منذ اليوم الأول لاندلاع ظاهرة المقاول الشاب في مصر، قلت إننا لسنا بصدد شخصٍ مسكونٍ بحلم التغيير الديمقراطي، أو هاجس الزعامة الشعبية، بل هو أشبه بعبوة مفخخة مجهزة للتفجير في وقت معلوم، لدى من بيدهم جهاز التحكّم بها.

كان ذلك على شاشة الجزيرة مباشر، حين لفت انتباهي وانتباه كثيرين إنه يتحدث بثقةٍ مفرطةٍ، وإحساس كامل بالأمان، فضلًا عن إحكام سيناريو التصعيد الدرامي، من الكلام عن ضرر شخصي من فساد أجهزة عبد الفتاح السيسي، ثم الانتقال إلى الشأن العام، في تحدٍ عجيب لصاحب السلطة.

اليوم، حسب المواعيد التي حدّدها القائمون على “مشروع محمد علي”، من المفترض أن يكون فاصلًا في حياة السيسي، حيث تتهاطل أمطار اصطناعية كثيفة منذ يومين، تقرّر اليوم والساعة التي سيتم التحرّك فيها، وتشتد حروب تسجيلات الفيديو القادمة من كل الاتجاهات، تنقل إلى الناس يقينًا مصنوعًا، بمنتهى الدقة، بأن اللعبة انتهت، وحانت ساعة الخلاص.

إذن، بات الجميع مدركين أن محمد علي هو الشجرة التي زرعت سريعًا لتحطّ فوق أغصانها أحلام الخلاص وأشواق التغيير، وهي الشجرة التي تُخفي وراءها غابة، بتعبير الفيلسوف مونتسيكيو، لكن أحدًا لا يملك إجابة عن سؤال من هو ملك الغابة المشتعلة بالكلام عن رحيل السيسي.

الشاهد أن الاعتقاد الأوسع لدى المصريبن الآن أن انقلابًا على الانقلاب في الطريق، إن لم يكن قد تم بالفعل، وأن ما يعلنه الممثل المقاول ليس شطحات شابٍّ باحث عن الشهرة والزعامة، الأمر الذي يفجّر موجاتٍ من القلق الشعبي مما هو قادم، إذ تنحصر الهواجس في موضوعين أساسيين: إما أن يخرج السيسي من الصورة إلى الأبد.. أو يخرج من هذه العاصفة أكثر تسلطًا وتوحشًا مما قبل، لتدخل البلاد في مرحلة جديدة من العنف والدم والقمع.

يلفت النظر في الساعات الأخيرة ذلك التقارب الذي يشبه التطابق بين مضمون رسائل محمد علي ورسائل وائل غنيم، وخصوصًا في النقطة الجوهرية التي تشير إلى البدائل، وهي تبدو قريبةً من السيناريو السوداني، عسكرية بقشرة مدنية، عند كليهما، وإنْ كان غنيم أكثر وضوحًا بالحديث عن الفريق محمود حجازي، صهر السيسي وشريكه وأكبر ضحاياه في الوقت ذاته.

في الإجمال، يُحسب للمقاول الشاب أنه أعاد الناس إلى التفاعل والاشتباك والجدل بشأن الخروج إلى الشارع، وعادت مفردات الحشد والشحن والنزول إلى الألسنة، لأول مرة منذ العام 2016 مع التظاهرات على تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، كما يحسب للسيسي وعليه أنه أوصل الناس إلى القبول بأي بديل، عسكريًا كان أو مدنيًا، أو مزيجًا منهما، إذ تشبعت مصر من القبح والقهر والبلادة إلى الحد الذي بات الناس معه لا يفكّرون في المستقبل، بقدر ما يتعلقون بحلم الانعتاق من حاضر كريه.

في ذلك كله، هل نحن بصدد مشروع تغيير حقيقي أو حراك شعبي أصيل؟ ظني أن مصر، في هذه اللحظة، لا تشهد حراكًا سياسيًا بالمعنى الحقيقي للحراك، بل نحن بصدد حركات سينمائية تشبه دراما سينما المقاولات، وبعبارة واحدة: ماتت السياسة وحضر الآكشن في الخطاب الصادر عن مشروع محمد علي، وخصوصًا وهو يعلن، في الإطلالات الأخيرة، احتقارًا لفكرة الحياة الحزبية والبرلمانية، والدستورية أيضًا، وبتعبيره الضحل للغاية “الأحزاب يعني فكر واحنا مش عايزين فكر دلوقتي”، طارحًا حلًا ينتمي إلى ديمقراطية عد الرؤوس، وهي فكرة بدائية خطيرة تنتمي إلى مجتمعات ما قبل الوصول إلى أدوات الصراع السياسي المتحضر، من دستور وبرلمان وصندوق الانتخاب، وسيلة وحيدة لقياس إرادة الجماهير ورأيها.

هذا يعني مباشرة أننا لسنا بصدد حركة تغيير ثوري، وإنما هي عملية تبديل، أو إزاحة وإحلال داخل النظام ذاته، وهذا في حد ذاته طيب، بل ومطلوب، إذ يلامس في الحد الأدنى أحلام الناس في استنقاذ المعتقلين وكبح جماح المقتلة الدائرة في البلاد منذ استيلاء السيسي على السلطة بانقلابٍ عسكريٍّ مكتمل الأركان، حتى وإن كان مغلفًا بقماشةٍ جماهيريةٍ مصنوعةٍ بحرفية شديدة.

كل ما يجري يثبت أنه ليست هناك ثورة بالمعنى الحقيقي إلا ثورة يناير، إذ كانت مطرًا طبيعيًا اغتسلت فيه الأرواح والقلوب، ونبتت بذور الحلم بوطن إنساني ديمقراطي عادل وكريم ومتحضر. أما ما نحن بصدده الآن فهو استمطار اصطناعي لسحب العجز وقلة الحيلة، لا يملك أحد رفاهية أن يرفضه، أو يمنع نزوله أو يحرّض الجماهير ضده في لحظةٍ بلغت فيها مصر حدًا من التصحر الإنساني والأخلاقي والاجتماعي، بات مهددًا لوجودها كله.

مطر يناير وهواء يناير مختلفان تمامًا، وما نحن بصدده عاصفةٌ لا نعلم من أين تأتي، نرجو أن تحمل معها الخلاص من الكابوس، لكنها بالقطع ليست موجةً مثل موجات يناير النقية، ذلك أن يناير كانت وستبقى إبداعًا شعبيًا خالصًا، أتى من عمق الذات المتعبة الحالمة بالتغيير الكامل، ولم تكن أبدًا صناعة أجهزة، أو عشبًا يتصارَع فوقه الأفيال.

وعلى الرغم من ذلك، وبمنتهى البراغماتية، القيمة العليا المفروضة علينا الآن، أتمنى نجاح مشروع عاصفة محمد علي، وقبل ذلك وبعده، لك يا وطني السلامة.
نقلا عن “العربي الجديد”

Facebook Comments