في 11 أكتوبر 2018 كشف قائد الانقلاب عن عدائه السافر لثورة يناير التي ظل يتمسح بها ليخدع الجميع ويثبت ارجاء الحكم العسكري، حين انفعل خلال كلمته في ندوة للقوات المسلحة عند حديثه عن ثورة 25 يناير، زاعما “إن ما حدث في 2011 هو علاج خاطئ لتشخيص خاطئ، فالبعض قدم للناس صورة عن أن التغيير من الممكن وأن يحدث بهذه الطريقة، وأن هناك عصا سحرية سوف تحل المشكلات”!.

وعاد قائد الانقلاب ليكرر هجومه على الثورة الذي قام انقلابه ليجهضه في شرم الشيخ 5 نوفمبر 2018، زاعما أنه “كان تحركا غير مدروس وأنه لن يصفها بالمؤامرة”!!.

وقلل من شأنها بقوله إن “التكلفة الإنسانية والمالية والأخلاقية التي دفعتها دول المنطقة التي شهدت صراعات وأزمات، أكبر بكثير مما لو كان استمر الوضع فيها دون تغيير”!!، وزعم السيسي أن الفراغ الذي سببه التغيير ملأه “الأشرار”، في إشارة الي التيار الإسلامي وجماعة الاخوان!!

ويتحدث السيسي دوما عن تولي الأشرار الحكم دون ان يعترف ان صعود الاخوان للسلطة جاء برغبة الشعب وعبر صناديق الانتخابات لا الدبابة كما فعل هو بانقلابه العسكري وصادر رغبات الشعب ومنعه من الكلام.

ورغم أن تسلسل خطاباته وأحاديثه الصحفية والتليفزيونية منذ انقلابه حتى الان، تظهر أن الديكتاتور «السيسي» بدأ بالإشادة بـ 25 يناير كثورة، خرج فيها المصريون للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية، ثم بدأ يزعم أنها انحرفت بعدما فاز التيار الإسلامي بالانتخابات الحرة التي جرت بسبب الثورة، وأن «30 يونيو» صححت مسارها، ثم بدأ يفصح عن عداؤه الواضح لها.

هل وصل لحكم مصر بتشخيص خاطئ؟

لو طبقنا ما يردده كذبا قائد الانقلاب وأركان حكمه وإعلانه أن ثورة يناير كانت “مؤامرة” و”تشخيص خاطئ” على حالة السيسي نفسه وما وصل اليه الان بعد اغتصابه حكم مصر فإنه يمكن القول بنفس المنطق المعوج أن حكم السيسي لمصر خاطئ.

فلولا الثورة ما كان أحد يسمع عن السيسي أصلا ولكان مجرد ضابط في الجيش، ولكنه وصل لحكم مصر نتيجة هذا “العلاج الخاطئ” و”التشخيص الخاطئ” الذي يتحدث عنه لما حدث 2011، وترتيبا على حديث من أن الثورة مؤامرة فلابد أن يتم عزله من منصبه لأنه صعد على اكتاف هذه الثورة الي مقعد الحكم !!.

ولو كانت بالفعل ثورة 2011 علاج خاطئ، فالمستقبل كان سيحمل للسيسي في أقصى تقدير ومع أقصى أحلامه تعيينه محافظا لبني سويف، ولكن الثورة غيرت مسار حياة السيسي وحياة المصريين، وظهر ان هذا العلاج خاطئ فعلا وفيه سم قاتل نتجرعه جميعا الآن.

لذلك فاراء قائد الانقلاب بشأن الربيع العربي هي استكمال لآرائه التي بدأت تتكشف عن عداؤه لثورة يناير، وتظهر بوضوح حقيقة الانقلاب والهدف منه وهو القضاء علي الربيع العربي وقتل الحريات والديمقراطية لا محاربة الاخوان فقط.

لماذا دعًم الجيش “مؤامرة يناير”؟!

سؤال أخر لو كانت الثورة مؤامرة: لماذا وقف الجيش مع هذه المؤامرة التي وصفها السيسي بانها علاج خاطئ مشاكل مصر؟ ولماذا الجيش دعم الثورة إذا؟ أم ان الامر كان خطة لامتصاص حماس الثوار وتفتيته ثم ركوب الثورة والاستفادة منها في عودة إيصال الجيش للسلطة مرة اخري بالانقلاب العسكري علي التجربة الديمقراطية الحرة الوحيدة في تاريخ مصر.

ولماذا لم يصفق قادة الجيش الذي حضروا لقاءات السيسي الذي حاول فيها وصف الثورة بانها مؤامرة؟ وهل يعني هذا رغبتهم في عدم التورط في اظهار العداء للثورة لأن هذا سيكشف الالتفاف العسكري على ثورة الشعب واجهاضها ومن ثم محاولة الإبقاء علي شعرة معاوية معها ربنا لإيهام الشعب مرة اخري أن الجيش شيء والانقلاب شيء أخر؟

الدفاع عن الثورة “جريمة”!

برغم أن اعتقال سلطات الانقلاب غالبية رموز ثورة يناير بداية من رموز التيار الإسلامي وحتى الليبراليين واليساريين، إلا أن تحقيق نيابة الانقلاب مع المدافعين عن الثورة أيضا أكد أنهم يعتبرونها ليست فقط “مؤامرة” وإنما أيضا “جريمة”!!.

وقد كشف المهندس يحيى حسين عبد الهادي المتحدث باسم “الحركة المدنية” الاشتراكية، أنه حين جري التحقيق معه بسبب مقالته التي رفض فيها اعتبار السيسي الثورة “مؤامرة” و”علاج خاطئ”، وكان يدافع فيها عن ثورة يناير 2011، وجهت له تهم إهانة السيسي وتكدير السلم ونشر أخبار كاذبة، ما يعني محاكمته لأنه دافع عن الثورة، ويعني ان الثورة “جريمة”؟!!

وكان عبد الهادي كتب مقالة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، انتقد فيها تصريحات السيسي حول ثورة 25 يناير 2011، والتي قال فيها السيسي “إن ما حدث في 2011 هو علاج خاطئ لتشخيص خاطئ”، قال فيها: “لا يضير الثورة أن يكرهها القتلة ووزراء السخرة ولصوص المال العام وتجار الآثار وعبيد (الأرز)، ولكن العار والوحل يلطخان من يختار أن يصطف مع هؤلاء على نسقٍ واحدٍ”.

فشلوا في تشويه الثورة

وفشلت محاولات السيسي وسلطة واعلام الانقلاب في تشويه ثورة يناير بتصريحات السيسي المتتالية أو خلال محاكمات حبيب العادلي وشهادة مبارك في محاكمة الرئيس مرسي، بل وتكًشف وجه نظام السيسي كعدو واضح للثورة بعدما ظل يتمحك بها بحثا عن شرعية لدي الشارع المصري، وهذه من أبرز علامات فرز وتحديد هوية نظام الانقلاب كثورة مضادة بعدما تصور أنه سيطر على البلاد.

فقد احتفى اعلام الانقلاب بشهادة مبارك حين حاول الزعم أن ثورة يناير مؤامرة، واحتفي بما قاله اللواء حبيب العادلي، وزير الداخلية الأسبق، أن 25 يناير مؤامرة وليست ثورة، برغم أن مبارك متهم رسمي وبشهادة حكم محكمة نهائي أنه “لص” هو وابناؤه، والعادلي متهم بقتل الثورة واللصوصية.

وما لم يقله قائد الانقلاب هو أن التكلفة الإنسانية والاخلاقية لانقلابه وللثورة المضادة باهظة وأكبر بكثير من الإبقاء علي الربيع العربي وعدم الانقلاب عليه بعدما قتل الاف المصريين وأفقر الشعب وأفلس مصر وزاد ديونها 5 اضعاف، واسهم في زيادة العداء للإسلام وانتشار الالحاد، وتدهور الاخلاق في مصر، ونشر تجربة الانقلاب الفاشلة لباقي الدول العربية.

ويزعم السيسي ان الشعب تحمل رفع الأسعار ولم يخرج للتظاهر بدعوي أنه أدرك مخاطر الطريق الذي كانت تسير فيه مصر بثورة يناير، وتناسي أن القمع والقتل وراء قهر الشعب.

الخلاصة

تبدو رسائل السيسي في غالبية خطبه الاستعراضية اشبه بتحذير للمصريين من الثورة مجددا على اغتصابه للسلطة وعلى سلطة الانقلاب، بدعوي ان هذا سيؤدي الي الخراب، لذلك من الطبيعي ان يسعي لتشوية ثورة يناير النموذج الذي يخشى تكرره ضده، وبرغم أن انقلابه هو الذي ادي بمصر للخراب الاقتصادي والأخلاقي والديني والسياسي والإعلامي.

فرسائله تدل على استمرار رعبه من الثورة الشعبية وانه مقتنع في قراره نفسه ان الشعب غير راض عنه لذلك يقول لهم: “حتى لو الحكام مش جيدين، أوعوا من الشعارات والكلام المعسول الذي يؤدي بكم إلى الضياع، اشتغلوا، اصبروا، تحملوا، قاسوا، عانوا، بس متعانوش من الخراب”!!

فخلاصة منطق السيسي هو نفس خلاصة منطق “الثورات المضادة” القائم على أن: التفكير في التغيير = فتح باب الجحيم!
لذلك كلام السيسي ملخصه أنه لا يجب ان يحلم المصريين بثورة ضده وأن ثورة يناير مؤامرة وجريمة ومن سيخرج عليه ويعارضه سيصنف كمجرم (!)، وأنه لغلق الباب امام فكرة التغيير تماما وتداول السلطة “سنقوم بتعديل الدستوري لابقي مغتصبا للسلطة مدي الحياة”!!.
ولكن ما يجهله قائد الانقلاب هو أن الشعب لا يعنيه تشويه تاريخ ثورته (يناير 2011) لأنها الشيء المضيء الوحيد في تاريخ مصر الذي اعاد الكرامة والحرية والديمقراطية والانتخابات الحرة، وأن الشعب لا يعنيه ان يعدل السيسي الدستور او يستمر في بناء معالم دولته القمعية، ففي لحظة سيقررها الشعب – مثل 25 يناير 2011 – سيقتلع هذا النظام الاكثر بشاعة من كافة الانظمة القمعية المجرمة التي شهدتها مصر.

Facebook Comments