في الوقت الذي يشهد غموضا في المسارات البديلة للمفاوضات مع أثيوبيا من جانب رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي حول سد النهضة، أعلنت مصر والسودان، الثلاثاء 4 أغسطس 2020، "تعليقاً مشروطاً لمفاوضات سد النهضة"، رفضا لطرح إثيوبي بشأن تشغيل السد قال البلدان إنه يخالف الاتفاقات السابقة.
في مصر قالت وزارة الري بحكومة الانقلاب أنه "قبيل الاجتماع الثالث (الخميس) للجولة الثانية للدول الثلاث برعاية الاتحاد الإفريقي، قام وزير المياه الإثيوبي بتوجيه خطاب لمصر والسودان".
وأشارت إلى أن الخطاب "تضمن مسودة خطوط إرشادية وقواعد ملء سد النهضة لا تتضمن أي قواعد للتشغيل ولا أي عناصر تعكس الإلزامية القانونية للاتفاق، فضلاً عن عدم وجود آلية قانونية لفض النزاعات".
وأضافت أن "مصر والسودان طلبتا تعليق الاجتماعات لإجراء مشاورات داخلية بشأن الطرح الإثيوبي الذي يخالف ما تم الاتفاق عليه خلال قمة هيئة مكتب الاتحاد الإفريقي في 21 يوليو، ونتائج اجتماع وزراء المياه أمس".
الأمر نفسه تكرر في السودان حيث أعلن وزير الري ياسر عباس في بيان له أن الخطاب الإثيوبي الذي تلقته بلاده "يثير مخاوف جدية فيما يتعلق بمسيرة المفاوضات الحالية (..) ويهدد استمراريتها". ويقترح الخطاب الإثيوبي وفق عباس، أن "يكون الاتفاق على الملء الأول فقط لسد النهضة، بينما يربط اتفاق تشغيل السد على المدى البعيد بالتوصل لمعاهدة شاملة بشأن مياه النيل الأزرق".

طريق مسدود
وفي 21 يوليو2020م، عقد الاتحاد الإفريقي قمة مصغرة، بمشاركة الدول الثلاث، عقب نحو أسبوع من انتهاء مفاوضات رعاها الاتحاد لنحو 10 أيام، دون اتفاق، وأسفرت القمة عن الدعوة مجدداً إلى عقد مفاوضات ثلاثية جديدة. وتعثرت المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان، على مدار السنوات الماضية، وسط اتهامات متبادلة بين القاهرة وأديس أبابا بالتعنت والرغبة بفرض حلول غير واقعية.‎
وبحسب محللين ومراقبين فإن مسار المفاوضات تأكدت عبثيته وتسهدف به أديس أبابا كسب مزيد من الوقت حتى صار أمرا واقعا يهدد بتشريد 30 مليون مصري على الأقل.
وتبدو المسارات البديلة شديدة الصعوبة؛ خصوصا وأن اللجوء إلى خيار التحكيم الدولي ربما يستغرق سنوات، بينما القيام بعمل عسكري يواجه صعوبات كبيرة لأسباب تعود إلى بعد المسافة بين البلدين وعدم اقتناء مصر سلاحا قادرا على القيام بالمهمة التي تمثل حماية لأمنها القومي.

إضعاف موقف مصر
في هذا الإطار سلط الكاتب البريطاني ديفيد هيرست رئيس تحرير موقع "ميدل إيست آي" البريطاني في مقاله الأخير، الضوء على سياسات قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي في تكريس وجود السد وإضعاف الموقف المصري، مشيرا إلى أن السيسي عندما كان وزيرا للدفاع تواصل مع الدكتور أيمن نور قبل ثلاثة أيام من أحد اجتماعات الأزمة بشأن السد مع مرسي، وكشف نور في 2019م، أن السيسي أطلعه على أن مرسي أراد استكشاف خيار التدخل العسكري، لكن الجيش لم يكن متأهباً لذلك، وأن الملف بأكمله يجب أن يجري التعامل معه عن طريق الجيش وحده.
وبحسب هيرست فقد جرى تخريب اجتماع مرسي. فقد أُبلغ مساعدو مرسي بأن الكاميرا كانت تسجل مجريات الاجتماع من أجل الاتصالات الداخلية، بينما كان كل شيء اعتقدوا أنهم يناقشونه سراً يُبث بثاً مباشراً. مفسرا ذلك بأن هدف السيسي كان واضحاً. فقد كان تركيزه منصباً على إحراج رئيسه قبل شهر واحد من الإطاحة بمرسي.
وقال نور: "كان هذا الاجتماع جزءاً من مؤامرة لتوريط مصر في مشكلة كبيرة فيما يتعلق بسد النهضة. وكانت جزءاً من محاولة إثبات إخفاق النظام الحاكم في تلك المرحلة (مرحلة مرسي)". فلماذا كبح السيسي أي رد مصري قوي على السد بعد انقلابه على مرسي؟
ويشرح هيرست ذلك بأن السيسي قد علم أنه بعد شهر من ذلك التوقيت، أي وقتما نفذ انقلابه العسكري، سوف يعلق الاتحاد الإفريقي عضوية مصر. استمر تعليق عضوية مصر من جانب الاتحاد الإفريقي -وهو الرد الدولي القوي الوحيد ضد الانقلاب- لعام واحد فقط، وقد أدت المعارضة المسالمة من جانب السيسي تجاه بناء السد وتفضيله الدبلوماسية مع إثيوبيا، دوراً في إنهاء عزلة مصر.
وعندما اضطلع السيسي والجيش بمسئولية التعامل مع الملف، أبلغوا الإثيوبيين بأن مصر صارت في أيادٍ عاقلة وراشدة يمكن أن تتفاوض. وقالوا إن أيام الإسلاميين المتوحشين قد ولّت. غير أن المفاوضات لم تصل إلى أي نتيجة!

ووفقا لهيرست فقد قدم السيسي أكبر هدية للإثيوبيين بتوقيع اتفاق المبادئ في الخرطوم سنة 2015م، وتكرر هذا في عام 2018، عندما طلب السيسي من رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد آنذاك آبي أحمد، بأن يكرر وراءه ويقول: "والله، والله، لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر". كان السيسي يضحك ويصفق، بينما ينطق أحمد كلماته التي لم يكن يفهمها. إذ إن آبي أحمد لا يتحدث العربية. فشل الرهان على ترامب وبحسب هيرست فإذا كان السيسي يراهن على ترامب، فماذا عن بايدن؟
مشيرا إلى أن مجلة Foreign Policy الأمريكية أفادت بأن عدداً من مسئولي إدارة ترامب علقوا بأن الإدارة يمكنها وقف المساعدات إلى إثيوبيا إذا توقفت المفاوضات مرة أخرى. لكن فرص ترامب في الفوز بانتخابات نوفمبر 2020م تبدو قليلة. إذ إن التوصل إلى مجرد تسوية بين إثيوبيا والسودان ومصر حول السد، ليست الأولوية الأولى على أجندة السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وإذا نجح المرشح الديمقراطي جو بايدن وخلف ترامب، فلن يكون السيسي -على أقل تقدير- "الديكتاتور المفضل" لرئيس الولايات المتحدة. فقد تعهد بايدن بأن يجعل المساعدات الأمريكية إلى مصر مشروطة بسلوك السيسي حول حقوق الإنسان.
وينتهي هيرست إلى أن مصر تبدو عاجزة عن وقف ملء السد ومنع الإثيوبيين من استخدام المياه في الخزان بالطريقة التي يريدونها. وتواجه حقاً أزمة وجودية. فلن يستطيع بلد يضم أكثر من 100 مليون نسمة أن يعيش على مياه النيل التي تنحسر. هذه هي نكبة مصر. فلديها القدرة على التسبب في نزوح الملايين من الشعب. يقول هيرست "والسيسي مسئول بنسبة 100% عن هذه الكارثة القومية".

Facebook Comments