"ولا يزال المصريون يدفعون ثمن بيعهم لدم شهداء رابعة".. على طريقة ارتكاب جريمة فض اعتصام ميدان رابعة العدوية، نفذت عصابة الانقلاب في محافظة الجيزة حملات إزالة أكبر سوق خضراوات وفاكهة بمنطقة البراجيل بحي شمال الجيزة ومركز أوسيم، بالتعاون مع بلطجية الأمن والشرطة.
وبزعم الإجراءات الوقائية والاحترازية، لمجابهة تفشي فيروس "كورونا" وإعادة الانضباط إلى الشارع، اندلعت حملات إزالة الأسواق دون أي تعويض للباعة أو ايجاد أماكن بديلة، وتعمدت عصابة الانقلاب تخريب بضائع الباعة ودهس أطنان من الفاكهة والخضراوات التي تكبد ثمنها الغلابة تحت عجلات البلدورزات.

يقول الناشط السياسي سليمان محمود: "أنا فاكر منظر الونش وهو بيشيل جثث الناس في رابعة بنفس الطريقة.. ورقصتوا وقولتوا تسلم الأيادي.. سبحان المنتقم الجبار.. من أعان ظالما سلطه الله عليه.. وعشان محدش يقول إني بفتري وشمتان.. أنا شوفت أغلب الناس دي وهي بتتحمل زي المعيز في الأتوبيسات يوم الانقلاب بـ٢٠٠ جنيه المعزة".

ومضت سبع سنوات على ذلك اليوم المشئوم من تاريخ مصر، حين أمطر الرصاص صدور آلاف المعتصمين المحتجين على الانقلاب العسكري، الذي وأد أول تجربة ديمقراطية حرة تشهدها بلادهم، ولا تزال جرائم العسكر بحق المصريين تعيد ذلك المشهد الرهيب إلى الذاكرة.

المذبحة
ففي يوم الأربعاء 14 أغسطس 2013 كان لميداني رابعة العدوية، شرق القاهرة والنهضة غربها، النصيب الأكبر من الضحايا، بجانب التركيز الإعلامي والحقوقي، غير أن مصر شهدت في ذلك اليوم وما تلاه أحداثا دامية راح ضحيتها كثير من أفراد الشعب في ميادين ومناطق عدة بمختلف أنحاء البلاد. وأسفرت عملية فض الاعتصامين عن سقوط أكثر من 3000 شهيد، حسب منظمات حقوقية وشهادات من كتب الله لهم النجاة، وكأن ما جرى قبل سبع سنوات يعاد اليوم، حيث أشرف على مذبحة سوق البراجيل اللواء تامر أبو النجا رئيس مدينة الجيزة، وأسامة السقعان رئيس حي شمال وأيمن عتريس رئيس جهاز التفتيش، واللواء أيمن السعيد رئيس مركز أوسيم.

يقول الناشط عمر البدوي :"ميت مدير واقف بيشاور. وهم نفسهم المرتشين اللي بياخدوا إتاوة من البياعين دول ويسيبوهم يسببوا الفوضى فى الشارع. احنا بلا فخر أسوأ دولة فى العالم فى المحليات والبلديات. الصومال سبقتنا بمراحل. سيادة اللواء ملوش فى الإدارة والتخطيط!!!".

يذكر أن أغلب المحال والباعة الجائلين والأسواق العشوائية فوضت وأيدت الانقلاب والسفاح عبد الفتاح السيسي، بل وتصدى هؤلاء الباعة لمظاهرات الشرعية ورفض الانقلاب التي اندلعت في مصر عقب بيان 3 يوليو، وقام بعضهم باعتراض طريق المظاهرات وقذفها بالحجارة، ما تسبب في اصابة المئات ووفاة البعض منهم، ومساعدة قطعان الشرطة في القبض على عشرات المتظاهرين.

يقول الناشط السياسي آسر ابراهيم: "رأيتهم يحملون العصي والحجارة والسيوف ويضربون بلا رحمة، ولا يرحموا شيخ مسن أو امرأة أو حتى طفل. أنا لا أتعاطف معهم أبدا.. وعلى فكرة رغم الذل لم يتغيروا لا ينسبوا هذا الظلم للنظام بل لمن يقوموا به ولا يزال بلحة حبيبهم الحنين".

ويقول أبومسعد: "كل واحد من الباعة أخد على أد عمله كان بيضرب ويقتل معاهم بذمة وضمير وإجرام وبلطجة علشان ياخد أحسن مكان في الشارع يفرش فيه بضاعته، اليوم أخذ على أد عمله أول واحد انضرب واداس على بضاعته في الشارع واللودر فرمها في الشارع اعمل ما شئت فالديان لا يموت واليوم شافوا الظلم والقهر".

ويقول أبو خالد: "أنا يوم الانقلاب استغربت اللي يحصل ناس معتصمين ومسالمين والعسكر يطلقون عليهم النار ويحرقون خيامهم حتى المسجد لم يسلم لكن الغريب أغلب الشعب كان فرحان على مايجري وبعضهم أخذ سكاكين وقتل المعتصمين رأيت مشاهد بوسائل التواصل والجزيرة يندى لها الجبين مين خلى مواطن يقتل مواطن آخر".

ويقول حامد سعود: "ولا الباعة الجائلين اللي في رمسيس وباقي الميادين اللي استخدمه الانقلاب للاعتداء ع المظاهرات وبعد كده مشوهم وحطوا مكانهم اكشاك الجيش والشرطة". ولم يشفع تفويض الباعة الجائلين للسفيه السيسي ودعمهم للانقلاب، حيث هددت عصابة الانقلاب الباعة في جميع الأسواق بعدم تأثير الظروف الراهنة التي تمر بها مصر على إزالة كافة الأسواق والعقارات التي لا يرغب العسكر في بقائها.

تفويض الباعة الجائلين للانقلاب في 30 يونيو 2013 جلب الخراب على مصر، وأعاد للذاكرة ما حدث في ميداني رابعة العدوية شرقي القاهرة والنهضة غربها، عندما تظاهر الآلاف واعتصموا ونصبوا الخيام، وقالوا إن اعتصامهم سلمي، لكنهم لم يسلموا من الآلة الإعلامية المؤيدة للانقلاب التي لم تنفك ليل نهار عن التحريض عليهم ونهش أعراضهم، فجردتهم من وطنيتهم وشيطنتهم ونعتتهم بأبشع الصفات.

تحولت التظاهرة إلى اعتصام، ونفَّذ وزير الدفاع حينها السفاح عبد الفتاح السيسي انقلابًا عسكريًا أزاح الحكم المدني الوليد، ثم أخد الاعتصام يكبر، واستمر 6 أسابيع شهدت مذبحتين قريبًا منه، وراح ضحيتها عشرات المصريين، ثم كان "الأربعاء الأسود" الذي أصبح فيه الميدان ساحة لاستباحة الدماء.
لم تكد شمس ذلك اليوم تغرب حتى بدأت أهوال ممتدة إلى الآن، كأن الزمن توقف هناك، فلا العدالة تحققت، ولا مطالبات المنظمات الحقوقية الدولية بإنصاف الضحايا وجدت صدى لها، وسط ما يعتبره أنصار الشرعية تواطؤًا دوليًا وإقليميًا فجاً وفاضحاً.

وبتأثير السياسات القمعية وطوفان الجباية وتحصيل الرشاوي والغلاء انفض مؤيدو السفيه السيسي عنه، ماعدا مجموعة محدودة من المصريين يؤيدون السيسي، ليس لأنه جنرال ناجح ولكن لأنه قادر في رأيهم على منع التغيير!

إنهم خائفون من التغيير إما لأنهم فاسدون سيؤدي التغيير إلى محاكمتهم، أو لأنهم أغنياء يعيشون حياة مرفهة ويدركون أن التغيير لن يكون في صالحهم، أضف إلى ذلك قطاعا من الأقباط المتأثرين من دعم البابا الفاسد تواضروس للسفيه السيسي، هؤلاء يؤيدونه خوفا من حكم الإسلاميين الذي يعتبرونه البديل الوحيد المحتوم لحكم السفيه السيسي.

أكبر خسارة لحقت بالسفيه السيسي انصراف من يسمى "المواطن المستقر" عن تأييده، ذلك المواطن الذى يفضل الإستقرار على الحرية والذي لايهتم في الدنيا الا بأكل العيش والعيال، هذا المواطن المستقر أصبح معارضا للسفيه السيسي ليس دفاعا عن الديمقراطية وإنما إعتراضا على الفقر الذي أوقعه السفيه السيسي فيه بسياساته الظالمة الفاشلة.

الذين تظاهروا في 2019 مطالبين برحيل السفيه السيسي ليسوا من الإخوان ولا من السياسيين، وإنما هم مواطنون عاديون كانت حياتهم صعبة فأصبحت مستحيلة بسبب الغلاء، وأثناء التحقيق مع أحد المعتقلين قال لوكيل النيابة "يا سعادة البك أنا رجل كبير في السن لا أفهم في السياسة. اشتركت في المظاهرة لأن مرتبي ألفين جنيه وعندي أربعة عيال في المدارس. أنا أسأل سيادتك كيف أعيش أنا وعيالي بألفين جنيه في الشهر؟".

مسألة وقت
وفي العام الماضي واجه السفيه السيسي موجة من التظاهرات المناهضة له والمطالبة برحيله في العشرين من سبتمبر 2019، وذلك بفعل المعدلات المتزايدة في ملفات الفقر والبطالة وغلاء المعيشة، والقمع وانتهاك حقوق الإنسان، فضلا عن الفساد المالي.
وامتدت تلك التظاهرات من مصر إلى عدة دول منها الولايات المتحدة الأمريكية، وقد شهدت مدينة نيويورك عدة تظاهرات مناهضة للسفيه السيسي، استمرت منذ اللحظة الأولى لوصوله إليها وعلى مدار تواجده بالمدينة لحضور اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، كما امتدت من مطار جون فرانكلين كينيدي إلى مكان إقامة السفيه السيسي بنيويورك، ومن ميدان التايم سكوير وشوارع المدينة إلى مبنى الأمم المتحدة.

وأمام الفجور الدولي والخليجي في دعم انقلاب السفيه السيسي بمصر، فإن الكثير من المصريين باتوا على يقين أن حريتهم لن يعيدها لهم ترامب ولا بن سلمان وبن زايد وغيرهم؛ فبإمكان المصريين وحدهم انتزاع حريتهم بأنفسهم، فهم لا ينتظرون مساعدة من ترمب الذي يترك المئات من مواطنيه الأمريكيين من سجناء الرأي لدى السفيه السيسي دون أي دعم أو مساعدة.

كما أن الكثير من المصريين لا يثقون في ترمب الذي لا يزال يدعم قاتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، على الرغم من إدانته بالإجماع من جانب الكونجرس والأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية.

ويدرك المصريين جيدا أن ترمب أو غيره من طغاة العالم لا يمكن أن يدافعوا عن حقوقهم ولا أن يدعموا نضالهم من أن الحرية والديموقراطية، فهو الذي أعلن مدينة القدس الفلسطينية العربية عاصمة للكيان الصهيوني، وأقر بالسيادة الصهيونية على هضبة الجولان السورية العربية، والذي يسعى لاقتطاع جزء من بلادهم لتوطين مؤقت للفلسطينيين، فضلا عن أن المصريين يدركون جيدا أن ترمب نفسه في حاجة إلى المساعدة لمواجهة مشكلاته الخاصة كالتهرب الضريبي، والتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية لصالحه عام 2016، وأزمة أوكرانيا الحالية، وغيرها.

وأخيرا فإن المصريين الذين استطاعوا الإطاحة بالمخلوع مبارك بعد ثلاثين عاما من حكمه الاستبدادي، قادرون على أن يطيحوا كذلك بالسفيه السيسي وأبنائه وأفراد عصابته ونظامه القمعي، بل واقتلاع الحكم العسكري من جذوره واستبداله بدولة مدنية ديموقراطية تكفل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وحقوق الانسان لكل مواطنيها، إنها فقط مسألة وقت واستعداد.

Facebook Comments