لا أحد يستطيع الجزم بمآلات الأزمة الليبية، حتى أطرافها أنفسهم؛ إذ الواقع الذى تفرضه الظروف والمستجدات وكثرة الأطراف، المحلية والإقليمية والعالمية، قد يغير المعادلة فى أى لحظة، وقد يأتى بنتائج لم تكن فى الحسبان، خصوصًا كلما اقتربت قوات «الوفاق» من الناحية الشرقية.

غير أن أقل التوقعات، من وجهة نظرى، أن «حكومة الوفاق»، وفى داخلها الثوار، وبعد تقدماتها الأخيرة، قد فرضت نفسها وبقوة كمحرك رئيس وفاعل للأحداث، وكشريك أصيل فى أى عمليات تفاوضية، فلن تنجح مبادرة إلا بإنزالها منزلتها.

لقد وضعت التطورات الأخيرة الوفاق فى واجهة الدولة الليبية؛ توكيدًا للشرعية الأممية التى اكتسبتها من قبل، والمقصود بالتطورات هو نجاحها فى دحر الطرف المُعَادِى، ثم انطلاقها لإعادة السيطرة على مساحات شاسعة من الأهداف والمناطق الإستراتيجية، ومن ثَمّ دفع المخاطر عن العاصمة، وإنهاء الحصار الذى ضُرب حولها لما يزيد على العام تعرضت أحياؤها أثناءه للقصف العشوائى فضلًا عن استهداف المشافى والمؤسسات الخدمية.

أما أبرز المشاهد فى هذه التطورات فهو بروز حقيقة الأزمة الليبية للكافة، وهى فى مجملها لا تختلف عن باقى أزمات الدول العربية التى يسيطر عليها «حفاترة» لا يختلفون عن أخيهم الذى فى ليبيا، والذى باع دينه وبلده فى سبيل مجد شخصى زائل، ولا يزال يقتل ويحرق ويستقدم الأجنبى ويجند المرتزقة بأموال دولة الإمارات القزمة وبمساندة المشبوهين وكارهى الدين،  ولو سُئل الآن: يموت الشعب وتحيا أنت؟ لقال بلى.

وبدا لنا من الأحداث كيف أن القوة تفرض نفسها، وكيف أن الأذناب يختبئون منها، وأن القبلية تذوب إزاءها، وأنها تفرض على الجميع التزام الأدب؛ فقد فر«الكانى» من ترهونة مخلِّفًا عصبيته وإجرامه وعمالته كما خلَّف أمواله وأطيانه التى سرقها من شعبه، وفى «الأصابعة» و«بنى وليد» وغيرهما رأينا الأحرار يعلنون مؤزارة الثوار فى حين اختبأ أو فر الفجَّار الذين لا يظهرون خيانتهم إلا فى حماية مستبدين أو تحت عباءة  محتلين.

لهذا فإن الحق يلزمه قوة تحميه، ويلزمه سلاح؛ لأنه اللغة الوحيدة التى تكبت الباطل وتخرس مناصريه، وقد كان للأسلحة من «البيرقدار» وكاسحات الألغام والبوارج والعربات ذات التقنيات العالية إلخ كلمتها فى حسم المعركة، وبسط السيادة، ولا نجاح إلا بامتلاك السلاح الرادع، إما إنتاجًا أو حلفًا مضمونًا، ومثله امتلاك المراهن السياسى الذى يملك القدرة على التفاوض والتمهيد للعمل العسكرى أو الاتفاق المرجوح؛ ما يسرِّع بالانتصارات، ويحد من الخسائر، ويربك أطراف المعادلة. وفى هذا المقام يجدر التنبيه على «ثوار ليبيا» أن يكونوا أكثر تنظيمًا وإظهارًا للهيئة العسكرية الجادة، لا كما رأينا بعضهم، وهم فى ملابس الدعة.

ولو ثمة نداء فهو للشعب الليبى الذى نال حظه من التقسيم المجتمعى اللعين بأيدى المجرمين، الذين استغلوا الإعلام والأموال والقبلية فى زرع هذا التقسيم، أقول لهم: ها قد رأيتم ما فعل بكم المرتزقة الذين نهبوا بيوتكم، وخطفوا بناتكم، واحتجزوا شبابكم رهائن وقتلوا منهم عددًا ثم فخخوا جثثهم ليمنعوا تقدم الثوار، وإذا كانت تلك أفعالهم ولم تُحسم الأمور لمستقدميهم فكيف لو بسطوا أيديهم على بلداتكم؟ وإذا كانت تلك عقيدتهم، وهم المأجورون، فماذا تكون عقيدة زعمائهم الحقودين من «الحفاترة»؟

ولقد رأيتم فى المقابل أخلاق إخوانكم وأبنائكم الثوار، وكيف والأجواء أجواء حرب ونقمة لا ينطقون ببذىء ولا يتوعدون، ولا يجهزون على جريح، ولا ينكلون بأسير؛ ما يؤكد أنهم نبت ليبيا ونسل المختار من ذوى الدين والمروءة، أو كما تقول لهجتكم «تريس» أى ذوو رجولة ووفاء، قدموا دماءهم منذ تسع سنوات، ولا يزالون، فداء لوطنهم خشية أن يحكمه علمانى معاد للدين، أو فاسد فاسق، أو طاغية مستبد.

كما على السلطة الشرعية والثوار أن يستفيدوا من التجربة، وألا يُلدغوا من الجحر مرة ثانية، بل أن يكونوا كما قال عمر عن نفسه: «لستُ بالخب وليس الخب يخدعنى»؛ فإن ما جرى فى سرت عام 2016م مع المدخلية يجب ألا يتكرر مرة أخرى، كما يجب ألا نغتر بأفعال الثعالب وسلوك المنافقين، فإن من الحكمة ألا يُفهم عفُونا «دروشة» ولا يكون ذلك إلا بإنزال العقاب على من ارتكب الحد وأسال الدم الحرام وأظهر العداوة للحق، وصدق العالم الذى سُئل يومًا عن معنى «ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» فقال: الكلمة الطيبة حكمة، والعفو حكمة.. وضربُ النعال فى بعض المواضع من أصل الحكمة.

Facebook Comments