم أن الولايات المتحدة قد تفرض عقوبات على مصر حال شرائها مقاتلات روسية من “طراز سو-35″، وأضاف بومبيو- في جلسة استماع للجنة مجلس الشيوخ الأمريكي المختصة بميزانية العام 2020- “أكدنا بوضوح أن مثل هذه الشراءات تتسبب في تطبيق عقوبات ضد سلطات أي دولة، بالتوافق مع قانون التصدي لأعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات”.

أيضا وصل الأمر بالأمريكان إلى المطالبة بمراقبة ما يفعله الجيش في سيناء لمعرفة أين تذهب أموال المعونة العسكرية الأمريكية!.

وقد ركزت مجلة فورين بوليسي على خطاب مرسل من المشرعين الأمريكيين يحث الحكومة المصرية على السماح لدبلوماسيين أمريكيين بزيارة شبه جزيرة سيناء، والتعرف على كيفية استخدام مصر للمساعدات الأمريكية، في محاولة للضغط على مصر من أجل إجراء إصلاحات بملف حقوق الإنسان.

لماذا يعزز ترامب ديكتاتورية السيسي؟

هذا الدعم الغامض غير العادي من ترامب للسيسي دفع الباحثة في معهد كارنيجي “مشيل دن” إلى التساؤل: لماذا يساعد ترامب الديكتاتور المصري على ترسيخ قوته؟ وما الذي سيحصل عليه ترامب من السيسي مقابل إعطائه الضوء الأخضر لتأبيده في السلطة؟

وقالت إنه “من خلال تبني المستبدين الشرق أوسطيين، يرتكب الرؤساء الأمريكيون الخطأ نفسه منذ عقود ولكن مع عواقب وخيمة”.

وقالت إنه “بعد مرور ثماني سنوات على خروج المصريين إلى الشوارع لإقالة حسني مبارك الذي دام حكمه 30 عامًا، وبعد أسابيع فقط من قيام الجزائريين بنفس الشيء لإزاحة الاستبدادي لمدة 20 عامًا، عبد العزيز بوتفليقة، يراهن البيت الأبيض على السيسي، وهو تأييد سيستخدمه السيسي في ترسيخ قبضته على السلطة، وإظهار أنه يتمتع بدعم ترامب في مواجهة خصومه”.

وتقول الخبيرة الأمريكية، إن التعديلات على الدستور والتي من شأنها أن تسمح له بالبقاء في منصبه حتى عام 2034، وتمنح الجيش أيضا حقًّا دستوريًّا للتدخل في السياسة، وتشديد قبضة السيسي على القضاء، “لا تتعلق بأمن أو ازدهار مصر، وإنما هي محاولة من السيسي لخلق شكل من السيطرة الشخصية على السلطة لنفسه وللضباط العسكريين الموالين، وتهميش المؤسسات الأخرى، وإنهاء كل مساءلة ذات معنى، ما يعد انتهاكًا مباشرًا لوعوده السابقة”.

وتفنّد “مشيل دن” ما يقوله مؤيدو السيسي في مصر والإدارة الأمريكية عن فوائده لأمريكا، على النحو التالي:

1-  يقول مؤيدو الجنرال السيسي إن دعم ترامب للسيسي في محاولته للبقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى، مهم لأن السيسي “صاحب رؤية فريدة من نوعها لمحاربة الإسلاميين والإرهاب، وإصلاح الإسلام، فهل نجح السيسي في القضاء على الإرهاب في سيناء أم زاده ولا تزال الهجمات على قواته مستمرة؟ وعمليات القتل الجماعي وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان الوحشية التي يقوم بها السيسي شجعت على زيادة العنف.

2-  يقولون إن السيسي حمى الأقليات والمسيحيين، ولكنه سحق بوحشية الإخوان المسلمين كمنافس سياسي، وفشل في حماية المسيحيين من الهجمات الإرهابية.

3-  يقولون إن السيسي عزز حقوق المرأة، بينما هو سجن العشرات من النساء ويقوم بقمع صارم لمنظمات حقوق المرأة المستقلة والناشطات، ولم يحدث تقدم كبير في حقوق المرأة خلال السنوات الخمس التي قضاها في السلطة.

4-   يقولون إن السيسي أصلح اقتصاد بلاده المتداعي، فهل صنع السيسي معجزة اقتصادية بينما البطالة والتضخم مرتفعان والاستثمار الأجنبي المباشر أقل في عام 2018 مقابل عام 2017؛ لأن المستثمرين لا يرغبون في التنافس على ملعب مائل؟ وهل رضا مسئولي صندوق النقد الدولي عن تدابير التقشف التي اتخذها السيسي تعني أنه أصلح الاقتصاد؟ أم أنه زاد الهيمنة الاقتصادية المتزايدة لبيزنس الجيش الجشع؟

5-  يقولون إن السيسي شريك لا يُقدر بثمن لإسرائيل وسينفذ اتفاق سلام ترامب (صفقة القرن)، وهذا أمر عادي، وخلال الأربعين سنة التي انقضت على معاهدة السلام، تعاونت مصر مع إسرائيل بشكل ثابت في المسائل العسكرية والاستخبارية، كما لا تزال نفس قيود السفر لإسرائيل كما هي.

المخاطر المحتملة لدعم السيسي

وتعدد الباحثة الأمريكية المخاطر المحتملة لدعم ترامب للسيسي في:

1-  مساعدة السيسي على البقاء في السلطة تنتهك مبادئ الولايات المتحدة بشأن الحريات والديمقراطية وعدم دعم الديكتاتوريين؛ لأن هذا يزيد الفساد وعدم المساءلة، ويؤدي إلى أن يكون التغيير عبر العنف بدلًا من السياسة.

2-  دعم استيلاء السيسي على السلطة بهذه الوقاحة يبدو غريبًا؛ لأن أمريكا اعتادت أن ترضخ مصر وتتنازل أمام الضغوط المالية، وحجب المساعدات العسكرية، ولا يوجد سبب لمنح السيسي هذه الميزة غير المستحقة في مواجهة القضايا الخطيرة المعلقة، التي تشمل مواطنين أمريكيين معتقلين في مصر، واعتقال آلاف المصريين كسجناء سياسيين.

3-  الدعم الأعمى للسيسي لن يؤدي إلا إلى تقويض النفوذ الأمريكي في البلاد، وهو درس كان ينبغي على المسئولين الأمريكيين أن يتعلموه، ففي عامي 2011 و2013، تعرضت إدارة أوباما لانتقادات شديدة لكونها قريبة جدًا من مبارك ثم مرسي، مما أضر بمكانة أمريكا بين المصريين، فلماذا تقوض إدارة ترامب النفوذ الأمريكي مرة أخرى من خلال الإفراط في الاستثمار في السيسي؟

Facebook Comments