كتب- يونس حمزاوي:

 

حالة من الهيجان انتابت الأذرع الإعلامية لقائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي على خلفية بث قناة الجزيرة مساء الأحد الماضي 27 نوفمبر 2016م الفيلم التسجيلي "العساكر" والذي تناول بعض الانتهاكات بحق المجندين على يد الرتب العليا من الضباط وضباط الصف بالوحدات العسكرية.

 

وشنت الصحف والفضائيات الموالية للانقلاب عاصفة من الهجوم على دولة قطر الشقيقة وقناة الجزيرة الفضائية  والفيلم التسجيلي، وراحت تنشر التقارير المقروءة والمرئية لتمجد في الجيش لتحافظ على صورته كـ "تابو" أو مقدس لا يجوز المساس به أو انتقاده وكشف مساوئه وفضائح قياداته.

 

فالقرموطي في برنامجه يرتدي الزي العسكري ويدوس بحذائه على شعار "الجزيرة" والأمنجي أحمد موسى يبث أغنية تسخر من قطر وعلى خطى المذيعين توالت عواصف الصحف والفضائيات لتثبت للشعب المسكين أن الجيش أطهر الطاهرين ومنزه عن الخطأ والخطيئة!.

إعلام السيسي يروج لفيلم "العساكر"

 

هذه المبالغة من جانب الأذرع الإعلامية في هجومها على فيلم "العساكر" دفعت عددا من المحسوبين على الانقلاب إلى انتقاد هذا المسلك وشبههوه بالدبة التي قتلت صاحبها مؤكدين أن هذه الحملة الكبيرة ضد الفيلم ساهمت في أكبر حملة دعائية له لم يكن يحلم بها أحد من المساهمين في إنتاجه و إخراجه.

 

يقول الكاتب الصحفي جمال سلطان في مقاله بالمصريون بعنوان "العساكر.. وهذي الضجة الكبرى علاما!":« وأزعم جازما أيضا أن 90% من الدعاية الترويجية لهذا الفيلم قام بها ـ مجانا ـ الإعلام المصري نفسه ، فخدم الفيلم ومخرجه والقناة المنتجة له بما لم تكن تحلم به أو تتصوره ، وهذا من عواقب "الغشومية" التي يدار بها الإعلام المصري ، والاعتماد على بعض المهرجين المتزلفين الذين ينشغلون بمحاولة إرضاء "الراعي" ، صاحب الحماية والإنعام ، أكثر من عملهم لخدمة وطنهم بالفعل والدفاع عن مؤسساته وأمنه القومي».

 

فيلم بي بي سي عن الأمن المركزي

 

يعزز من هذا التوجه  أنه في مارس الماضي (2016)، عرضت فضائية "بي بي سي" البريطانية، فيلمًا وثائقيًا، بعنوان "موت في الخدمة"، قالت القناة ذاتها إنه استغرق العمل فيه عامين، عرضت فيه انتهاكات مروعة يتعرض لها المجندون بالأمن المركزي على يد ضباطهم.

 

وقالت الفضائية ذاتها: إنها "حصلت على أدلة قوية على تعرّض مجندين في قوى الأمن المركزي المصرية لسوء المعاملة وربما للقتل على يد ضباطهم"!.. وعرضت أسماءً لجنود قُتلوا على يد ضباط شرطة، ذكرت أسماءهم أيضًا. ومع ذلك.. مر الفيلم مرور الكرام.. ولم يسمع عنه أحد شيئًا، ولم تتصدَ له فضائيات الخدمة ـ بالحق وبالباطل ـ على كل ما هو سلطوي.. واختفى الفيلم وطوي مع النسيان، فيما التزمت سلطات الانقلاب الصمت، ولم ترد عليه، رغم خطورته على معنويات جنود الأمن المركزي!.. فلماذا إذا هاجت الدنيا على فيلم "العساكر" وتم تجهل فيلم بي بي سي عن الأمن المركزي؟1

 

4 أسباب 

 

بحسب مراقبين فإن هناك 4 أسباب وراء هذا الهيجان وتلك الهستيريا التي أصابت سلطات الانقلاب وجنرالات العسكر ما انعكس تلقائيا على الفضائيات والصحف التي تدار من مكتب اللواء عباس كامل أو من ضابط صغير بالشئون المعنوية. 

 

أول هذه الأسباب هو استمرار النظر إلى الجيش على أنه "تابو" أو مقدس لا يجوز الاقتراب منه بالنقد أو التجريح واعتبار ذلك خطا أحمر لا يجوز الاقتراب منه أو المساس به.

 

وثاني هذه الأسباب هو حماية النفوذ المتزايد لجنرالات العسكر في الملفات السياسية والاقتصادية وبسط نفوذ المؤسسة العسكرية والحفاظ على مكتسابتها التي حققتها على مدار 6 عقود وخصوصا بعد انقلاب 3 يوليو 2013م واتساع التدخل العسكري في الملف الاقتصادي بصورة غير مسبوقة. 

 

والسبب الثالث هو حماية القيادات من التشويه والاغتيال المعنوي لكبار الجنراالات وللمؤسسة نفسها؛ لأن السكوت على مثل هذه الأفلام التسجيلية سوف يدفع آخرين إلى البحث عن فضائح القيادات المالية والجنسية وما أكثرها؛ يعزز من هذا ما نشره جابر الحرمي رئيس تحرير صحيفة الشرق القطرية اليوم على صفحته الخاصة على تويتر حيث أشار إلى أن "الفيلم الوثائقي القادم : إمبراطورية العسكر الاقتصادية في مصر تتفوق على الدولة وتبعد القطاع الخاص.. 55% من الاقتصاد يسيطر عليه الجيش" .

 

أما رابع هذه الأسباب فهو العمل على حماية شعبية المؤسسة العسكرية من الانهيار خصوصا وأن استطلاعات الرأي التي جرت من مؤسسات أجنبية في  عام 2015 كشفت عن تراجع كبير في شعبية الجيش كما أن قطاعا كبيرا من المواطنين المؤمنين بثورة يناير وشرعية الرئيس مرسي يرون أن المؤسسة العسكرية أجهضت الحلم الديمقراطي وساهمت في تكريس الحكم الاستبدادي الديكتاتوري حفاظا على مصالح الجنرالات الكبار بينما يعاني معظم القيادات الوسطى والدنيا كما يعاني معظم الشعب.

 

وبحسب مراقبين فإن الغالبية العظمي من الشعب باتت غير راضية عن النفوذ المتزايد للمؤسسة العسكرية خصوصا وأن النظام العسكري فشل في كل الملفات حيث ساءت أحوال المواطنين مع الغلاء الفاحش وتآكل قيمة الأجور والمرتبات والانهيار الاقتصادي الذي لا يحتاج إلى دليل كل  هذه العوامل تعزز من فرضية الانفجار الذي يخشاه السيسي وكبار الجنرالات.

Facebook Comments