مات الرجلُ الصالحُ "سيد نزيلى"، مات فى ذكرى انقلاب يوليو المشئوم، رحل، كما عاش، فى صمت، وهو مُطَاردٌ وقد تخطى الثمانين من عمره [مواليد 1938م]، يشكو إلى الله فُجر الظالمين، وفى قلبه هموم أمة، وعلى جسده آثار تعذيب رهيب وقع عليه منذ (55) عامًا ترفض أن تختفى؛ لتكون شاهدًا على بذله واحتماله.

تعرفتُ إليه فى تسعينيات القرن الماضى، وكنت قد قرأت عنه ولم أره.. وكان من فضل الله علىَّ أن اقتربتُ منه ومن ثلة من هذا الجيل الفريد؛ فرأيتُ نماذج قرأناها فى التاريخ والسير ممن جاهدوا وصبروا، وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلًا..
كان –رحمه الله- عزيز النفس أبيًّا، خافض الجناح لإخوانه؛ صلبًا عنيدًا مع من يحاربون دينه، تقلَّب فى السجون والمعتقلات وتعرض لأشد أنواع العذاب فما صرفه ذلك عن عزمه ومبدئه، وشغفه بدعوته، التى خصص لها جلَّ وقته، فكان مثالًا للانضباط والنظام، جنديًّا وقائدًا.

ولقد اصطحبتُ -كما ذكرتُ- كثيرًا من رجال هذا الجيل، فرأيتُ لهم سمتًا وصفات لا تجدها فى عموم الناس؛ ذاكرة حديدية رغم ما مر بها من حوادث، وحيوية أعضاء وحواس رغم طعن السن. كنت أتعرف على أحدهم يومًا ثم أغيب عنه لسنوات فأمرُّ به ثانية فأجده يذكرنى ويذكر تفاصيل اللقاء الأول، رغم ما يشغلهم وهو كثير، وكانوا لا يغيبون عن المساجد، ولا يفارقون كتاب الله، وكان الواحد منهم يموت واقفًا، لا تهزمه النكبات ولا يُيَئِسُهُ مرضٌ أو بلاء، وكانوا عدولًا سريعى الفىء، إذا ذُكِّروا بالله تذكَّروا..

مر العبدُ لله بظرف عائلى اجتمع له الكبار، أشعله أخٌ قريبٌ لى كان صديقى الصدوق قبل أن يقع هذا الظرف ويتحول هذا التحول الغريب، وكان هذا الأخُ أقربَ إلى الأستاذ "نزيلى" منى؛ بحكم منصبه القيادى وكثرة لقاءاته به، فملأ أذنيه بأحاديث جلُّها من صنع النساء، والأستاذ "نزيلى" عربىٌ عاطفىٌ فائرُ الدمِ، وهى صفةٌ غالبةٌ على أهل "كرداسة" الكرام، فما كان منه إلا أن اتصل بى وفى نبرته حدَّة وفى حديثه غضبُ الدنيا. انتظرتُ حتى انتهى من كلامه فقلت له: هل يجوز أن تتهمنى قبل أن تسمعنى وقد سمعت الطرف الآخر وهو ليس ذا صفة؟ قال على الفور: أنا آسف، معك حق، إذًا فلتشرفنى بزيارة الليلة. وذهبت إليه، وكان اعتذارًا ثانيًا منه وتأييدًا لموقفى، بل اعتبر ما فعله هذا الأخ من قبيل الوقيعة والإفساد، وقد علمتُ أنه جاءه فى الليلة ذاتها فعنَّفه تعنيفًا شديدًا فلم يحتمل ذلك فأُغشى عليه.. وانتهى الموقف عند هذا الحد.  

أما أجْلَى صفاتهم فهى قلة حديثهم عن أنفسهم، فلا يدّعون بطولة، ولا يتفاخرون بما طالهم من أذى، يحتسبون ذلك كله لله.. لقد راهنتُ نفسى على أن أقتنص شيئًا مما جرى لاثنين من هؤلاء الأفاضل، وكانا كصندوق مغلق يرفضان الحديث؛ أما أحدهما فهو الأستاذ عبد المنعم سليم جبارة، الذى ظل رهين سجون الهالك عشرين سنة؛ وأما الآخر فهو الأستاذ "نزيلى"، (عريس كرداسة)، صاحب الواقعة التى سجلها التاريخ وستظل شاهدًا على جرائم العسكر، وقد نجحتُ فى فتح صندوق الأستاذ "جبارة" قليلًا، وخرجت بثلاث حوادث أحكيها فى مواضعها إن شاء الله، أما الأستاذ "سيد" فلم يبح لى بشىء رغم عشرات اللقاءات التى جمعتنا..

لكن جهاد الكبار لا يخفى وإن التزموا الصمت.. لقد أُنبئنا أنه فُعل بالرجل فى السجن الحربى، بعد حصار قريته والقبض عليه، ما لم يُفعل بإنسان من قبل، فاحتمل وصبر.. حتى خرج مع الخارجين فى سبعينيات القرن الماضى وقد هلك من أمر بتعذيبه وتمزَّق ملكه.. وما بين خروج الأستاذ "نزيلى"  وموته اعتقل عدة مرات: فى عام (1993م) لعدة أشهر على أثر مظاهرات "البوسنة والهرسك"؛ (1995م) حُوكم عسكريًّا بثلاث سنوات أشغالًا شاقة قضاها جميعًا؛ (2007م) لعدة أشهر؛ (2009م) لعدة أشهر على أثر أحداث غزة؛ (2009م) مرة ثانية، مع عدد من قياديى الجماعة.  

ويظل حدثُ اقتحامِ "كرداسة" من قبل الجيش هو الشاهد على تاريخ الرجل، إذا ذُكر أحدُهما ذُكر الآخر.. كان من بين الأسماء التى وردت فى تنظيم (1965م)، "سيد نزيلى"، وفى يوم (21 من أغسطس 1965م) توجهت قوة من المباحث الجنائية العسكرية للقبض عليه، ولم يكن قد مر على زواجه سوى ثمانية أيام. وعندما اقتحمت القوة منزله وقامت بقلب محتوياته لم يكن به سوى عروسه وشقيقه الصبى "عبد الحميد".. وقد ظن "عبد الحميد" أن القوة مجموعة من اللصوص؛ إذ استولوا على المال والمصوغات وشرعوا يضعونها فى جيوبهم؛ فخرج إلى الشرفة مستغيثًا بأهل قريته الذين لبوا النداء، فنشبت معركة بين أهل "كرداسة" وأفراد القوة العسكرية، قُتل خلالها أحد أفراد القوة، أما الباقون، وكانوا سبعة، فقد سارعوا بالهرب من القرية..

وبعد ساعة واحدة تحركت المصفحات التى تحمل آلاف الجنود؛ لتقع على القرية أكبر حملة تأديبية فى تاريخ "المحروسة".. لقد استمر دوىُّ الرصاص بالقرية طوال الليل، وتم تفتيش جميع منازلها، وسط صرخات النساء والأطفال، وسرقوا كل الأموال والذهب الذى وقع تحت أيديهم، ثم تم جمع الرجال وربطهم بالحبال، واقتادوهم إلى "اللوريات" التى نقلتهم إلى السجن الحربى..

وفى فناء السجن الحربى، استعرض وزير الحربية طوابير الرجال، الذين انهالت عليهم الكرابيج من كل ناحية، ثم أُمروا بالركوع والسجود للقائد، وأُمروا أن تمتطى كل امرأة ظهر زوجها أو أبيها أو أخيها أو جارها، وأن يحبو الرجال، والنساء فوق ظهورهم، ثم صفوا الرجال على هيئة دائرة وأمروا كل واحد منهم أن يصفع جاره ويبصق فى وجهه..

لقد بقى أهالى القرية داخل السجن الحربى على هذا البرنامج من التعذيب لمدة تسعة وعشرين يومًا استُشهد خلالها اثنان منهم، غير إصابة العديد بعاهات مستديمة. أما القرية نفسها فقد احتلتها قوات الجيش وفرضت حظر تجول على من بقى فيها من الشيوخ والعجائز، وعلى المواشى التى نفق منها الكثير لعدم وجود من يرعاها، وأغلقوا المساجد ومنعوا الصلوات، وتصادف أن مات أحد شيوخ القرية فمنعوا دفنه لمدة ثلاثة أيام حتى تعفنت جثته، ولما أمروا بدفنه لم يسمحوا إلا لأربعة رجال بحمله إلى المقابر وإتمام عملية الدفن.
رحم الله أستاذنا "سيد نزيلى"، وأبدله ما لاقاه فى سبيل دعوته جنة ونعيمًا. آمين.

Facebook Comments