الاحتلال الإيراني في سوريا يلحّ على أن طهران لاعبٌ أساسيٌّ في بُحيرة الدم العربي، وتُشكل العمائم الإيرانية السوداء مع روسيا حجر الزاوية في بقاء السفاح بشار الأسد، وكان لافتًا صمت طهران بخصوص ما يحدث في آخر معقل للمعارضة في إدلب، وكذلك غياب مقاتليها عن المعركة، فما هي القصة؟ وهل هناك تحوُّل في الاستراتيجية أم أنَّ هذا تغيير في التكتيك؟.

وتبدو القمة الثلاثية- في نسختها الخامسة التي عُقدت بين رؤساء كل من تركيا وروسيا وإيران بخصوص سوريا- شبيهة بسابقاتها في سياقها العام، من حيث تعميقها العلاقات البينية، وترسيخها اجتماع الدول الثلاث على مواجهة الوجود الأمريكي في سوريا، وحفاظها على مكتسباتها من مسار أستانا، في مقابل استمرار الاختلافات في وجهات الرأي، وبالتالي المواجهات غير المباشرة في إدلب.

السيطرة

ويمكن توقع استمرار الهدوء النسبي في إدلب لحين عقد القمة الرباعية التي ستستضيفها أنقرة الشهر المقبل بمشاركة كل من روسيا وفرنسا وألمانيا، وكذلك الجولة القادمة من مباحثات أستانا في نفس الشهر، وربما قبل ذلك كما حصل سابقا، لكن ذلك لا يعني أن نظام الأسد والاحتلال الروسي قد تخليا تمامًا عن فكرة السيطرة على مزيد من المناطق في إدلب.

ويرى مراقبون أن ملامح الفترة المقبلة ستكون التركيز على تنفيذ بعض البنود المرتبطة باتفاق سوتشي، وخصوصا فكرة المنطقة العازلة وسحب السلاح الثقيل وفتح الطرق الدولية، وهي في مجملها التزامات تركية وفق الاتفاق. إلا أن المديين المتوسط والبعيد لا يحملان ضمانات بما يتعلق بسلوك النظام وروسيا، إذ ما زالت التوازنات العسكرية والمعادلات السياسية، والموقف الدولي وديناميات الإطار الثلاثي لصالح روسيا وليس تركيا.

وبعد أكثر من ثماني سنوات من بدء ثورة الربيع العربي في سوريا، من المتوقع أن يتقرر مصير البلاد وفقا للتطورات في منطقتين استراتيجيتين: إدلب والمنطقة الواقعة شرقي نهر الفرات.

ففي 19 أغسطس الماضي، أجبر جيش النظام الثوار على الانسحاب من مدينة خان شيخون الاستراتيجية في جنوب إدلب، وقد أيَّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العملية العسكرية في المنطقة علنا، قائلا إنَّ موسكو تدعم جهود جيش النظام "لتحييد التهديدات الإرهابية" في إدلب.

غير أنَّ إيران، الحليف الرئيسي الآخر لنظام السفاح بشار، التزمت الصمت حيال التطورات في شمال غرب سوريا، وفي الواقع، كانت آخر مرة شهدت تحدُّث مسئول إيراني رفيع المستوى عن إدلب في 16 أبريل الماضي، حين قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف: إنَّ طهران لديها "مخاوف خطيرة" بشأن الوضع في إدلب، وكذلك فمنذ بداية عملية إدلب في أبريل، لم يُبلَّغ عن وجود عددٍ كبير من قوات الاحتلال الإيرانية أو الموالية لإيران في المنطقة.

أمَّا بالنسبة للوضع في شرق الفرات، فبعد أشهر من الجدال بين تركيا والولايات المتحدة حول إنشاء "منطقة آمنة" على طول الحدود الشمالية السورية مع تركيا، توصَّل الجانبان إلى اتفاق في 7 أغسطس الجاري لإنشاء مركز عملياتٍ كخطوةٍ أولى نحو إنشاء المنطقة العازلة التي تريدها أنقرة.

هنا إسرائيل!

وجاء الاتفاق بعد تحذيرات الحكومة التركية المتكررة من أنها ستتخذ تصرُّفات أحادية الجانب لمعالجة مخاوفها الأمنية في سوريا إذا فشلت واشنطن في تقديم حل مشترك مقبول.

وفي الأشهر القليلة الماضية، لوحظت تغييرات طفيفة في إيقاع المشهد العسكري في سوريا بالتوازي مع الهدوء وانخفاض وتيرة العمل العسكري، لكن الأمر الأكثر أهمية كان المحادثات الروسية الصهيونية، والتي طالب فيها كيان العدو الصهيوني بطرد الميليشيات الإيرانية من الحدود السورية.

في ذلك الوقت، قال وزير الخارجية الروسي: "ينبغي للجيش السوري وحده أن يحمي جنوب البلاد"، وكأنه كان يوجه حديثه لإيران التي دعمت نظام السفاح بشار الأسد لسنوات إلى جانب روسيا، أن عليها أن تترك الجنوب وبعد ذلك مباشرة، ظهرت أنباء عن اتفاق بين إسرائيل وروسيا تنسحب بموجبه إيران من جنوب سوريا وتترك السيطرة عليها لنظام بشار الأسد.

غدر الرياض

يميز سقوط حلب شكلًا من أشكال تغيير النظام بين الدول التي تتحكم سرا في المعارضة السورية السياسية والمسلحة، تمثل في خروج الولايات المتحدة والسعودية ودخول تركيا.

منذ وقت ليس ببعيد كانت السعودية تتحكم في أصغر تحركات المعارضة السورية، عندما انسحب قادة المعارضة السورية من جولة المفاوضات الأخيرة في جنيف، كانت هناك اتصالات من الرياض تأمرهم بمغادرة الفندق في موعد محدد.

في ديسمبر 2017 ألقى الملك سليمان خطابًا أمام مجلس الشورى المعين، فيما يمكن عده خطاب حالة المملكة، وكان هذا الخطاب قبل سقوط حلب ببضعة أيام، لم يشر الملك سلمان إلى سوريا في الجزء الخاص بالشئون الخارجية من خطابه باستثناء جملة قصيرة في الفقرة المخصصة للعمل الإنساني، أشاد فيها بالحملة السعودية لإغاثة اللاجئين السوريين.

كان هذا الإغفال متعمدا، كانت الرسالة التي وجهها الملك سلمان إلى الثوار الذين كان يمولهم ويسلحهم ذات يوم رسالة بسيطة: لم نعد مهتمين، كان لهذا تداعيات واضحة على تركيا التي تخوض وحدها معركة مزدوجة للدفاع عن أمنها أولاً ثم مساعدة الثورة السورية التي غدر بها الجميع ثانيًا وأخيرًا.

Facebook Comments