في مصر إن قتلوك فاعترضت.. أو سجنوك فاعترضت.. أو منعوا قوت يومك فاعترضت، ففي انتظارك جولة من التعذيب في أقبية مليشيات العسكر، بعدها إن كان لك في العمر بقية تنتظرك قضيةٌ ملفقة ومحاكمةٌ ظالمة وقاضٍ يصرخ في وجهك صراخ الكلب العقور، قائلا “إنك إرهابي”، بعدها تساق كالعبيد في سيارة زرقاء تحمل جسدك الواهن المتعب من التنكيل والتعذيب والقهر إلى أحد السجون الشبيهة تماما بسجن المغول الذي تخيل جحيمه وجبروته مؤلف فيلم “أمير الانتقام”.

وتخيل أنت الآن أن أكثر من 100 ألف معتقل مصري يقبعون في سجون نسخة من ذلك السجن الذي شاهد المصريون خلاله الفنان الراحل “أنور وجدي” يحفر طريقا في أحشائه بأصابعه وأظافره لمدة سبع سنوات، عساه يخرج للنور والحرية، وأن من بين الـ100 ألف معتقل هؤلاء فتاة عشرينية كل جرمها أنها اعترضت على غلاء الأسعار.

سجن المغول!

“شريفة الشعراوي” فتاة تبلغ من العمر 20 عاما، زادت 60 سنة أخرى فوق عمرها، جراء الظلم الوحشي الذي تعرضت له في محبسها، وبعد أن كانت تنتظر مستقبلا تتمنى أن يمتلئ بالأمل بعد أن تُنهي دراستها في كلية التربية الرياضية، أضحت بين ليلة وضحاها معتقلة ضمن 100 ألف معتقل أو يزيدون، ومضى عليها في زنزانتها أكثر من 150 يومًا، ضمن قضية ملفقة برقم 488 لسنة 2018، وتهمتها “الانضمام لجماعة إرهابية”.

“شريفة” محتجزة بسجن القناطر في ظروف سيئة لمجرد احتجاجها على غلاء الأسعار، والسؤال المرّ على طرف لسان الوطن: من ينقذ شريفة، وكل شريفة داخل سجون العسكر من بين أنياب اللئام ومن التصفيات السياسية التي لا تتحملها النساء؟.

تُعتقل “شريفة” وأخواتها في زنازين خلف أبواب حديدية صدئة وواقع مرير يفتقد لأدنى شروط الإنسانية، بينما تصفق عضوات “المجلس القومي” للمرأة برئاسة الدكتورة مايا مرسي، لجنرال إسرائيل السفيه السيسي، لقمعه وقهره الدائم للمرأة المصرية بشكل عام والمرأة المؤيدة للشرعية والرافضة للانقلاب بشكل خاص، والتي أثبتت أنها قادرة على الوقوف بصلابة وقوة من أجل إسقاط الانقلاب.

وأمام هذا التصفيق للقاتل على جثث النساء والفتيات المعتقلات في السجون، يأتي دور السفيه السيسي الذي اغترف من خزائن المصريين المنهوبة غرفة بيده، ووافق على مشروع موازنة “المجلس القومي للمرأة” للعام المالي 2019-2020 بإجمالي 69.98 مليون جنيه، مقابل 44.32 مليون جنيه للعام المالي 2018-2019، بزيادة قدرها 25.66 مليون جنيه، مقابل تهليلهن وتصفيقهن للدم.

ووفقًا لتقرير الحالة الحقوقية للعام 2018 الصادر عن مؤسسة الشهاب لحقوق الإنسان، عانت المرأة المصرية في مصر وما زالت من انتهاكات عديدة، إذ تعرضت للاحتجاز التعسفي والسجن والإهانة والتحرش داخل المعتقلات، وكذلك الحرمان من الزيارة ومنع دخول الطعام أو الأدوية، وقد حُكم على بعضهن بأحكام حبس تصل إلى 5 سنوات بسبب آرائهن أو القرابة أو النسب أو نشاطهن الحقوقي.

ووثقت “الشهاب” وجود 69 امرأة من بينهن الفتاة “شريفة الشعراوي” رهن الحبس والسجن بسبب التظاهر السلمي أو لكونهن ناشطات حقوقيات أو زوجات لبعض المحبوسين أو يبحثن عن أزواجهن المعتقلين أو بطريقة عشوائية، كما وثَّق التقرير القبض على 66 امرأة تعسفيًا، تعرضت 26 امرأة منهن للاختفاء القسري حتى ظهرن أمام النيابة في قضايا واهية، وما تزال 6 منهن رهن الاختفاء القسري.

شركاء القاتل

وطبقا للناشطة الحقوقية المعنية بملف الفتيات والسيدات المعتقلات، فاطمة عبد الله، فإنهم توصلوا من خلال التقارير التي أعدوها إلى أن من بين هذا العدد 154 تعرضن للاختفاء القسري ثم ظهرن، و13 حالة تعرضن للإهمال الطبي، منهن 3 في حالة حرجة، كما قضت المحاكم المختلفة على 5 منهن بالإعدام حضوريا وغيابيا.

وتضيف عبد الله أنه طبقا للتقارير ذاتها، فإن 133 قتلن بالرصاص الحي والخرطوش خلال المظاهرات، إضافة لمقتل 176 حالة، إما نتيجة الإهمال الطبي في السجون، أو في حوادث سير أمام السجون خلال زيارة ذويهن، و356 حالة تعرضن لانتهاكات خلال الاحتجاز التعسفي أثناء زيارة ذويهن بالسجون.

وتقول الناشطة الحقوقية، إن عدد اللاتي تم تحويلهن للمحاكمات العسكرية حضوريا وغيابيا بلغ 23 حالة، إضافة لفصل 526 طالبة من جامعاتهن، كما صدرت بحق 304 حالات أحكام حضورية وغيابية، بمجموع سنوات أحكام وصلت إلى 1274 سنة و3 أشهر، كما بلغ مجموع الكفالات والغرامات التي تم دفعها للمعتقلات ما يقرب من ثلاثة ملايين جنيه مصري، وبلغ عدد اللاتي أدرجن بقوائم الإرهاب 93 حالة، وتمت مصادرة أموالهن، أما اللاتي منعن من السفر فبلغن 106 فتيات وسيدات.

وتضيف عبد الله أن هناك ضغوطا أمنية كثيرة تحيط بعملهن الخاص بحقوق المعتقلات، وأنه في بداية الانقلاب تمت مخاطبة المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للأمومة والطفولة، لكنه تجاهل الشكاوى، ورفض حتى مجرد التضامن معهن، وهو ما تكرر مع منظمات نسوية أخرى غير حكومية، مثل جمعية المرأة الجديدة، والمركز المصري للمرأة، كما لجأن للنائب العام، وقدمن مئات الشكاوى عن الاختفاء القسري والتجاوزات التي حدثت في حق بعض الفتيات والسيدات المعتقلات، ولكنه لم يحرك ساكنا.

لم يعد السؤال مجديا

وأطلق السفيه السيسي، منذ غدره وانقلابه على الرئيس الشهيد محمد مرسي في 3 يوليو 2013، حربا شعواء من أجل تصفية معارضيه، ساعده في الترويج لها كتيبة من الإعلاميين والسياسيين ونفذها ميدانيا رجال الشرطة والجيش.

ولم تسلم النساء والفتيات من بطش السفيه السيسي وعصابته في الشرطة والقضاء والجيش، حيث استشهد الالاف من النساء برصاص السفيه السيسي واعتقلت مئات النساء، وسجن العشرات منهم، وتعرضت أخريات للاختفاء القسري.

وتفيد أغلب الشهادات بأن السجينات يتعرضن للإهانة الجسدية والجنسية داخل المعتقلات، وحرمانهن من الزيارات ومنع دخول الطعام أو الأدوية الخاصة بهن إلى داخل السجن، وحبسهن في أماكن لا تليق بالاستخدام الآدمي.

ولم يعد السؤال مجديا أين القضاء المصري؟، لأنه بات مشاركا مع العسكر في الانتهاكات الحقوقية الممارَسة بحق مئات السجينات بمصر والتي وثقتها تقارير دولية، ولم يعد مجديا كذلك السؤال لماذا يتجاهلها المجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس القومي للمرأة وغيرهما من الجهات التي باتت شريكة في الجريمة، أو حالات الاحتجاز القسري وغيرها من الممارسات ومحاسبة المتورطين، أو معاناة أسر هؤلاء المعتقلات، أو مئات القصص التي ترصد انتُهاك حقوقهن بطريقة فجة لا تنسجم مع التقاليد العربية الإسلامية، ولا مع المعايير الحقوقية الدولية، وبعضهن لجأن إلى دول أخرى للإقامة فيها خشية إعادة اعتقالهن.

Facebook Comments