..قراءة في مآلات مصر الاقتصادية

كتب محمد مصباح:

 

كشف الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن تقرير الكونجرس الأمريكي عن "إفلاس مصر" هو حقيقة واقعية يعايشها المصريون طيلة الفترة الماضية، وهو نتيجة طبيعية لاتباع سياسات النقد الدولي، واللجوء للاستدانة من الخارج، والاقتراض على نطاق واسع، بالإضافة إلى غياب الصناعة والزراعة وغيرها من أدوات الإنتاج.

 

وأضاف الميرغني – في تصريحات صحفية – أن نتائج الإفلاس تمثلت في التدخل في الشؤون الداخلية لمصر، كما كان الوضع في عهد الخديوي إسماعيل، إذ تم وضع مراقبين أجانب بوزارة المالية كانوا يتدخلون في كل النفقات والمصاريف والمشروعات وغيرها.

 

وعن رأي التقرير أن "النفقات الحكومية لا تولد إيرادات كافية، واكتشاف الجهات المانحة والداعمة لمصر أنّ استقبال المزيد من المساعدات مجرد أقنعة لتغطية مشكلات تتعلق بالسياسات غير الرشيدة والمتضاربة"، أكد الميرغني أنّ تمويل النفقات الجديدة من منح خليجية هو مجرد نقل المشكلات المالية إلى المستقبل القريب.

 

وأوضح التقرير وجود "فجوة سنوية تقدّر بنحو 15 مليار دولار تتعلق بتمويل العجز الحكومي"، وأنّ "المساعدات الخليجية لمصر لم تقدم إلا الحدّ الأدنى من الإغاثة لاقتصاد يتعرض حاليًا للإفلاس".

 

وخلال العامين الأخيرين تواصل حكومة الانقلاب الاقتراض من السوق المحلي والخارجي من خلال إصدار مزيد من أذون وسندات الخزانة بآجال طويلة، وذلك في إطار تمويل عجز الموازنة الذي يقفز بنسب كبيرة شهريا.

 

ومؤخرًا، باعت مصر سندات دولية دولارية في البورصات وأسواق المال العالمية بقيمة أربعة مليارات دولار.

 

في الوقت نفسه، أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع احتياطي مصر من النقد الأجنبي ليسجل نحو 26 مليار دولار خلال الأيام الماضية، لكنه لم يعلن عن أدوات ارتفاع الاحتياطي إلى هذا الرقم، خاصة أنه من خلال ودائع وقروض دولية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومن خلال السندات الدولارية التي طرحتها الحكومة المصرية مؤخراً

 

المواطن يحصد ما يزرعه الانقلاب الفاشل

وتسببت هذه السياسات الخاطئة في ارتفاع قياسي في معدلات التضخم وإصابة الأسعار بـ"الجنون" خاصة بعد ارتفاع غالبية السلع بنسب تفوق 100% خلال الفترات الماضية، كما أنها تسببت في تفاقم الديون الخارجية والداخلية لمصر، وهو ما تتحمله الأجيال القادمة ويسدد فاتورته حاليا جميع المصريين.

 

معنى إفلاس

يعرَّف إفلاس الدولة بعدم قدرتها على الوفاء بديونها أو الحصول على أموال من جهات خارجية لدفع ثمن ما تستورده من البضائع والسلع، وتلجأ الدولة في هذه الحالة إلى جهات تستطيع إقراضها.

 

هذه الحالة لم تأت من فراغ، إذ إن فساد الهيكل الإداري للدولة هو أحد أهم الأسباب التي قد تودي بدولة مهما كانت قوتها إلى منحدر الإفلاس. وكذلك انهيار النظام القائم وظهور نظام جديد لا يلتزم بديون النظام السابق، كحال الاتحاد السوفيتي، والعراق عقب الاحتلال الأمريكي، وسوريا في حال نجح الثوار السوريون في إسقاط نظام الأسد.

 

ماذا بعد الإفلاس؟

يمثل إعلان الدولة إفلاسَها فرصة جيدة لها للإفلات من قبضة الدائنين، حيث تأخذ بعض الدول خطوات جريئة لإنقاذ اقتصادها من الممكن أن تكون عن طريق تأميم بعض الشركات والمصارف.

 

كذلك قد تلجأ بعض الدول إلى جهات رسمية كصندوق النقد الدولي، الذي يتولى مهمة تقييم الأوضاع الاقتصادية للدولة، ويقوم بمنحها تسهيلات اقتصادية على قروضه على أن تسير على الخطة الاقتصادية التي وضعها لها للخروج من أزمتها.

 

فاليونان على سبيل المثال إذا ما وصلت، كما يرجح البعض، لجدول زمني جديد مع الصندوق، سواء بقيت أو خرجت من اليورو، ستظل تدفع ديونها على الأرجح حتى 2030، بل ربما 2057، ولكن لن تعلن إفلاسها بنفس الطريقة التقليدية التي تعلن بها الشركات إفلاسها، لا سيما أنها بلد مهم للسوق الأوروبية، أما إن وصلت إليه بالفعل، فستكون تلك سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ النظام المالي العالمي الحديث.

 

وضع مصر المالي يشبه روسيا ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في العام 1991، مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين الدولتين في الحجم والتقدم العلمي والتقني والمساحة وعدد السكان ومستوى التعليم.

 

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنسبة 8.8% خلال العام الماضي، ليصل إلى 47 مليار دولار أمريكي، وأرجع البنك المركزي تلك الزيادة إلى زيادة صافي الاستخدام من القروض والتسهيلات والودائع بآجالها كافة ليبلغ 3.3 مليارات دولار، وزيادة رصيد الدين بما يعادل نحو 460 مليون دولار نتيجة لارتفاع أسعار صرف معظم العملات المقترض بها مقابل الدولار الأمريكي.

 

ويرى مراقبون اقتصاديون أنه لولا الدعم الإقليمي لمصر وخاصة من المملكة العربية السعودية والإمارات، لكانت مصر أعلنت عجزها عن دفع أقساط ديونها منذ يناير2014.

 

نحن كسوريا!! 

ورغم تصريحات قيادات الانقلاب العسكري وإعلامه يالتخويف بمصير سوريا– في تبريرهم للقتل الذي يمارسه السيسي ضد شعب مصر- تقف مصر وسوريا على حافة الإفلاس؛ حيث ارتفع العجز في الميزانية السورية إلى 800 مليار دولار بحسب صندوق النقد الدولي.

 

ولولا الدعم الإيراني الاقتصادي لنظام الأسد الذي قدرته أوساط حكومية إيرانية بنحو 5 مليارات دولار شهرياً، لكان نظام الأسد انهار ومعه كامل الاقتصاد الذي كان الفساد ينخر مفاصله أساساً طلية العقود الثلاثة الماضية.

 

العراق أيضًا على طريق مصر

العراق كذلك على شفا الإفلاس بسبب الحرب الأهلية التي تعصف به منذ العام 2003، فقد أكد تقرير صادر عن المركز العالمي للدراسات التنموية، ومقره العاصمة البريطانية لندن، أن عجز الموازنة العراقية بات يهدد قطاع النفط العراقي بشكل واضح.

 

وبحسب التقرير، فإن تجاوز العجز مبلغ الـ50 مليار دولار فإن العراق سيكون عرضة لخطر الإفلاس في العام 2017، وسيكون العراق عاجزًا عن دفع رواتب موظفيه.

 

ويبدو أن مؤشرات الإفلاس باتت تلوح في الأفق، خاصة أن الحكومة العراقية تدفع رواتب موظفيها، بما فيها رواتب موظفي إقليم كردستان، على شكل شهري، حيث خصصت 4.5 مليارات دولار لشهر فبراير ،  ولم يتم إرسال رواتب شهر مارس المقبل؛ لأن المبلغ المتوفر لا يكفي إلا لثلث موظفي العراق!.

Facebook Comments