إعلان خارجية الانقلاب العسكري بمصر عن فشل مفاوضات سد النهضة مع تسعير إعلام الخراب لأجواء الحرب مع تركيا، لم يكن إلا “فذلكة” سياسية سخيفة لصرف الأنظار عن انكشاف الفشل الذريع لسياسة جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي في حماية مصالح أسياده في تل أبيب.

ودائمًا ما يزعم السفيه السيسي بأن حكومة الوفاق الوطني في ليبيا أسيرة لما سماها المليشيات المسلحة والإرهابية في العاصمة طرابلس، في حين يأخذ الرئيس التركي رجب طيب أروغان على عاتقه تقديم الدعم العسكري للحكومة الشرعية في مواجهة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، المدعوم من أطراف دولية منها الإمارات والسعودية وفرنسا وروسيا.

وبينما تداولت وسائل إعلام صهيونية أخبارا بشأن مشاريع مياه وطاقة مشتركة بين تل أبيب وحكومة الانقلاب بمصر، تناولت معاهد الأبحاث الأمنية والاستراتيجية بعمقٍ أطماع كيان العدو الصهيوني في التغلغل بإفريقيا ودول حوض النيل في ظل أزمة سد النهضة.

حرب مع تركيا

ومع إصرار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي تربطه علاقة وطيدة بنظيره الصهيوني بنيامين نتنياهو، على إنشاء سد النهضة على النيل الأزرق، استمرت عصابة الانقلاب بمصر في المماطلة وإضاعة الوقت، بل وطلبت وساطة صهيونية لدى أديس أبابا.

من جهته يقول الحقوقي والسياسي المصري عمرو عبد الهادي: “بمناسبة فشل مفاوضات #سد_النهضة وصفع آبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا للسيسي، رئيس جمهورية مصر العسكرية، وبما أن القنوات شغالة شحن معنوي للحرب المزعومة مع تركيا فإن المسافة بين القاهرة وطرابلس 2,436 كم، والمسافة بين عصابة الانقلاب وإثيوبيا 2,469 كم.. يعني ٣٠ كيلو يا ظلمة.. إزاي يحارب إثيوبيا؟!”.

وتشهد العاصمة الليبية طرابلس ردود فعل غاضبة من المواطنين الليبيين احتجاجًا على “مجزرة الكلية العسكرية”، الأسبوع الماضي، والتي أسفرت عن مقتل 30 طالبًا وإصابة 33 آخرين.

وتداول نشطاء ليبيون مقاطع فيديو تضمنت هتافات لمتظاهرين ضد السفيه السيسي، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، خلال مظاهرات شهدتها العاصمة الليبية طرابلس.

ويعد الهجوم على الكلية العسكرية بطرابلس هو الأحدث الذي يشنه طيران داعم لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، والذي ينازع حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليًا، على الشرعية والسلطة في البلد الغني بالنفط.

من ناحيتها، أكدت الحكومة الليبية أن “المعلومات الأولية بعد معاينة شظايا وبقايا الصاروخ، تبين أن مصدره هو طائرة مسيرة صينية الصنع، وأن دولة الإمارات دعمت مجرم الحرب حفتر بهذه الطائرة المسيرة، وفقا لتقارير لجان خبراء الأمم المتحدة”.

وعادة ما تنفي أبو ظبي دعمها لحفتر عسكريًا، وتقول إنها لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وقالت الحكومة الليبية المعترف بها دوليا، إن مجلس الأمن الدولي وافق على طلبها عقد جلسة طارئة حول ليبيا.

ودعت المجتمع الدولي إلى تدخل فوري وعاجل لردع العدوان على طرابلس وحماية المدنيين الأبرياء، إضافة إلى تقديم حفتر إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وقال رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، خالد المشري، إن المجلس “سيعلن قطع العلاقات مع الإمارات، وأننا في حالة حرب معها”، وشدد وزير الدولة الليبي لشئون أسر الشهداء والمفقودين وشئون الجرحى المفوض، مهند يونس، على أنه “يجب قطع العلاقات مع دولة الإمارات وإعلان أننا في حالة حرب معها”.

وبدلا من التدخل العسكري لإنقاذ المصريين من مصيبة سد النهضة أو سد إسرائيل، يهدد السفيه السيسي بالعدوان على الجارة ليبيا، ويتفوق الجيش المصري على نظيره الإثيوبي بوضوح، إذ يحتل الأخير المرتبة 41 من ضمن أقوى 133 جيشًا على مستوى العالم، بينما يحتل الجيش المصري المرتبة 10.

ويصلح للخدمة العسكرية في مصر 35.3 مليون نسمة مقابل 24.8 مليون شخص في إثيوبيا، ويصل عدد القوات العاملة في الجيش المصري إلى 454 ألف شخص مقابل 162 ألف جندي في الجيش الإثيوبي.

كما تبلغ إجمالي ميزانية الدفاع السنوية للجيش الإثيوبي 340 مليون دولار مقابل 4.4 مليار دولار للجيش المصري، لكن كيف يمكن للقاهرة أن تشن هجومًا عسكريًا ضد أديس أبابا؟

ضربة جوية

لا يوجد لمصر حدود مشتركة مع إثيوبيا، وهو ما يحمي الأخيرة نوعًا ما من خطر الهجوم البري، فهل تستطيع مصر استخدام أراضي الدول المجاورة لإثيوبيا للهجوم على السد؟

كانت هناك خطة مصرية سودانية في عام 2010، تقوم القاهرة بمقتضاها ببناء قاعدة جوية صغيرة على الأراضي السودانية لاستيعاب الكوماندوز المصريين الذين قد يتم إرسالهم إلى إثيوبيا لتدمير السد، لكن تدهور العلاقات المصرية السودانية جعل إنجاز هذه الخطة أمرا مستبعدا للغاية، فالخرطوم الآن تفضل التحالف مع أديس أبابا على التحالف مع السفيه السيسي.

تمتلك مصر كذلك علاقات جيدة مع دول أخرى تكن العداء لإثيوبيا كجنوب السودان وإريتريا، فهل تسمحان لمصر باستخدام أراضيها؟ هذه مخاطرة كبيرة لأنهما ستكونان عرضة لرد فعل إثيوبي عنيف، لكن إن حظيتا بإغراءات جيدة من عصابة الانقلاب ربما تسمحان بذلك.

كما تتفوق مصر على إثيوبيا بوضوح في العتاد البحري، فعصابة الانقلاب تمتلك 319 قطعة بحرية، في حين لا تمتلك أديس أبابا ولا قطعة بحرية واحدة، وسيبدو الأمر منطقيًا إذا علمنا أن إثيوبيا دولة “حبيسة” لا تطل على بحار أو محيطات، وبالتالي لن تستطيع مصر مهاجمة إثيوبيا عن طريق البحر إلا إذا اقتصر الأمر على إرسال قوات ومعدات إلى إريتريا تمهيدًا للقيام بعمل بري ضد أديس أبابا.

أما استهداف مصر لـ”سد النهضة” بصواريخ من البحر، فهو أمر مستبعد، إذ لا تمتلك عصابة الانقلاب بحسب المعلومات المتاحة أي طراز مُتقدم من صواريخ “كروز” بمقدرته الوصول إلى السد، فضلًا عن تدمير 10 مليارات متر مكعب من الخرسانة.

كما يتفوق سلاح الجو المصري بوضوح على نظيره الإثيوبي، فعصابة الانقلاب تمتلك 1132 قطعة جوية متنوعة بين اعتراضية وهجومية ونقل، بينما يتكون سلاح جو أديس أبابا من 80 طائرة فقط.

قد يكون استخدام سلاح الجو هو الخيار الأسلم في حال أرادت مصر عدم المخاطرة بتدخل بري في إثيوبيا خشية من عواقبه، أو في حال رفضت دول الجوار الإثيوبي أن تكون قاعدة انطلاق للقوات المصرية.

صفقة الرافال

وتبلغ المسافة من القاهرة إلى “سد النهضة” مرورًا بأجواء السودان 1400 كلم، وهو ما قد يكون عائقا أمام بعض المقاتلات المصرية، لكن سلاح الجو المصري المتنوع يضمن تذليل هذا العائق، فصفقة السلاح المصرية الأخيرة، التي ضمت بمقتضاها 24 طائرة رافال فرنسية إلى أسطولها، قادرة وحدها على إزالة هذا العائق، إذ تستطيع الرافال الطيران لأكثر من 3700 كيلو متر.

تخلصنا من عائق المسافة ليظهر لنا عائق آخر هو عائق الحمولة المطلوبة لهدم السد، نحن أمام مبنى خرساني عرضه 1800 متر، وارتفاعه 170 مترًا، وحجمه 10 مليارات متر مكعب من الخرسانة، لذا تحتاج مصر لاستخدام عشرات الأطنان من المتفجرات في حال أرادت التخلص من السد.

وفي حال تمت الضربة الجوية بعد عمل السد لتقليل الخسائر البشرية، فيمكن لـ”عصابة الانقلاب” لو أرادت استخدام قنبلة مخترقة للتحصينات “بانكر باستر”، هذه القنبلة قادرة على الانفجار في عمق المياه، مما يعطيها إمكانية الانفجار عند قاعدة السد، وهي أضعف نقطة فيه، وهي قنبلة يشاع أن عصابة الانقلاب تمتلكها، أو يمكن امتلاكها دون صعوبة كبيرة.

في إطار الحديث عن استعداداتها لصد أي هجوم جوي مصري مُحتمل، تواترت الأخبار عن قيام إثيوبيا بنشر بطاريات صواريخ فرنسية الصنع حول السد، لم تذكر المصادر نوع بطاريات الصواريخ، ولا مدى كفاءتها وقدرتها على صد هجوم مُباغت من مقاتلات مصرية حديثة كالرافال التي تستطيع المناورة والهروب بشكل جيد للغاية.

لكن ما نعرفه عن قاذفات الصواريخ الإثيوبية هو أن عددها 183 قاذفا، وبالطبع لن يتم نشرها كلها حول “سد النهضة”، لذا فإن صد هجوم مصري جوي كبير احتمال ضعيف.

Facebook Comments