قبل عامين من رحيل محمد حسني مبارك عن سدة الحكم، إثر ثورة شعبية بيضاء كانت حديث الصباح والمساء في العالم لإنهاء حقبة امتدت لـ30 من الفساد والقهر، وضع المخلوع مسمارًا إماراتيًّا على السواحل المصرية، ليفتح الباب أمام انتشار سرطان أبناء زايد في البلد المنكوب، على نحو لا يصب سوى في صالح جنرالات العسكر، ويزيد أوجاع المواطن المقهور تحت عتبات الفقر المدقع.

مسمار “أبو ظبي” الذي نخر الجسد المصري قبل 10 سنوات، عبر السيطرة على ميناء العين السخنة، أبَى قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلّا أن يغرسه في خاصرة الوطن، ليرد الدين كاملا إلى البلد الخليجي الذي فتح خزائنه من أجل استيلاء الجنرال على الحكم، ولا يزال يؤمّن بقاءه في السلطة لضمان بقاء القاهرة في خانة التابع، وعدم السماح لها بخلق استثمارات من شأنها أن تنازع الإمارات النفوذ.

تحرُّك الإمارات لإسقاط مكتسبات ثورة 25 يناير، وإسقاط أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر “الشهيد” محمد مرسي، لم يكن فقط مبعثه كره “بن زايد” لكل ما هو إسلامي، وكلّفه مليارات الدولارات من أجل التصدي لتوهج نجم الإخوان المسلمين في بلدان الربيع العربي، وصعودها كخيار شعبي لتولي السلطة وإصلاح ما أفسده العسكر، ولكن كان هناك أيضا محرك اقتصادي عجّل وتيرته إعلان الرئيس محمد مرسي عن إطلاق مشروع إقليم قناة السويس.

إقليم مرسي

في الرابع والعشرين من شهر يناير 2013، أعلن الرئيس الشهيد محمد مرسي عن تدشين مشروع “تنمية محور قناة السويس”، والذي يتضمّن إقامة منطقة تنمية كاملة صناعية وزراعية وتجارية وخدمية وتكنولوجية، بعرض بين 7-10 كيلومترات، وعلى امتداد القناة 193 كيلومترا، بهدف جذب المستثمرين من جميع أنحاء العالم.

المشروع الذي وصفه الرئيس الشهيد بـ”العبور الثالث”، استهدف تحويل القناة إلى مركز عالمي في الخدمات اللوجستية والصناعية، عبر إقامة إقليم متكامل اقتصاديا وعمرانيا ولوجستيا، ما بين ميناءي شرق التفريعة في الشمال، وميناءي العين السخنة والسويس في الجنوب، وتنمية مقدرات محافظات القناة “الإسماعيلية وبورسعيد والسويس”، ويمتد أثره الاقتصادي والتنموي إلى شطري سيناء الشمالي والجنوبي.

وتضمن الإقليم العالمي كل ما من شأنه تهديد النفوذ الإماراتي البحري، بإنشاء محطات الترانزيت التي تختص بتفريغ الحاويات وإعادة تصديرها، وإنشاء مراكز التوزيع، وإنشاء مناطق لوجيستية وخدمية، على طول خط القناة، وهو ما يهدد بقاء ميناء جبل علي الإماراتي، ويوفر على السفن تغير مسارها صوب الخليج، لتمر إلى البحر الأحمر مباشرة.

جنون “بن زايد”

مشروع الرئيس الشهيد أثار الذعر في إمارات الشر، فتحركت متذرعة بالقضاء على المد الإسلامي لضرب مكتسبات الربيع العربي، وحلق نذير الشؤم على عواصم الثورة، مخلّفة الخراب خلفها كلما حلت وارتحلت، في القاهرة ودمشق وصنعاء وطرابلس، وحتى تونس التي تمردت على حليف الصهاينة.

وأغدق “بن زايد” الأموال على العسكر للعبور على جثث المصريين للاستيلاء على السلطة، وارتكاب المجازر، وهتك الأعراض، واعتقال الأحرار، مقابل التخلي عن مخطط التنمية، بل وتسهيل وضع أبو ظبي يدها على قناة السويس وموانئها ومحاورها، بما يصب فقط في صالح البلد الخليجي ولا ينعكس أثره على مصر.

ولم يترك السيسي الوقت يمر دون أن يستجيب صاغرًا لأوامر “بن زايد”، فأوقف مشروع تنمية إقليم القناة، والذي سبقته خطوة العسكر الاستباقية تحسبًا لفشل الانقلاب، بعد قرار القوات المسلحة برفض مشروع الرئيس مرسي بحجة الحفاظ على الأمن القومي المصري، إلا أنها رضخت أمام الطموح الإماراتي دون أن تحرك ساكنًا.

تسديد الفواتير

ومع التوسع الإماراتي في الاستحواذ على ميناء العين السخنة بخليج السويس، وأكبر موانئ البحر الأحمر، قرر العسكر منح موانئ دبي السيطرة على منطقة صناعية جديدة بمساحة شاسعة بمنطقة القناة، مع الشروع في إنشاء ميناء جديد على البحر المتوسط لتوسيع نفوذ بن زايد.

وكشف المدير التنفيذي للشركة الإماراتية، سهيل البنا، في وقت سابق، عن تفاصيل مع عصابة العسكر للحصول على أرض صناعية بمنطقة القناة بمساحة 35 كم، معترفا أن الشركة تخطط لإنشاء ميناء على ساحل البحر المتوسط، ليصبح ثاني ميناء لها بعد العين السخنة.

وأزاح “البنا” الستار عن تعاظم النفوذ الإماراتي في عمق الاستثمار المصري، بالتخطيط لمنطقة لوجيستية بمدينة العاشر من رمضان وبمدن صناعية أخرى، وإنشاء موانئ نهرية لتوصيل البضائع من الإسكندرية للمناطق المطلة على النيل، وهو ما يمكن ترجمته واقعا إلى مزيد من التحكم في القرار المصري.

معاناة المصريين

مخطئ من يظن أن تدفق الاستثمارات الإماراتية يصب في صالح المواطن وتحسن الاقتصاد المهترئ، بل العكس هو الصحيح، حيث لا يمكن لبلد تستثمر في قطع المياه عن مصر، باعتباره الممول الأبرز لسد النهضة الإثيوبي، أن يعمل لمصلحة المصريين، بل الواقع أن النفع يعود على أبو ظبي وحدها، مع اكتفاء العسكر بثمن بخس دراهم معدودة.

وباتت الإمارات في ظل حكم “العميل” السيسي، تستحوذ على 49% من مشروع محور قناة السويس، بالسيطرة على مشروعات شمال غرب خليج السويس، وميناء العريش البحري، والتوغل في عمق “العين السخنة” باستغلال 90 كم كظهير للميناء.

وتواصل المد الإماراتي بحصول شركة “دراجون أويل” على حقوق امتياز شركة “بي بي البريطانية”، بما يمنحها كافة امتيازات إنتاج واكتشاف النفط في خليج السويس، وهي صفقة من شأنها تعزيز الإنتاج الاستراتيجي للشركة الإماراتية واستثماراتها في المنطقة.

توغل الإمارات في مصر، يأتي في الوقت الذي يواكب ثورة العمال لطرد هذا السرطان من السواحل العربية، للحفاظ على ثروات تلك الشعوب وإنقاذها من مصاص الدماء الخليجي، وهو ما حدث في موانئ الصومال وجيبوتي واليمن، كما يوثق في آن واحد فشل العسكر في تحويل القناة من ممر مائي إلى محور استثمار مصري خالص يسهم في نهضة اقتصادية تخفف الأعباء عن كاهل المصريين.

Facebook Comments