رغم أن مواد كثيرة تمنح السيسي في دستوره ليس فقط الاستمرار في الحكم لـ2030، وإنما سيكون له حق اختيار رؤساء الهيئات القضائية والنائب العام ورئاسة ما يسمي (المجلس الأعلى للهيئات القضائية) وتعيين ثلث أعضاء ما يسمى مجلس الشيوخ، وهو ما يتنافى مع قول سدنة معبد الانقلاب إن “التعديلات لا علاقة لها به وهو لم يتدخل فيها!!”.

ويؤكد مراقبون أن تعديل المادة 190 من أخبث الترقيعات المزمعة لدستور السيسي والتي هدف بها إلى منع مجلس الدولة من مراجعة العقود لمشاريع الدولة، لعدم مراجعة عقود مشاريع الجيش، فالعسكر سارق 60% من اقتصاد مصر، وعقود الدولة بؤرة للفساد الشخصي للضباط، كما أوضحت فضيحة شفيق وصفقة الآيرباص، وهذا التعديل سيرسخ مقدرتهم على السرقة بعيدًا عن أي شفافية أو محاسبة.

190 قبل وبعد

وتنص المادة 190 قبل التعديل على الآتي: “مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل فى المنازعات الإدارية، ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه، كما يختص بالفصل فى الدعاوى والطعون التأديبية وقرارات مجالس التأديب، ويتولى الإفتاء فى المسائل القانونية للجهات التي يحددها القانون، ومراجعة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية، التي تحال إلية ومراجعة مشروعات العقود التي يحددها ويحدد قيمتها القانون، وتكون الدولة أو إحدى الهيئات العامة طرفا فيها، ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى”.

أما بعد التعديل فقد حذفت جملة “ومراجعة مشروعات العقود التى يحددها ويحدد قيمتها القانون، وتكون الدولة أو إحدى الهيئات العامة طرفًا فيها” من نص المادة وهو ما يعني كما يقول علي العريان “@alymousa6” الرافض لتعديلها: “تعتبر تصفية حسابات مع مجلس الدولة الذي عارض بيع تيران وصنافير؛ لأن تعديل هذه المادة يعني أن الحكومة لن تكون مطالبة بالرجوع لمجلس الدولة فيما يخص مشروعات العقود التي تكون الدولة أو الهيئات العامة طرفا فيها”.

فيما رأى السياسي المستقل المقيم بلندن أسامة رشدي أن هذا الترقيع للمادة يعني أن سلطة الإنقلاب “دستروا اغتصاب السلطة القضائية.. وعاقبوا مجلس الدولة بتقليص اختصاصاته في المادة190.. ويتولى (وحده) الإفتاء في المسائل القانونية.. تم حذف وحده ليتم شرعنة تجاوزه!.. وصياغة مشروعات القوانين.. تم إضافة (التي تحال إليه) يعني ما سيحيلونه فقط.. وتم حذف اختصاص مراجعة عقود الدولة!”.

مذكرة مجلس الدولة

وأكدت مذكرة أرسلها نادي قضاة مجلس الدولة برئاسة المستشار سمير يوسف البهي رئيس النادي في 28 مارس الماضي، أن مقترحات التعديلات الدستورية تقضي على ما تبقى للقضاء من استقلال، وتحيله مزعا مزقا، ومرفقا تديره السلطة التنفيذية.

وأعرب قضاة نادي مجلس الدولة في مذكرتهم التي نشرها موقع صحيفة “المشهد” عن قلقهم على استقلال القضاء، وقالوا: “إنا لا نود الإيمان بما أخبر به البعض، وأشاعه أن ما اقترح من تعديلات الدستور “هو مورد لا محيص عنه، وحال لا بد مشهودة، إحكاما للسيطرة” وأنه – في ظل استمرار هذه المقترحات – يؤلمنا أن نصرح بأننا نستشعر عدم الاطمئنان والاستقلال في أداء رسالتنا”.

واتهم القضاة التعديلات الدستورية بأنها “تتجافى بالقضاء عن استقلاله، ويتراخى عن حيدته وتجرده، وهو الاستقلال الذي حرصت كل المبادئ والقيم الدستورية على صونه، فلاعدل دون استقلال القضاء، والذي ليس هو أسبق من الأمن فحسب، بل هو سببه وأساس وجوده”.

وفي توجيه مباشر للاتهام لقائد الإنقلاب قالت المذكرة: “كيف للسيد المستشار رئيس المحكمة الدستورية العليا – وقد اصطفاه السيد رئيس الجمهورية – أن يفصل في مدى دستورية قانون أصدره الأخير؟! وأنه من غير المستساغ أن يختار الشخص “رئيس الجمهورية” من يحاكمونه إذا اقتضى الحال!!”.

الأخطر هنا هو ما نبه إليه بيان مجلس الدولة من أن “التعديلات” تتيح لغير مجلس الدولة الإفتاء في المسائل القانونية، كما وأن عدم النص على اختصاص مجلس الدولة بمراجعة “العقود الإدارية” أمر يثير الدهشة والغرابة، فهو اختصاص يمارسه مجلس الدولة منذ نشأته عام 1946، أي ما يربو على اثنين وسبعين عاما، كما انتقدت المذكرة قصر دور مجلس الدولة في مراجعة القوانين التي تحال إليه فقط، بعد أن كان اختصاصه بالمراجعة ملزما، وهو أمر غير مبرر، بل يتصادم والصالح العام.

نفذ يا قاضي

وتعامل ابو 50% من القضاة كما يتعامل مع عساكره في ساحة الكتيبة، ففي 7 فبراير أشار حقوقيون إلى بيان نادي القضاة الرافض للتعديلات وقال بهي الدين حسن رئيس مركز القاهرة لحقوق الإنسان: “نادي قضاة مصر يعترض علي التعديلات الدستورية ويعتبرها انتقاصا من استقلال القضاء وتحصينا لقوانين غير دستورية، ويدعو لاجتماع مشترك مع نوادي القضاة بالأقاليم الاثنين، واجتماع آخر مفتوح مع القضاة ١٥ فبراير”.

غير أن الاجتماع المقترح تم الغاؤه، بعدما اتصل ضابطً من جهة سيادية تليفونيا برئيس نادي القضاة المستشار محمد عبد المحسن، وهدده بأنه سيتم إلقاء القبض على القضاة المشاركين في هذا الاجتماع حال تم انعقاده، وتوجيه اتهامات للقضاة بالانضمام لجماعات محظورة وإثارة الرأي العام وفضح مزايا ورشاوى وفساد القضاة.

ثم قرر النادي تأجيل الاجتماع إلى 21 فبراير الماضي وإلى الآن لم يتم الاجتماع، غير أن قضاة أشاروا إلى أن اجتماعا بهذا الشكل كان سيركز على جعل رئاسة المجلس الأعلى للهيئات القضائية، بيد رئيس السلطة التنفيذية، ثم مناقشة رفض تمكينه من تعيين القضاة، والتحكم بميزانيات القضاء، ما يهدر برأيهم نضالا طويلا من قبل القضاة لإلغاء هذا المجلس الذي تم إنشاؤه بعد مذبحة القضاء عام 1969.

يرى مراقبون أن السيسي فصل دستورا ليخلد في الحكم والوارثين له، مشيرين إلى أن ذلك ليس جزءا من تحرك سياسي عادي لتعديل الدساتير لكنه جزء من مؤامرة سلطة غير شرعية تستعمل أي وسيلة لتجذير سلطتها بقوة القهر المسلحة والساحة خالية امامها محليا ومدعومة دوليا من المعادين للربيع العربي.

فيسبوك