U.S. Secretary of State John Kerry (L) meets with Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi at the presidential palace in Cairo September 13, 2014. REUTERS/Brendan Smialowski/Pool (EGYPT - Tags: POLITICS)

مع شرارة انتفاضة سبتمبر ضد الانقلاب الفاشي، وكسر حاجز الخوف والتشرذم الذي سيطر على الشارع لأول مرة خلال السنوات الماضية أمام آلة القمع الغاشمة، لتعج ميادين مصر بالتظاهرات ضد عصابة العسكر، حزم عبد الفتاح السيسي حقائبه هاربًا إلى أميركا من أجل الوقوف على موقف واشنطن من بقائه، واستجداء دعم “صنيعة الروس” دونالد ترامب– في مشهد بدا فيه العميل يستنجد بالعميل- مع ترقب نتائج ضربات مليشيا الانقلاب الاستباقية، قبل أن تصدر له الأوامر بالعودة من جديد.

هروب السيسي إلى نيويورك، يوثق أن هذا العميل رجل المرحلة لتنفيذ أجندة صهيونية بامتياز، تضمن تفكيك وتقسيم الوطن العربي، والتوقيع على ضياع فلسطين وذبح المقاومة، والتمكين لإسرائيل ومن ثم الاعتراف بالكيان الصهيوني، وتقويض الدولة المصرية وإفقار الشعب.

«الحرية والعدالة» توقفت أمام 5 مشاهد درامية، لا تقبل التأويل أو التبرير من الماكينة الإعلامية الفاشية توثق خيانة السيسي، ويسهل إعادة قراءتها في سياق متصل إلى كشف حقيقة عمالة العسكر:

صفقة القرن

على رأس الملفات التي تمنح السيسي ضمان البقاء على رأس السلطة، الرغبة الصهيونية في تمرير صفقة القرن عبر العميل العسكري، وتحقيق أكبر استفادة من آلة تغييب الوعي الإعلامية، وهي الصفقة التي بقيت محاطة بالسرية والإنكار حتى جاءت ذلة لسان قائد الانقلاب في لقائه الثاني مع ترامب في واشنطن، لتحمل أول اعتراف ضمني بالخطة الأمريكية.

ولم تحتج واشنطن لمزيد من الوقت بعدها، حتى كشفت عن تفاصيل الجانب الاقتصادي لـ”صفقة القرن”، من خلال ورشة المنامة بقيادة جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي وصهره- وتمريرها عبر استثمارات بقيمة تتجاوز 50 مليار دولار، تتحمل منها السعودية والإمارات النصيب الأكبر، بواقع 70%، فيما تتكفل الخزانة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بباقي قيمة الصفقة.

وأمام أكاذيب وتضليل إعلام العسكر، أزاحت صحيفة “يسرائيل هايوم” العبرية، الستار عن وثيقة داخلية تم تسريبها في وزارة الخارجية الصهيونية، تكشف تنازل مصر عن 770 كيلومترا مربعا من أراضي سيناء لصالح الدولة الفلسطينية الجديدة، عبارة عن مستطيل ضلعه الأول ٢٤ كيلومترا، يمتد بطول ساحل البحر المتوسط من رفح غربا، وحتى حدود مدينة العريش، والضلع الثاني ٣٠ كيلومترا من غرب «كرم أبو سالم»، ويمتد جنوبا بموازاة الحدود المصرية الإسرائيلية، بما يمثل ثلاثة أضعاف مساحة القطاع.

واعترفت صحيفة «هآرتس»، في 20 أغسطس 2018، بأن هذا الاقتراح جرت مناقشته فى وزارة البيئة الإسرائيلية، من خلال وثيقة وضعتها إدارة البحار والشواطئ بالوزارة، وتم تسليمها لوزير البيئة الإسرائيلي، عامير بيرتس.

وحملت الوثيقة الإسرائيلية عنوان «ميناء العريش حل لغزة»، وتدعو إلى منح الفلسطينيين ميناء العريش بالتنازل أو التأجير، ليكون بمثابة متنفس بحري بديل لميناء غزة، واقترحت الوثيقة أن يتم ضم مطار العريش إلى الصفقة، مقابل حصول القاهرة على أراض جنوب غربي النقب بمنطقة وادي فيران، أو الاكتفاء بالامتيازات الاقتصادية.

صفقة السيسي وشركائه تتضمن، التنازل عن القدس والاعتراف بها عاصمة للكيان، مع استمرار بقاء عرب 48، وإسقاط حق عودة اللاجئين، وحرمان فلسطين الجديدة من تكوين جيش وحمل سلاح ثقيل، على أن تتولى إسرائيل الدفاع عن فلسطين الجديدة من أي عدوان خارجي، وتُفكك حركة حماس وتُسلم أسلحتها إلى عسكر مصر.

المخطط المعلن مؤخرًا، بدأ السيسي تنفيذه مسبقًا بعمليات تهجير على طول الشريط الحدودي بين مصر وفلسطين بهدف إنشاء منطقة عازلة بين البلدين، كما يقوم الجيش المصري في سيناء بعمليات عسكرية وقصف للأهالي بحجة محاربة الإرهاب، بينما تلك الهجمات الفاشية تهدف لإخلاء المنطقة تمهيدا للشروع في تنفيذ الصفقة.

تدويل الممرات

صفقة القرن لا يمكن قراءتها بمعزل عن التفريط في الأرض والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لإزاحة الدولة المصرية من المضيق، وفتح الباب لسيطرة الإسرائيليين على البحر الأحمر، وتغيير الواقع الاستراتيجي من قدرة مصر على حصار الكيان الصهيوني إلى تمكين الصهاينة من حصار مصر والعرب.

الكاتب الصحفي عامر عبد المنعم أكد أنه: “رغم أن اتفاقيات كامب ديفيد تنص على حرية الملاحة الإسرائيلية في مضيق تيران، إلا أن بقاء الجزيرتين في حوزة مصر يشكل تهديدا في حالة نقض الاتفاقية أو تجدد الصراع بين مصر والكيان، كما أن استمرار ملكية مصر للجزيرتين يهدد المشروعات الإسرائيلية لتحويل طريق التجارة الدولية من قناة السويس إلى ميناء إيلات (أم الرشراش المحتلة)”.

وأكد أنه بخروج مصر من مضيق تيران وتحويله إلى ممر دولي عبر «المحلل السعودي»، يكتمل الحلم الصهيوني دون إطلاق رصاصة واحدة، ويسيطر الإسرائيليون على كل البحر الأحمر وليس فقط خليج العقبة، وسيبدأ الكيان الصهيوني في مشروعاته لنقل التجارة الدولية عبر ميناء إيلات، وفرض هيمنة صهيونية على كل المنطقة.

وسخر السيسي آلته الإعلامية وقضاءه الشامخ من أجل تمرير التنازل على الأرض والتفريط في الجزر المصرية، بموجب الوثائق التاريخية واعتراف اتفاقية كامب ديفيد بسيادة مصر عليها بدخولها ضمن المنطقة ج، في صفقة ترسيم حدود غير معلنة البنود، كشفت تسريباتها عن حصول القاهرة على ملياري دولار سنويا من الرياض، ووعد بتشييد جسر يربط مصر بالمملكة، وإهداء البحر الأحمر بأكمله للصهاينة.

ترسيم الحدود

رجل الصهاينة في مصر كان في الموعد من جديد لتنفيذ باقي المخطط، عبر ترسيم جديد لا يختلف كثيرا عن سابقه، بل ربما يتطابق معه في التنفيذ والأهداف، وإن توسع ليشمل أهدافا جديدة، والمحصلة هي التفريط في مزيد من الأرض والتخلي عن أوقاف وأملاك الدولة والتنازل عن ثروة مصر في شرق المتوسط.

العميل السيسي دشن استيلاءه على السلطة بتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المصرية مع قبرص واليونان، رغم رفض عصابة حسني مبارك توقيعها منذ 2006، في محاولة العسكر لضرب الكثير من العصافير بحجر واحد، تبدأ بحصار تركيا في البحر المتوسط لصالح اليونان، وتمر من توسيع نفوذ الصهاينة في غاز المتوسط.

خيانة السيسي قابلتها تركيا بعدم الاعتراف بالاتفاقية، إلا أنها كلفت العسكر التنازل عن مساحة تعادل ضعف مساحة الدلتا، حيث كشف د. نايل الشافعي، المحاضر بمعهد ماساتشوستس للتقنية، أن حقول ليفياثان الإسرائيلي وإفروديت القبرصي يقعان ضمن المياه الاقتصادية المصرية الخالصة، وبتوقيع السيسي على الاتفاق مع قبرص يكون قد اعترف بالتنازل عن حقوق مصر في تلك الثروات، كما أسفر ذلك التنازل عن منح اليونان منطقة اقتصادية خالصة لجزيرة كاستلوريزو المتنازع عليها مع تركيا، فيتحقق بذلك تلامس حدود اليونان مع قبرص، ويؤدي هذا الإجراء لتلاصق الحدود البحرية لكل من إسرائيل وقبرص واليونان، بما يسمح بتمرير أنبوب للغاز الإسرائيلي والقبرصي لأوروبا دون أن تدفع إسرائيل وقبرص أي رسوم لمصر.

التحرك المصري جاء ضمن الاستراتيجية الأمريكية لحصار الغاز الروسي ومنع عبوره إلى أوروبا، وضرب التحالف التركي الروسي في قضايا الغاز، حيث أصدر ترامب الأمر إلى قائد الانقلاب في فبراير 2018، بالتصديق على اتفاقية لتصدير 64 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر خلال 10 سنوات ومن ثم تصديره لأوروبا، واعتراف السيسي بسيادة اليونان على جزيرة كاستيللو ريزو المتنازع عليها مع تركيا.

التلاعب بمصر لصالح المصالح الاستعمارية وتقويض الأمة في مقابل تقوية إسرائيل، كلف الوطن إلى جانب التفريط في الأرض والغاز، التنازل عن أملاك مصرية وأوقاف تاريخية تعود إلى الحقبة العثمانية، وهو ما قوبل في الداخل بإقامة دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري، بمجلس الدولة، لوقف تنفيذ قرار الجهة الإدارية بتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان.

تقويض المقاومة

خيانة تلو خيانة، وعمالة يعقبها تفريط، والعميل الصهيوني في كل مرة يبرهن أنه رجل المرحلة لدولة الاحتلال العبري، ومن أجل إتمام المهمة بنجاح كان التخلص من حركة حماس أحد أهم المهام الموكلة إلى قائد الانقلاب الدموي، حيث كشفت «هآرتس» عن أن السيسي بذل ما في وسعه لذبح المقاومة وتقويض حركتها وفرض حصار صارم وقاتل على شعب غزة المنكوب.

ومنذ اليوم الأول للانقلاب الدموي تحركت الآلة الإعلامية للعسكر لشيطنة المقاومة وفي القلب منها حماس، في مشهد بلغ ذروته في مارس 2014، بإصدار حكم يحظر أنشطة الحركة في مصر والتحفظ على جميع مقراتها.

واستمرت عمالة السيسي، بإصدار محكمة الأمور المستعجلة بالقاهرة حكما في يناير 2015، يعتبر كتائب القسام منظمة إرهابية، أعقبه آخر بتصنيف حماس منظمة إرهابية، وجاء الحكم بعد دعوى قضائية تتهم الحركة بالضلوع في “أعمال إرهابية” داخل الأراضي المصرية.

إلا أن الأوامر الصهيونية صدرت بتخفيف الضغط على حماس، لإقناع الحركة بتسليم جثث جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي المفقودين منذ العدوان الأخير على غزة، حيث أوضحت مصادر إسرائيلية أن نتنياهو، تحدث مع السيسي من أجل إقناعه بالتوسط لحل مشكلة الجنود المفقودين.

الخريف العربي

ولأن تصاعد قوى الإسلام السياسي عقب ثورات الربيع العربي جاء بمثابة الفزع الأكبر للغرب المستعمر والكيان العبري، وجد حلفاء الشر في السيسي ضالتهم من أجل القيام بدور عراب الانقلابات، مستفيدا من الدعم المادي اللانهائي من ثنائي الدم (محمد بن سلمان ومحمد بن زايد)، في دور بدأ بحمامات الدم في سوريا واليمن وليبيا، إلى بوادر تقسيم تلوح في الأفق المنظور.

السيسي ومن خلفه “بن سلمان” و”بن زايد”، أحال الربيع إلى خريف دام بدعم خليفة حفتر في ليبيا ضد قوات حكومة “الوفاق الوطني” المعترف بها دوليا بزعامة فايز السراج، وهو المشهد الذي فسرته كانان أتيلجان، الباحثة في «كونراد أديناور» الألمانية، بأن قائد الانقلاب لن يسمح بحكومة في ليبيا على غرار تونس، من الإسلام السياسي، ولو كان شديد الاعتدال، لا في الحكومة ولا في المعارضة ولا بأي صورة، والقضاء على أي تحرك قد يفضي إلى ديمقراطية يكون الإسلاميون جزءاً منها.

ومن دور دموي ومأساوي في اليمن الممزق إلى غارات تدعم الانقلاب الفاشل في ليبيا، ودعم وتأييد السفاح السوري بشار الأسد في الشام، يرى ستيفانو ماركوتزي، الباحث بمعهد كارنيجي، أن الضربات الجوية المصرية والإماراتية في العمق الليبي لمناصرة حفتر، وانتهاك قرارات الأمم المتحدة، تمثل استمرارًا لمسلسل دعم الديكتاتوريات في بلدان الربيع العربي.

وأوضح ماركوتزي أن أصابع السيسي ستؤثر سلبا على استقرار الأوضاع في الدول المجاورة، ليس في مصر وحدها، وإنما أيضاً في السودان والجزائر، خاصة مع تحركات دعم العسكر في الخرطوم والجزائر، ليبرهن العميل السيسي على أنه رجل المرحلة لإنجاح الأجندة الصهيونية في المنطقة.

https://www.youtube.com/watch?v=_Js93sxzEuc

Facebook Comments