نشرت الأهرام تحقيقًا يوم الإثنين (3 يونيو الجارى) حول عزوف الشباب عن الصلاة فى المساجد. وكعادة هذه الصحف فى عدم الشفافية فإنها اختزلت سبب هذه الظاهرة المؤسفة فى مواقع التواصل الاجتماعى التى أوجدت -حسب قول من حاورهم المحرر من الشيوخ والخبراء- عزلة نفسية وروحية لدى الشباب..

وهذا استخفاف بعقول القراء؛ إذ لا يخفى -وهم صرحوا بذلك- أن الظاهرة طفت على السطح فى الخمس سنوات الأخيرة؛ أى أنها -بدون جدال- أثر من آثار الانقلاب المشئوم، ونتيجة من نتائجه، وقد فشت لأسباب عديدة يعلمها المحرر وإدارة جريدته لكنهم يجبنون عن الاعتراف بها..

يتردد الشباب الآن فى الذهاب إلى المساجد خوفًا من وصمهم بالتطرف والإرهاب؛ فإن من يعتاد المساجد فى نظر النظام -خلاًفا للسنة التى تشهد له بالإيمان- خطر على الأمن، مهدد للسلطة؛ هكذا يقر إعلامهم بل سلوكهم الأمنى تجاه كل نبت متدين من فئة الشباب. ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إن كثيرًا من المساجد صارت أوكارًا للتجسس على الشباب، ورصدهم، والإبلاغ عنهم، ويُحكى فى هذا الصدد أن جهة سيادية بنت مسجدًا ففرح به الجميع، ثم اتضح أن الغرض منه كان رصد من يترددون عليه ليتم فصلهم فيما بعد بتهمة «المحافظة على صلاة الجماعة».

كان الشباب يرتاد المساجد قبل هذه السنين السود؛ لأنه كان يجد على هذا الخير أعوانًا، وهؤلاء الأعوان الصالحون اختفوا -مضطرين- من محيط هؤلاء الشباب، وقد قُتل منهم من قُتل، وسُجن من سُجن، وفر مهاجرًا من فر. لقد قطعوا العلائق بين الشباب الصالح، ووأدوا معانى الأخوة فى المجتمع، وصار الشباب نهبًا للأفكار التافهة والأنشطة السطحية، بعدما فقد القدوة وأعوزه الإرشاد.

لم يعترفوا بأن الناس على دين ملوكهم؛ إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًا، وملوك اليوم يعادون الدين، ويحاربون الصالحين ولا يترددون فى رمى المسلمين بتهم هم منها برءاء، والحوادث كلها دالة على أنهم يفعلون كل ما يغضب الله؛ فمن الطبيعى والأمر هكذا ألا يسعى الشاب إلى صلاة الجماعة أو إلى ذلك المكان الذى لحكومته موقف سلبى منه.

والشاب لا يرى ما يشجع على التردد على المساجد، فهم يغلقونها عقب الصلوات مباشرة، ومن يرد ممارسة شىء مما جُعلت له المساجد سيضع نفسه تحت سيف القانون؛ فكأن المساجد لم تعد دور عبادة وعلم وبيوت ذكر، بل صارت أشبه بمؤسسات حكومية منشغلة بتحصيل الفواتير والرسوم، تفتح أبوابها لهذا الغرض خمس مرات يوميًّا ثم تغلقها بأمر القائم عليها، ولا يحق لآحاد المسلمين الاعتراض على هذا الإجراء الذى لا تعرفه مساجد المسلمين التي تحدث عنها الكتاب السنة، بل لا تعرفها كنائس اليهود والنصارى.

ستظل هذه الظاهرة متنامية ما بقيت إجراءات تجفيف منابع الالتزام الدينى فى المدارس والجامعات والنوادى مستمرة؛ فإنها -أى المدارس والجامعات والنوادى- محاضن للشباب الصالح، وبيئة تربوية عملية رائعة خرجت أجيالاً من الدعاة المرموقين، وهم الآن -أى العسكر- أغلقوا هذه الأبواب، وسدوا منافذ الخير، بالعنف والإرهاب، والملاحقة والتجريم حتى صارت الجامعات على سبيل المثال أشبه بالمقابر، يدخلها الطلاب ويخرجون منها كالأصنام المتحركة؛ حيث لا رأى ولا نشاط ولا حركة..

اختفى الشباب من المساجد؛ لأن من فيها من الأئمة والخطباء -وهم بعشرات الألوف- على نمط واحد من النفاق والترخص فى موالاة الظالمين والركون إليهم -إلا من رحم ربى ممن لا يقدرون على قول الحق فيكتمونه دفعًا للأذى أن يلحقهم؛ فصارت المساجد كوسائل الإعلام الرسمية وكمؤسسات الدولة المختلفة لا تقول ما قال له الله ورسوله، بل ما يقوله المستبدون؛ ما جعل الشباب يفقدون الثقة فى هؤلاء الدعاة، وفى غيرهم من الذين يكثرون على الشاشات، ويفتون بما يخالف الشرع، والشباب أرق قلوبًا وألين أفئدة، وهذه الأفعال الرذيلة من جانب هؤلاء (الدعاة!) مما يترك أثره السيئ على سلوكهم، فيعتريهم الإحباط، وهو مقعد لصاحبه عن عمل الخير أو السعى لمواطنه.

ولو أننا فى بلد يهتم بالشباب وباحتياجاته، وجواذبه وميوله لوضعنا أيدينا على أساس المشكلة، لكننا فى (شبه دولة)، وأشباه الدولة لا تعتنى بالشباب -وهم عماد الأمم- ولا بغير الشباب. بل أقولها غير متردد: إنهم يبذلون الوسع فى إلهاء هؤلاء المساكين كى لا يسألوهم عما يفعلون، وقد تعددت وسائل هذا الإلهاء الذى لا يخطئه القارئ الكريم، ما بين مقاه بعشرات الآلاف أفسدت حياتنا، ولا رقيب عليها، وغالبية روادها من الشباب، وترتكب فيها المنكرات، ولا حسيب، ومثلها محلات الخمور التى زاد عددها ووجدت فى كل مكان، وتقف أمامها الطوابير.

أما الكرة فحدث ولا حرج، لقد نجحوا فى صرف اهتمام غالبية الشباب وحماسهم إلى تشجيع فرقها، ومن يرصد حال الشباب على المقاهى وهم يشاهدون مباريات المنافسة يصيبه الهم والغم من حرقة قلوبهم على فرقهم وارتفاع حناجرهم بالتشجيع لها، وهذا الصنف من الشباب يستحيل أن يكون غيورًا على دينه، همامًا فى حضور الجمع والجماعات، بل هو نتاج عهد أغبر من عهود السياسة الفاجرة التى أضرت الأمة وقطعت أوصالها.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments