حذَّرت دراسة من أن التعديلات الأخيرة التي أقرها برلمان العسكر بشكل مبدئي من لجنة الخطة والموازنة لقانون قطاع الأعمال العام، وقانون الطروحات الحكومية، وقانون الصندوق السيادي، هي لتمكين النظام من أكبر عملية بيع لمقدرات الدولة، لمواجهة أكبر أزمة اقتصادية تواجهها مصر، التي زادت ديونها على 108% من إنتاجها القومي، ووصلت الديون إلى أكثر من 120 مليار دولار.

وأضافت الدراسة التي أعدها “الشارع السياسي”، بعنوان “تعديلات قانون “الصندوق السيادي” تحصين بيع مصر مقابل ديون السيسي”، أن التعديلات الكارثية– وفق خبراء- ترافقت مع إقرار البرلمان مشروع تعديلٍ مقدمٍ من الحكومة على قانون شركات قطاع الأعمال العام، والهادف إلى تسهيل عمليات بيع وخصخصة شركات القطاع، وطرح أصولها للبيع أمام القطاع الخاص، تحت ذريعة تدوير جزء من استثماراتها لتوفير الأموال اللازمة لإنشاء مشروعات جديدة، وتعظيم ثروة المالك “الدولة” من استثماراته بهذه الشركات.

وأن من شأن التعديلات توسيع صلاحيات السيسي لينقل ملكية ما يشاء من الأصول العامة المصرية إلى الصندوق السيادي بقرار غير قابل للطعن القضائي، وللصندوق إبرام ما يراه من عقود دون التعرض لحق الطعن العام، دون استثناء عمليات الخصخصة من تلك العقود، وهذا يعني وجود بوابة للخصخصة محصنة من أي طعن قضائي مستقبلا.

فوق القانون

ورأت الدراسة أن التعديلات تتعلق بإعفاء الصندوق الرئيس والصناديق الفرعية والشركات التي يسهم فيها، من ضريبة القيمة المضافة التي تقدر نسبتها بـ15% من عمليات البيع والشراء، واشترطت التعديلات ألا يخل الإعفاء الجديد، بالإعفاءات التي حصل عليها الصندوق في أي قانون آخر، وجرى تعديل مسمى الصندوق من “الصندوق السيادي المصري” ليصبح “صندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية“.

كما أعفت التعديلات كل معاملات الصندوق والجهات المتعاملة معه من الرسوم المقررة للتسجيل في الشهر العقاري، المتعلقة بنقل الملكية أو عمليات البيع والشراء، ومنحت التعديلات الجديدة الصندوق، حرية اختيار بيوت الخبرة المحلية، بالإضافة للأجنبية، لتقييم الأصول التي سيتم ضمها أو بيعها من خلاله.

ومنحت التعديلات صلاحيات واسعة للصندوق للتعاون والمشاركة مع الصناديق العربية والأجنبية النظيرة والمؤسسات المالية المختلفة في إدارة الأصول والممتلكات المصرية، وأضافت التعديلات مادة جديدة، تلزم المحكمة المختصة بالحكم من تلقاء نفسها بعدم قبول الطعون أو الدعاوى المتعلقة بالمنازعات، ما يمنع الطعن على القرارات أو التصرفات التي يتخذها الصندوق لتحقيق أهدافه لغير أطراف التعاقد.

وأجاز تعديل القانون لرئيس الجمهورية نقل ملكية الأصول المستغلة المملوكة للدولة، أو غير المستغلة إلى الصندوق، محدداً طرق وآليات تقييم أصول الصندوق، والذي يتكون رأس ماله المرخص به من 200 مليار جنيه، ورأس ماله المصدر من 5 مليارات، بما يفتح الباب تلقائياً لخصخصة وبيع الآلاف من الكيانات الحكومية.

اتجار بالديون

وأشارت الدراسة إلى أن مصر لا تملك أي فوائض مالية أو ثروات كبيرة لاستغلالها وتعظيم رأس مال الصندوق، سوى بيع أصول الدولة وممتلكاتها، من مقار حكومية ومبان وأراض وشركات عامة وقطاع أعمال وأموال مصادرة، بل ان الاتجار بالديون، هو ما يستهدفه النظام، ففي 6 مايو الماضي، أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع حجم الديون الخارجية المستحقة على مصر إلى نحو 112.67 مليار دولار بنهاية ديسمبر من عام 2019، مقابل 96.61 مليار دولار بنهاية ديسمبر من عام 2018، محققة ارتفاعا نسبته 16.6 %، وقدره 16.1 مليار دولار على أساس سنوي.

وأشارت إلى أن الدين الخارجي في مصر قفز بنسبة تصل إلى 145%، منذ استيلاء عبد الفتاح السيسي على السلطة في منتصف عام 2014، إذ لم تكن الديون الخارجية (آنذاك) تتجاوز 46 مليار دولار، نتيجة توسعه في الاقتراض من الخارج لتمويل مشروعات غير ذات جدوى اقتصادية، على غرار “تفريعة” قناة السويس، والعاصمة الإدارية الجديدة، ومن ثم تسود تخوفات لدى الأوساط الاقتصادية والسياسية في مصر، من تضمن بنود تحصّن النظام المصري من أي ملاحقات قانونية، ما يسهل بيع أصول الدولة.

بيع الأصول بلا رقابة

وحذرت الدراسة من أن التعديلات تستهدف ضم الكيانات الاقتصادية التي تسهم فيها الدولة، سواء من خلال جهاتها التنفيذية أو شركاتها القابضة والتابعة ومؤسساتها، وهو ما جرى الإعلان عنه بالفعل يوم الثلاثاء 9 يونيو الجاري، حيث أعلن المدير التنفيذي لصندوق مصر السيادي “أيمن سليمان” أن الحكومة تسعى للتخلص من بعض ديونها ببيع أصول في الدولة لمستثمرين أجانب بالشراكة مع الصندوق.

وشككت الدراسة من دعاية مدير الصندوق من أن “المستثمرين سيشترون رؤوس أموال تلك المشاريع، وسيضخون الأموال للدولة المصرية حتى يمكن تدويرها في مشاريع أخرى ذات أولوية”.

وقالت “هو أمر مشكوك به، في ظل تسارع عليات التخارج من قبل المستثمرين الاجانب، والتي تقدر قيمتها بنحو 21 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية التي خرجت من مصر، منذ مطلع العام 2020″،

وأضافت أنه خلال زيارة السيسي للإمارات، لاسترضاء مستثمريها مؤخرا، أطلق صندوق مصر السيادي منصة استثمارية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ممثلة في شركة أبوظبي التنموية القابضة، بقيمة 20 مليار دولار للاستثمار المشترك في مجموعة متنوعة من القطاعات والمجالات، ومن أبرزها الصناعات التحويلية، والطاقة التقليدية والمتجددة، والتكنولوجيا، والأغذية، والعقارات، والسياحة، والرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية، والخدمات المالية، والبنية التحتية.

شركات استراتيجية مرشحة

وكشفت الدراسة عن أن قائمة الشركات المرشح ضم أصولها للصندوق تمهيدًا لبيعها أو الاستدانة على صيتها، هي شركات في قطاعات الغاز والبترول والفوسفات والحديد والصلب، ومحطات للمياه والكهرباء، ومن ذلك الشركة القابضة لكهرباء المناطق الأثرية، ومجمع التحرير، وأرض المعارض، وبعض شركات الإسمنت والبتروكيماويات، والشركة الدولية لصناعة المواسير الحديثة ولوازمها “ريجو“، كما تشمل خطط الضم، كبرى شركات المقاولات في العالم العربي “المقاولون العرب”، وشركة المقاولات المصرية “مختار إبراهيم”، وشركة “حسن علام” للمقاولات، كذلك من المخطط ضم مباني الوزارات والمجالس والجهات الحكومية التي سيتم إخلاؤها ونقل العاملين بها إلى مقار جديدة، بالعاصمة الإدارية، شرقي القاهرة.

ومن شأن التعديلات- بحسب الدراسة- تيسير نهب ممتلكات مصر وأصولها، عبر آلية الصندوق، الذي باتت سلطاته مطلقة، مستقاة من سلطات السيسي، التي حصنت قراراته في هذا الشأن، بطريقة غير مسبوقة في كل دول العالم، فتضمنت التعديلات بنودا تحصّن النظام المصري من أي ملاحقات قانونية، مما يسهل بيع أصول الدولة، ونصت التعديلات على أن “يكون الطعن في قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول، أو الإجراءات التي اتخذت بناء على هذا القرار، من الجهة المالكة أو الصندوق المنقول له ملكية ذلك الأصل دون غيرهما”.

موضحة أن ذلك ينقل خطورة تتمثل في عدم مساءلة القائمين على إدارة الصندوق، أو بالأحرى عبد الفتاح السيسي، حول كيفية التصرف في الأصول التي ستؤول إلى الصندوق.

وأضافت الدراسة أن الأوساط الاقتصادية والسياسية بمصر، تخشى من تكرار نموذج الخصخصة، الذي جرى بعهد النظام المخلوع، بعمليات فساد واسعة، بدأت منذ عام 1991 حين تم البدء في تنفيذ هذه السياسة ووصل عدد شركات القطاع العام التي جرى بيعها جزئيا أو كليا في الفترة بين عامي 1991 و2009 أكثر من 400 شركة، ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للمحاسبات، فقد بلغت حصيلة بيع الشركات العامة في هذه الفترة 50 مليار جنيه 2.8 مليار دولار، لم يدخل الخزانة العامة للدولة منها سوى 18 مليار جنيه فقط، وُجهت لسداد عجز الموازنة، فيما أكدت بعض التقديرات الرسمية بأن القيمة الحقيقية للأصول والشركات التي تم بيعها كانت تصل لنحو 500 مليار جنيه.

تعليلات خبراء

وساقت الدراسة في هذا الاطار تعليلات للدراسة لاعتبار التعديلات الجديدة كارثة، ومن ذلك ما قاله الخبير الاقتصادي ومدرس الاقتصاد بأكاديمية أوكلاند الأمريكية “مصطفى شاهين” من أن الصندوق السيادي المصري سيمثل صورة أخرى من الخصخصة وتدمير القطاع العام في مصر عبر بيع مرافقه.

ويعتبر “شاهين” تحصين قرارات السيسي، بشأن الصندوق “مصيبة كبرى” تقطع الطريق أمام أي تفاعل شعبي أمام القضاء، كما حصل سابقا في الوقوف أمام بيع حكومة “مبارك” لشركات، منها “عمر أفندي”، حين اشتكى مواطنون وحصلوا على أحكام توقف مساعي الدولة.

وفي حال التوسع في بيع حصص الشركات العامة مستقبلا، سواء عبر الطرح في البورصة أو عبر بوابة الصندوق السيادي، فإن الدولة ستكون هشة اقتصاديا، حسب رأي “شاهين”، الذي نوه إلى أن القطاع الخاص المصري ليس له أثر يذكر على تحسن قوة الإنتاج على مدار أكثر من ربع قرن، و”لم يلعب إلا دورا ثانويا في زيادة الإنتاج من السلع الهامشية، في حين تقوم شركات الدولة بالدور الأكبر والأكثر إنتاجا في قطاعات الحديد والأسمدة والبتروكيماويات وغيرها”، بجانب الأزمات العمالية المتصاعدة والمتوقع تفاقمها في الأيام المقبلة.

https://www.facebook.com/psar0/posts/2588618034693131?__tn__=K-R

Facebook Comments