لم يكن ما جرى بداية من خدعة 30 يونيو وحتى الانقلاب الرسمي على الرئيس المنتخب في 4 يوليو 2013، مجرد انقلاب على الإخوان خاصة، ولكن كان انقلابا على آمال شعب وأحلامه، وتزويرا لإرادته وخياراته، وتشويها لتاريخه، وإفسادا لحاضره، وتدميرا لمستقبله.
فما بين شمس الحرية عقب اندلاع ثورة يناير 2011 ثم قمع العسكر بعد انقلاب يوليو 2013، مرت 7 سنوات على أحداث 30 يونيو كشف أن السيسي وعصبته من الجنرالات لم يكن هدفهم الاخوان ولكن التجربة الإسلامية خصوصا وسحق التجربة الديمقراطية والانقضاض على ثورة يناير عموما لإعادة حكم العسكر.
فقد تعرض الجميع للخداع بمن فيهم من وقفوا مع الانقلاب ومن خرجوا في 30 يونيو وهم واعون أو مخدوعون، ولم يصبروا على حكم الرئيس الشرعي 4 سنوات يختاروا بعدما بحرية رئيسا آخرا مدنيا فسلموا البلاد للعسكر مرة أخرى وأجهضوا التجربة الديمقراطية الفريدة في المنطقة العربية.
وسمحوا للشرطة بالنزول لقيادة المظاهرات بدعوى "نازلين لتصحيح مسار الثورة"، ولكن نزلوا محوا كل شيء من رائحة الثورة، وعاد العسكر ومعهم رجال الدولة العميقة للحكم مرة أخرى وللقمع الأشد والحجر الحديدي على حرية التعبير.

كيف "هندس" السيسي الانقلاب؟
حين وقع انقلاب 3 يوليو 2013 ضد أول رئيس مدني منتخب وضد إرادة الشعب في صناديق الانتخابات كانت الصورة واضحة في مصر، وتتلخص في أن جنرالات السيسي وطنطاوي كانوا يعدون خططا فعلية للعودة للحكم وأنهم وراء التخطيط للفوضى مستخدمين أوراق مثل حركة تمرد وجبهة الإنقاذ.
وقد تم رصد كل هذا في الإعلام الأجنبي بوضوح، ففي المقال الذي كتبه الباحث "نيل كيتشلي" بصحيفة "واشنطن بوست" في ذكرى الانقلاب الرابعة 3 يوليو 2017، بعنوان "كيف استغل جنرالات الجيش احتجاجات الشارع للقيام بانقلاب عسكري"، أعاد إلقاء الضوء على حقيقتين:
(الأولي): أن حركة تمرد كانت تسحب من حساب بنكي يديره جنرالات الجيش المصري وتموله الإمارات.
(الثانية): أن الأنظمة الديكتاتورية يمكن أن تختلق ثورة شعبية تماما كما فعلت التنظيمات "التقدمية" قديما، وهذا أمر جديد، بدليل تمويل "تمرد" لتفجير الاحتجاج وتضخيم الإعلام لحجم المظاهرة.
وقد اعترف به بعض أعضاء حركة تمرد المنشقين عن الحركة بتفاصيل المؤامرة والخديعة بعدما تبين لهم أن الجيش استخدمهم أداة للانقلاب، وأعاد الحكم العسكري لمصر الذي لم ينقطع منذ سيطرة الجيش على السلطة عام 1952.
ولكن أخطر ما في هذه التسريبات الأخيرة كان ثلاثة أشياء:
(الأول): أنها كشفت أن تمويل حركة "تمرد" ضمن خطة "إسقاط" مرسى، قد تم عبر حسابات بنكية تابعة للمخابرات الحربية، كانت تغذيها الإمارات، وهو ما كشف عنه بوضوح حديث اللواء عباس كامل مدير مكتب السيسي مع صدقي صبحي رئيس الأركان حينئذ، عندما طلب منه (200 ألف) من الفلوس التي في المخابرات ومخصصة لتمرد والتي قالت إنها (5) دون أن يوضح هل هي خمسة ملايين أم مليارات، وبأي عملة هي.
(الثاني): أنها أكدت ما ظهر في التسريبات السابقة حول استيلاء قادة المؤسسة العسكرية المصرية على أموال المعونات الخليجية لمصر وعدم نقلها للخزانة العامة للشعب، وهو ما قاله السيسي في التسريب السابق عندما طلب 10 مليارات دولار من كل من السعودية والإمارات والكويت و"قرشين للبنك المركزي"، وفي التسريب الأخير، أظهر المقطع الأول الذي تضمن مكالمة هاتفية بين مدير مكتب السيسي اللواء عباس كامل والدكتور سلطان الجابر، وزير الدولة في الإمارات، حديث عباس عن صعوبة التصرف في وديعة إماراتية قال إنها "للجيش المصري" لأنها حوّلت كوديعة للبنك المركزي (مال الشعب) من بنك أبو ظبي، بينما هي تمويلات مقدمة لمشاريع الجيش، بحسب قوله، ومطالبة "عباس كامل" لجابر بالتصرف لتسهيل صرفها، ربما بإرسال ما يفيد أنها للجيش لا الشعب!
(الثالث): أن حصول أعضاء حركة "تمرد" المصريين على تمويل من دولة أجنبية (الإمارات) يندرج في القانون تحت بند (التخابر)، ولهذا دعا نشطاء إلى ضرورة القبض على قيادات "تمرد" بتهمة التخابر مع دول أجنبية، وتلقي تمويلات منها، كما أشار آخرون إلى أنهم عرفوا الآن مصدر الأموال التي أقام بها محمود بدر مؤسس الحركة حفل زفافه في أحد أكبر الفنادق المصرية، رغم أنه كان صحفيا مغمورا لا يملك شيئا، إضافة إلى السيارات الثلاث التي يملكها الآن، وما أعلن عن تشييده مصنع للبسكويت وحصوله على قطعة أرض كبيرة لهذا الغرض، فضلا عن محاولته تأسيس حزب سياسي (تم رفضه) لتبييض هذه الأموال تحت غطاء سياسي.
وكان مغرد خليجي قد ذكر في تغريدة بتاريخ 26/6/2013 قبل الانقلاب أنه تم دعم حركة تمرد بـ 10 ملايين دولار "من قبل الخلية عبر حمدين صباحي"، ما يشير لتورط حمدين صباحي أيضا.
طنطاوي كشف المؤامرة مبكرا
أيضا كشفت صحيفة هآرتس الصهيونية والبروفيسور الفرنسي (جيل كيبل) أستاذ ورئيس برنامج الدراسات الشرق أوسطية في معهد الدراسات السياسية بفرنسا في مقال نشر في يونيو 2014 حول ثورات الربيع العربي، كيف تم إفسادها في بعض الدول العربية وبشكل خاص في مصر وسوريا بشكل خاص، عن طريق الجنرالات العسكريين تحت عنوان: "مؤامرة الجنرالات في مصر".
فوفقًا لكيبل: "الانقلاب كان مدبرًا" حيث التقى (الباحث الفرنسي) بعد شهور من ثورة يناير 2011 مع مستشار المشير طنطاوي حيث أخبره الأخير أن: "المؤسسة العسكرية سوف تسمح للإخوان بالصعود للحكم، ومن ثم تكشف مساوئهم (لم يذكر خطة إثارة المشاكل الإخوان لإفشال حكمهم) وتجعل الشعب يثور ضدهم، ثم يطالب بعودة الجيش لسدة الحكم"!.
ووفقا للخبير الفرنسي –في الدراسة التي نشرها "إساف رونئيل" بصحيفة "هآرتس" 25 يونيو 2014– كان هناك دور للسيسي كرئيس للمخابرات الحربية، حيث يقول: "لم يكن لدى قادة الجيش شك فيما يتعلق بهذه الخطة، والأسئلة التي ظلت مفتوحة تمحورت حول مدى تدخل السيسي في الخطة، والدور الذي لعبته الولايات المتحدة وإسرائيل في الأحداث".
الجنرالات اجتمعوا بالمعارضين لمرسي
أيضا فضحت "وول ستريت جورنال" في مقال نشرته عام 2013 تحت عنوان "الدولة العميقة تعود في مصر مرة أخرى"، تفاصيل الترتيبات لانقلاب الجيش على الرئيس محمد مرسي، مؤكدا أن كبار الجنرالات في البلاد، كانوا يجتمعون بشكل منتظم، مع قادة المعارضة، وكانت رسالة هؤلاء الجنرالات لهم هي: "إذا استطاعت المعارضة حشد عدد كافٍ من المتظاهرين في الشوارع فإن الجيش سيتدخل، وسيعزل مرسي بشكل قسري"، حسب الصحيفة.
وأضافت الصحيفة، أنه من بين حاضري الاجتماعات من المعارضة محمد البرادعي مؤسس حزب الدستور، وعمرو موسى رئيس حزب المؤتمر، وحمدين صباحي مؤسس التيار الشعبي، وذلك وفقاً لأحمد سميح، الذي عرفته الصحيفة بأنه أحد المقربين من العديد من رموز المعارضة الذين حضروا هذه الاجتماعات، والدكتورة رباب المهدي أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، وآخرون ممن هم على مقربة من كبار أعضاء جبهة الإنقاذ الوطني.
ونقلت الصحيفة عن "سميح" قوله إن "المعارضة طرحت سؤالاً بسيطاً للجيش، وهو ما إذا كان سيكون معها هذه المرة أم لا، وهو الأمر الذي أكد عليه الجنرالات".
وأوضحت الصحيفة أنه مع اقتراب الإطاحة بمرسي، زادت اللقاءات بين الجيش والمعارضة، مشيرة إلى أن بعض هذه الاجتماعات عُقدت في نادي ضباط القوات البحرية، وهو ما يكشف عن عمل "الدولة العميقة" في البلاد.
وأشارت الصحيفة إلى أنه في الفترة التي سبقت يوم 30 يونيو، زاد التحريض ضد الإخوان، وحينما طلبت الجماعة رسمياً من وزير الداخلية حينها اللواء محمد إبراهيم، حماية مكاتبهم، رفض الأخير الطلب بشكل "علني".
الجنرالات أشرفوا على تحريك المظاهرات
وفي مقال آخر سابق بمجلة (دايلي بيست) بعنوان (مؤامرة القاهرة) كتب (مايك جيجليو) بتاريخ 12 يوليو 2013، يقول "إن بعض القادة الذين حركوا تظاهرات 30 يونيو كانوا على اتصال دائم مع الجيش من خلال وسطاء وأنهم خططوا للتظاهرات التي كانت مدعومة بشكل واضح من الجيش".
 وأشارت الصحيفة إلى اتصال "وليد المصري"، أحد منظمي التواصل مع حركة تمرد، الدائم والمنتظم مع مجموعة من ضباط الجيش المتقاعدين، ونقلت عن (محب دوس) أحد مؤسسي الحركة قوله إن قادة الحركة تلقوا مكالمات من قادة الجيش ومن مؤسسات أخرى التي انقلبت على مرسي.
ملايين الإمارات لـ"تمرد" سلاح الانقلاب
وحين نشأت حركة "تمرد" قبل الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، وروجت لجمعها تفويضات من 22 مليونا مصريا، لاحظ نشطاء انشقوا عليها لاحقا، وصحف أن الحركة تنفق بسخاء، وأنها استأجرت عشرات المقرات، وقال إسلام همام" عضو اللجنة المركزية للحملة للصحف إن لديهم أيضا "مقرات سرية"، ما أثار تكهنات حول وجود جهات داخلية أو خارجية تدعمها.
لاحقا وعندما انشق عدد من أعضاء الحركة غضبا من تولي السيسي الرئاسة واستمرار قمع كل التيارات السياسية، كشف بعضهم ومنهم "الصحفي "محمود السقا" و"محب دوس" تلقي الحركة تمويلات من جهات أجنبية.
ثم اعترف "دوس" رسميا مارس 2016، أن مسئولا بالسفارة الإماراتية (بلهجة خليجية) اتصل به وقال له لديّ شيك بـ 30 ألف دولار لحملة تمرد، والحركة ليس لها مقر رسمي، وأرغب في إرسالهم عن طريقك.

وخلال حلقة ببرنامج "العاشرة مساء" على "قناة دريم2" 23 مارس 2016، فاجأ محمد فاضل، عضو هيئة الدفاع عن "محب دوس" أحد مؤسسي حركة "تمرد" الخمسة، الحاضرين معه، ومنهم "محمد نبوي"، العضو بالحركة، على الهواء مباشرة بكشفه –الشيكات– بعض الأموال التي تلقتها الحركة قبل 30 يونيو من دولة الإمارات ومن جهات أخرى، مؤكدا "دول شوية فكة وفيه غيرها".
وقال المحامي "فاضل" إن محمود السقا، عضو تمرد السابق وأحد المتهمين في قضية "حركة 25 يناير" سُئل في التحقيقات عن التمويلات التي تلقتها قيادات حركة "تمرد" وذكر بالاسم محمود بدر ومحمد نبوي وحسن شاهين.
وأضاف أن أحد المسئولين في سفارة الإمارات بالقاهرة اتصل بكل من دعاء خليفة ومحب دوس، وأبلغهما أن هناك شيكا بقيمة 30 ألف دولار سيتم إرساله على عنوان منزلهم، ولما رفض "دوس" قبول تلك الأموال، قال له المسئول الإماراتي: "هذا الشيك أُرسل مثله لفلان وفلان وفلان".
وتابع المحامي أنه قدم بلاغا بهذا للنائب العام ضد كل من محمود بدر ومحمد نبوي، وهذا البلاغ يتعلق بتلقيهم أموالا تقدر بـ"ملايين الجنيهات من جهات أجنبية"، بحسب قوله.
وتابع: "قدمنا للنائب العام صورا من الشيكات، وشهادات تثبت الوقائع، وهناك ثلاث وقائع يحويهم البلاغ، الأولى تتعلق بتلقي قيادات (تمرد) 6 شيكات كل شيك بقيمة مليون جنيه من شيوخ قبائل سيناء، قبل 30 يونيو بحجة المساهمة في الإعاشة الخاصة بالميدان وتم صرفها".
وأضاف "هناك 30 شيكا، قيمة كل شيك 100 ألف دولار من الجالية العربية بأمريكا، وتم ذلك من خلال وسيط وهو رئيس الجالية ووسيط آخر يعمل معدّا بقناة "العربية" السعودية، على حد قوله، وأخفى النائب العام السابق هذه التحقيقات.

كيف تم تصنيع التمرد؟
وفي تقرير بصحيفة "واشنطن بوست" ألقى الباحث "نيل كيتشلي" مزيدا من الأضواء على كيفية تصنيع الجيش حركة تمرد وتصويرها على أنها حركة شعبية، وحملة توقيعات تدعو للإطاحة بالرئيس مرسي في 30 يونيو، مع إخفاء دور الجيش ووزارة الداخلية الواضح في دعم الحركة.
وأشار إلى أن المقابلات مع مسئولين في وزارة الداخلية وأعضاء تمرد السابقين أظهرت كيف أشعل جهاز الأمن احتجاجات الشوارع ضد حكومة "مرسي"، لهذا هاجم نشطاء حركة تمرد في أكتوبر 2013، ووصفوا محمود بدر أحد مؤسسيها أنه "قواد لأجهزة المخابرات".
ويقول الباحث إن "ما لم يأخذ حقه من التوثيق الجيد في تلك الفترة هو موجة العنف ضد الإخوان المسلمين التي زعزت استقرار رئاسة "مرسي" في الفترة التي سبقت الانقلاب العسكري".
حيث أوضح (في خريطة أرفقها بالدراسة) الهجمات على مكاتب الإخوان المسلمين ومقار حزب العدالة والتنمية في الفترة بين 18 يونيو و3 يوليو 2013 والتي واكبها تصريحات لضباط الشرطة ومسئولي وزارة الداخلية بأن قوات الأمن في البلاد لن تتدخل وتحمي المباني، وكان هذا التقاعس المتعمد من قبل قوات الأمن جزءا من خطة تقويض الحكم الديمقراطي.
وتشير إلى أنه تم رصد أكثر من 140 احتجاجا ضد "مرسي" في 30 يونيو أوردتها وسائل الإعلام المصرية، وأن إجمالي هذه الحشود كان يتجاوز بقليل مليون متظاهر في جميع أنحاء البلاد لا 25 مليونا كما زعمت أذرع الانقلاب، ولا 33 مليونًا كما زعم اللواء سامح سيف اليزل لشبكة "سي إن إن" ليلة الانقلاب.
وكان تضخيم الجيش لمظاهرات 30 يونيو وخروج طائرات الجيش لتحيّتهم برسم قلوب لهم متوازيا مع دور جنرالات مصر والوحدات الأمنية في تهيئة الظروف لإبعاد مرسي، ما يثير شكوكا حول الصورة الشائعة لأحداث يونيو على أنها هبّة سلمية تلقائية لأن الهدف كان العودة إلى الحكم العسكري.

Facebook Comments