"وحرص السيسي على التوقف أثناء جولته للحديث مع أحد المواطنين من الباعة الجائلين الذي تصادف وجوده حيث استفسر بشأن أحواله المعيشية وأي متطلبات له"، ذلك الهراء والعبث هو ما تحاول جاهدة فضائيات ومواقع الانقلاب الإخبارية الإلكترونية تصديره للمصريين.

وما أن استولى السفاح عبد الفتاح السيسي على السلطة بانقلاب 30 يونيو 2013، حتى تخلصت المخابرات من كل الإعلاميين والصحفيين المخلصين لضمائرهم وشرف المهنة، ثم استبدلت بهم مجموعة من الإعلاميين الطبالين الذين تنحصر مهمتهم في كيل المديح للجنرال الملهم وكيل الشتائم والاتهامات الكاذبة لكل من يعارضه.

هؤلاء الطبالون، غالبا، لا يتمتعون بأي خبرة أو دراسة إعلامية فمنهم المحامي والممثلة ولاعب الكرة الطائرة وبائع الأعشاب الطبية.. وهم بالطبع جميعا ينفذون تعليمات ضابط المخابرات الذي يحركهم، كل واحد وفقا لمستواه، الطبالون الكبار يتحدث إليهم الضابط مباشرة ويجتمع بهم من حين لآخر ليشرح لهم التعليمات.
أما صغار الطبالين فإن الضابط المسئول يتصل بهم بواسطة حساب يفتحه لهم على واتس آب يكتب فيه التعليمات يوميا، ولذلك كثيرا ما تجد هؤلاء الطبالين يناقشون نفس الموضوع في برامج مختلفة فيكررون نفس الرأي بنفس العبارات، لأن التعليمات التي تلقوها واحدة.

إعلام اللقطة..!
الحديث عن إعلام مستقل في بلد مثل مصر يعتبر شكلاً من أشكال المبالغة، وإذا كانت مواد دستور الانقلاب الخاصة بالإعلام تؤسس لإعلام حر ومستقل، فإن عصابة الانقلاب ترغب في دعاية كاذبة وتلاعب بالعقول على طريقة انقلاب عبد الناصر وإعلام المخلوع مبارك.

جاءت مصر في المرتبة الـ166 من أصل 180 دولة في ترتيب حرية الصحافة لعام 2020 الذي أصدرته منظمة مراسلون بلا حدود المعنية برصد واقع الصحافة والإعلام في البلدان كافة، تأتي مصر دائمًا في مراتب متقدمة من حيث قهر الإعلام وتقييد وسائله، حيث المنبر الإعلامي الفعال هو المنبر العسكر أو الخاص المؤيد لقرارات جنرال الخراب بشدة.

ويروج إعلام العسكر هذه الأيام لمقابلات أجراها السفاح عبدالفتاح السيسي، أثارت السخرية وأطلق عليها من أبواق الدعاية جولات مفاجئة بالسيارة، ويقوم مخرج هذه الجولات الهزلية بتحضير كومبارسات للتمثيل أمام الجمهور، مرة من امرأة شعبية فقيرة وتارة من شاب انقلبت به دراجته البخارية، وأخيراً مواطن ريفي مطحون من الباعة الجائلين.
ويطلقون على هذه الدعاية الرخيصة المفضوحة "محض الصدفة"، كما حدث مع أحد الشباب الكومبارس وتم إخراج المشهد على أنه تصادف مروره في الشارع، أثناء مرور السفاح بسيارته!
والسؤال البسيط هو ماذا يفعل هذا البائع المتجول الذي التقاه السفاح السيسي "صدفة"، ولمن يبيع وماذا يبيع، علماً أن المشهد وقع في خطأ فادح وهو أن الشارع كان خالياً من المارة ومن المواطنين فيما عدا ذلك البائع الجائل!

يقول الناشط السياسي دكتور شديد أوي: "الحاج ده اللي قابل السيسي المفروض إنه من الباعة الجائلين اللي لو نزل رئيس حي مش رئيس الجمهورية بيتلموا كلهم من المناطق قبل ما يوصل".

الدعاية للعسكر
في عهد العميل السيسي احتضرت الصحافة الورقية في مصر ثم ماتت وتراكمت الديون بمليارات الجنيهات على المؤسسات الصحفية، حاول السفيه السيسي أن ينقذ الصحافة الورقية فتم عقد لقاءات واجتماعات قيلت فيها أسباب كثيرة للأزمة إلا السبب الحقيقي.
لقد ماتت الصحف الورقية عندما ماتت حرية التعبير، ماذا يجعل المواطن المصري يشتري جريدة لن يجد فيها إلا نفس الدعاية للعسكر التي تتردد في كل مكان؟.

بعد ذلك بدأت نسب مشاهدة برامج فضائيات الانقلاب تقل شيئا فشيئا حتى وصلت إلى أقل معدلاتها، لم يعد المصريون يصدقون المذيعين الطبالين ووجدوا الإعلام البديل المستقل على وسائل التواصل الاجتماعي.

إن فيديو واحدا يحمل واقعة حقيقية أو رأيا معارضا أصبح يحقق نسب مشاهدات على فيسبوك أكثر من توزيع الصحف المصرية كلها مجتمعة، بل وأحيانا أكثر من مشاهدي برامج أنفق النظام ملايين لإنتاجها، لقد فشلت خطة الأذرع الإعلامية التي تبناها السفيه السيسي للسيطرة على عقول المصريين.

ومنذ استحواذ الضباط الأحرار على مبنى الإذاعة والتليفزيون عام 1952 لإلقاء بيان الانقلاب العسكري وعزل الملك، حيث باتت الإذاعة ولاحقًا البث التليفزيوني في قبضة الضباط والعسكريين في مصر، استخدم عبد الناصر الأدوات الإعلامية الحكومية من بث إذاعي وتليفزيوني وصحافة ورقية في تلميع السلطة وزعيمها، وباتت بوقاً يتخذها عبد الناصر في الوسط السياسي المحلي والدولي.

نجم الجزيرة
وفي فترة حكم المعزول حسني مبارك، حيث شهد المجال الإعلامي تطورًا هائلًا مطلع التسعينيات، وبدأت القنوات الفضائية في البث، وبدأت المنطقة في اشتعال أحداثها كحرب الخليج بين الكويت والعراق، ولكن كان مبارك دائمًا مقيدًا لحرية الصحافة.
ففي عام 1995 أصدر مبارك قانونًا لتقييد حرية الصحافة والصحافيين أكثر وأكثر، ينص على عدة جرائم كازدراء مؤسسات الدولة ونشر أخبار تخص الأمن القومي حتى إن كانت صحيحية فيُعاقب ناشرها، وكانت تلك العقوبات تصل إلى سنوات عديدة في السجن وغرامات مالية طائلة.

ولم يفلح مبارك ونظامه في خطة التقييد والاكتفاء بالإعلامي الحكومي لبث الأخبار للجمهور لا سيما بعد بروز نجم الجزيرة في بثها للأخبار وتغطيتها للأحداث بشكل مهاري فائق الجودة ووجود محطات عالمية كـ"بي بي سي" و"سي إن إن"، فبدأت قنوات رجال الأعمال الموالين لنظام مبارك في صعودها إلى الساحة الاستثمارية في مجال الإعلام.

أسس رجل الأعمال المقرب من الجيش في مصر نجيب ساويرس مجموعة قنوات "أون تي في"، ودشنت سلسلة قنوات "الحياة" التابعة لرجل الأعمال ورئيس حزب الوفد السابق السيد البدوي وقنوات "دريم" التابعة لرجل الأعمال أحمد بهجت، وكانوا أداة بشكل أو بآخر ترعى مصالح نظام مبارك وحزبه ومصالح رجال الأعمال المالكين لتلك القنوات المشتركة بينهما.

بعد أن اندلعت ثورة يناير وخُلع مبارك وتسلم المجلس العسكري العزبة، بدأ التضارب في المشهد المصري السياسي والإعلامي واضحًا، سلطة عسكرية قائمة ورجال أعمال تتحكم قنواتهم في أسماع وبصائر الجمهور، ومع صدور أول دستور بعد الثورة وهو الدستور الوحيد الذي كفل حرية الصحافة والإعلام في تاريخ مصر الحديث.

بينما صعد التيار الإسلامي متمثلاً في جماعة الإخوان المسلمين إلى الرئاسة ومجالس الشعب والشورى، بدأ رجال الأعمال في توحيد صفوفهم مرة أخرى مع أجهزة الأمن الاستخباراتية وإيقاع الإسلاميين في الفخ أمام الشعب المصري، ولم تستغرق العملية أكثر من عام إلا وأتت ثمارها فانقلب الجيش على الحكم الجديدة المنتخبة في 3 من يوليو 2013 وسط ترحيب حاشد من وسائل الإعلام وقوى علمانية وليبرالية وأخرى يسارية.

لكن انجلى مرة أخرى تعارض المصالح بين عصابة السفيه السيسي ومالكي القنوات الفضائية المحسوبة على نظام مبارك، فأدرك السفيه السيسي ذلك الورم وبدأ في استئصاله، ليرتدي الإعلام المصري ثوب التطبيل والدجل والترويج للجنرال بمقابلات "الصدفة"!

Facebook Comments